متنوع

الصورة الحديثة من حياة “الجمع والالتقاط”.. ما هي “المتاجر المظلمة”؟

على منابر منصات التواصل الاجتماعي، انتشرت مؤخرًا بعض المنشورات والرسوم الساخرة، التي تقارن الحياة البشرية في عصور ما قبل التاريخ وبين ما آلت إليه الآن، حيث يرى الساخرون أن الإنسان عاش حياة أسهل في الماضي لا يخرج فيها من كهفه سوى للصيد وجمع ما يحتاج إليه من طعام.

لكن بعيدًا عن النظرة السطحية الساخرة، فإن مفهوم “الجمع والالتقاط” الذي عاش الإنسان القديم وفقًا له -حيث كان يخرج لجمع الثمار من الأشجار وصيد الحيوانات والأسماك- يعاد إنتاجه الآن بشكل يلائم القرن الحادي والعشرين تحت اسم “الضغط والالتقاط”.

العيش وفق النمط الجديد أكثر راحة وأمانًا مما تشير إليه القصص الساخرة من سهولة في حياة الإنسان الأول، فالآن ليس عليه الخروج من الكهف ولا تسلق الأشجار ولا مطاردة فرائسه، فقط سيُخرج مستطيلاً معدنياً ذا واجهة زجاجية من جيبه ليضغط بضع ضغطات بسبابته قبل أن تطرق السلع الغذائية بابه.

تطور مفهوم “الضغط والالتقاط”

– ثورة التجارة الإلكترونية التي نحياها في الوقت الحالي لم تعد تمضي بخطوات متأنية كباقي الطفرات الصناعية، الجميع يتسابقون الآن لتقديم الخدمات التقليدية بشكل إلكتروني مطور يوفر على المستهلكين المجهود ويسهل وصولهم إلى الخدمات والسلع، ومثال ذلك “أمازون” و”أوبر” و”إير بي إن بي”.

في خضم هذه الثورة، أصبح كل في مكانه يبحث عن مدخل للقفز على “تريند” التجارة الإلكترونية، وكما كان جميع البائعين يتسابقون قديمًا للوصول إلى الأموال في جيب المستهلك، هم يتسابقون الآن للوصول أولًا إلى الجوال الذي في جيبه.

من بين أبرز المتسابقين في عالم التجارة الإلكترونية؛ متاجر البقالة وبائعو المنتجات الغذائية، الذين يريدون جعل التسوق من أجل المطبخ بسهولة التسوق من أجل دولاب الملابس، حيث سيكون على المستهلك تصفح منصة تعرض مئات البنود، وإعداد قائمة بالمنتجات المطلوبة.

التسوق عبر المنصات الإلكترونية، يبدو مشابهًا للتسوق في مراكز ومتاجر البقالة الكبيرة، لكنه لا يحتاج سوى سحب الشاشة في اتجاه مختلف لا سحب عربة محملة بعدة كيلوجرامات من الغذاء، وبعد إعداد المستهلك قائمته من المنتجات المستهدفة، ليس عليه سوى انتظار قدومها إليه.

هذا المفهوم من الأعمال يطلق عليه اسم “المتاجر المظلمة”، ويرى بعض المحللين أن معدلات نموه ستواصل تسجيل مستويات قوية إلى أن يستحوذ على القدر الأكبر من السوق مقارنة بمتاجر البقالة التقليدية التي تتطلب وجود المستهلك شخصيًا.

نشأة متاجر البقالة المظلمة

يُعتقد أن انطلاق هذه المتاجر كان في أوروبا، وظهر المصطلح لأول مرة عام 2009 في المملكة المتحدة، والتي تشهد منافسة شرسة بين سلاسل تجزئة البقالة وعلى رأسها “سينسبري” و”تيسكو”، بحسب تقرير لـ”التليغراف”.

متاجر البقالة المظلمة أو المخازن المظلمة أو مراكز “دوت كوم”، كلها تسميات لنفس المفهوم، والذي يقتصر فيه دور المستهلك على إجراء الطلب عبر الإنترنت، بعد تصفح قائمة المنتجات المتوافرة كبديل لعملية التسوق التقليدية التي تحتاج إلى التجول كثيرًا.

في متاجر البقالة المظلمة، والتي تشبه من الداخل المتاجر التقليدية تمامًا، وبعدما يؤكد المستهلك طلبه عبر المنصة أو الموقع الإلكتروني الخاص بالمتجر، يتولى أحد العاملين جمع السلع والمنتجات المطلوبة من على الأرفف في الأقسام المختلفة

داخل متجر البقالة المظلم، يبدو المشهد أشبه بعملية التسوق المعهودة في المراكز التجارية العادية، أشخاص يتجولون هنا وهناك ويدفعون عربات التسوق أمامهم لجمع الطلبات، بيد أن جميع المتسوقين يرتدون زيًا موحدًا وهم من العاملين لدى المتجر.

بمجرد الانتهاء من تجميع طلب ما، يتم نقله للمرحلة التالية، وهي التوصيل إلى المنزل، حيث سيكون على المستهلك السداد وتسلم طلبه، ولا حاجة طبعًا لذكر أن عملية الدفع قد تتم عن طريق العديد من وسائل الدفع الإلكتروني أو حتى نقدًا.

بحسب “رويترز”، فإن هذه التسمية “متاجر البقالة المظلمة” جاءت لأنها متاجر غير مفتوحة أمام العامة ولا تتلقى طلبات أو تبيع منتجاتها إلا عبر الإنترنت، سواء باستخدام منصة خاصة أو المواقع الإلكترونية التابعة للمتاجر.

تغير الصناعة

صحيح أن هذه المتاجر تظل في حاجة إلى العمالة (ربما الكثير منها)، لكن كغيرها من الصناعات، قد تقع فرص العمل بها ضحية الأتمتة المتزايدة والتي تجعل الأعمال اليومية ذات المجهود البدني أكثر فاعلية، وظهرت في المملكة المتحدة بالفعل متاجر مظلمة تستخدم الروبوتات في تجميع الطلبات.

لكن بعيدًا عن الوظائف، يبدو هذا المفهوم من المتاجر بمثابة محيط أزرق لشركات تجزئة البقالة، ويضمن لها معدلات نمو وإيرادات متزايدة على مدار فترة طويلة، ووفقًا لتقرير نشرته “بزنس إنسايدر” في فبراير، فإن سوق البقالة الإلكتروني الأمريكي نما بأكثر من 100% على مدار عامي 2017 و2018.

بلغ حجمه 26 مليار دولار العام الماضي، ارتفاعًا من 12 مليار دولار، (مع العلم أن سوق البقالة بوجه عام، بلغ حجمه 632 مليار دولار)، لكن من المتوقع أن يواصل السوق الإلكتروني النمو المتسارع خلال السنوات المقبلة، ليبلغ 117 مليار دولار بحلول عام 2023.

يقول تقرير لموقع “جازيت ريتل” البريطاني، المعني بالأخبار التي تخص تجارة التجزئة: يمكن لهذه المتاجر المظلمة أن تحل محل مراكز التسوق التقليدية بسهولة، وقد تسجل معدل استبدال يصل إلى واحد مقابل كل عشرة متاجر تقليدية.

يضيف التقرير: في المملكة المتحدة، لا يتجاوز عدد المتاجر الكبرى 5 آلاف متجر، ووفقًا لهذا المعدل، ينبغي أن يحل مكانها 500 متجر مظلم جديد بهدوء، وهو ما تتسابق فيه سلاسل التجزئة بالفعل مثل “تيسكو” و”سينسبري”.

في النهاية، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء ولن يرجع الإنسان إلى نمط الحياة الذي اعتاده قبل آلاف السنين، ومع ذلك، سيحظى بجزء منه، بيد أنه لا يتوجب عليه الخروج أو التسلق أو المطاردة، فقط سيكتفي بمشاهدة مباراة فريقه المفضل داخل كهفه لحين وصول الطعام.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق