متنوع

“اقتصاد الخوف”.. كيف يُفسر “الهلع” الكثير من قراراتنا الاقتصادية؟

يقدم علم الاقتصاد السلوكي تفسيرات كثيرة لما يخفق فيه الاقتصاد التقليدي، خاصة إذا تدخلت مشاعر الإنسان، لا سيما الخوف في القرارات الاقتصادية، فحينها كثيراً ما تصبح المعطيات الاقتصادية من أرقام وإحصاءات هامشية أمام شعور متخذ القرار الاقتصادي بالخوف.

التأمين والخوف من التغيير

يعد التأمين أحد الصناعات القائمة على اقتصاد الخوف، فالناس على استعداد لدفع مبلغ كبير لمنع أي فرصة ضئيلة لفقد قدر كبير من ثرواتهم. وبذلك تصبح تكلفة التأمين أغلى من الفوائد التي تحققها أو تضمنها على المدى الطويل، وهو ما تؤكده الأرباح الكبيرة التي تحصدها تلك الصناعة.

فمن الناحية النفسية لا يفتقد المستهلك مبلغ التأمين الإضافي البالغ، وليكن 500 ريال ولكن لا يمكننا التغلب على خسارة منزلنا، بل يبدو مجرد احتمال خسارة المنزل فقط أشد وطأة من دفع 500 ريال من المؤكد خسارتهم.

وتظهر فكرة “الخوف من التغيير” أيضاً، فالناس يتأثرون بالأحداث التي اختبروها في الماضي، وحتى لو تغيرت الظروف، يتذكر الناس ما كان عليه الحال في الماضي، ويظل لذلك تأثير قوي على صنع القرار الاقتصادي الحالي.

فعلى سبيل المثال، قد يستمر الأفراد في الإنفاق على المبيعات، على الرغم من أن توقعات الدخل المستقبلية ليست واعدة كما كانت في السابق، كما أن توقعات التضخم تستند إلى حد كبير إلى البيانات السابقة، وبالتالي فإن زيادة  التضخم تولد المزيد من المخاوف وربما المزيد من التضخم بسبب الإقبال على الشراء من الخائفين من المزيد من ارتفاع الأسعار.

 التأثر بالمؤثرات الخارجية

يتأثر المستهلكون إلى حد كبير بضغوط وسائل الإعلام الخارجية وتصورات الواقع الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، فإن 70% من الأمريكيين يعتقدون أن الولايات المتحدة في حالة ركود بالفعل، ولكن الاقتصاد الأمريكي ليس في حالة كساد، حتى لو كانت أسعار المنازل تتراجع وكانت هناك أزمة ائتمانية.

ومع ذلك، كثيرًا ما يتحدث الناس كما لو كان هناك بالفعل حالة من الركود الاقتصادي، حتى في أوقات الرواج، وهذا الخوف من الركود يمكن بالطبع أن يجعل الركود حقيقة واقعة. فإذا اعتقد الناس أنهم في حالة ركود، فإن إنفاقهم سينخفض على الرغم من أن دخلهم قد يرتفع.

وسيؤدي هذا بدوره إلى انخفاض الطلب الكلي وانخفاض النمو الاقتصادي، ليبقى الشيء المؤكد هو أن إنفاق الناس لا يتأثر بدخلهم الخاص فحسب، بل بالأهم وهو تصوراتهم للتوقعات الاقتصادية العامة.

وتعد متلازمة “الإسراع إلى البنك” مثالاً جيداً على تأثير “الخوف” على الناس اقتصادياً، فعندما سمع الناس أن بنك “نورثرن روك” كان في أزمة، هرع العملاء إلى البنك لسحب مدخراتهم، ولأن بعض العملاء كانوا يهرعون إلى البنك، شعر الكثير من الناس أنه يجب عليهم  أن يفعلوا مثلهم.

كان هذا على الرغم من أن مشاكل “نورثرن روك” لم تؤثر على المدخرين مباشرة، ولكن بسبب مشاكل في إعادة تمويل قروض الرهن العقاري، وفي مثل هذا الموقف، غالباً ما تسود عقلية “القطيع” حيث يتبع الناس ما يفعله الآخرون.

الازدهار والأزمات

غالباً ما تخضع الأسواق التي تعرف افتراضاً بأنها تتمتع  بـ “المعلومات الكاملة” لتقلبات عنيفة.

ففي فترات الازدهار، يقفز الناس للحاق بالقطيع ويُقبلون على شراء الأسهم أو المنازل. ولكن عندما يتغير مزاج السوق قليلاً، يمكن أن يتغير مزاج الناس بسرعة بحيث يسارعون للبيع بصورة جنونية، في محاولة للخروج قبل انهيار السوق.

وهناك العديد من الأمثلة على الأسعار التي تتحرك بشكل مستقل عن العوامل الاقتصادية، وتعد أزمة انفجار فقاعة الدوت كوم  والمعروفة أيضاً باسم فقاعة الإنترنت خلال عامي 2001 و2002 مثالاً على ذلك.

وظهرت “فقاعة الإنترنت” بسبب  طفرة سريعة في تقييمات أسهم التكنولوجيا في الولايات المتحدة التي غذتها الاستثمارات في الشركات القائمة على الإنترنت في أواخر التسعينيات. وارتفعت قيمة أسواق الأسهم بشكل كبير، حيث ارتفع مؤشر ناسداك المهيمن عليه أسهم شركات التقنية  من أقل من 1000 نقطة إلى أكثر من 5000 نقطة بين عامي 1995 و2000.

وبحلول نهاية عام 2001، كانت معظم أسهم شركات الإنترنت قد تراجعت. حتى أسعار أسهم التقنية الممتازة مثل سيسكو وأنتل وأوراكل قد فقدت أكثر من 80٪ من قيمتها.  وكان من المتوقع أن يستغرق الأمر 15 عاماً حتى يستعيد مؤشر ناسداك ذروته في سوق الشركات القائمة على الإنترنت، وهو ما حدث بالفعل في الثالث والعشرين من أبريل 2015.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق