أخبار العالم

مع محدودية الأدوات.. كيف يمكن مواجهة أزمة مالية أخرى؟

ربما بدأت الأزمة المالية في عام 2008 داخل القطاع المصرفي الأمريكي لكنها تسببت في أكبر ركود اقتصادي عالمي منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وأصبح عام 2009 هو الأول في التاريخ الذي يشهد انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقيمة الحقيقية (أيّ بعد استبعاد أثر التضخم).

وقدّر النمو المفقود الناتج عن الأزمة والركود الاقتصادي الذي أعقبها بأكثر من 10 تريليونات دولار (أكثر من سدس الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2008).

وحول العالم، فإن الحكومات والبنوك المركزية تجمعت من أجل تجنب أزمة كبرى عبر تنفيذ برامج إنقاذ البنوك التي أثبتت أنها أكبر من يًسمح بانهيارها، فضلاً عن خفض معدلات الفائدة قرب الصفر، وضخ السيولة في النظام من خلال برنامج التيسير الكمي.

واستغرقت هذه العملية معظم العقد كي يتم تنفيذها قبل أن يكون هناك عودة قوية للنمو الاقتصادي في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا.

وحذر صندوق النقد الدولي من أن الحكومات والجهات التنظيمية فشلت في الدفع نحو الإصلاحات اللازمة لحماية النظام من السلوك المتهور.

ويقول الاقتصاديون إننا نقترب من الظروف المواتية لأزمة مالية أخرى يعقبها ركود اقتصادي عالمي.

لكن مصدر القلق الرئيسي هو أن الحكومات لا تمتلك أدوات السياسة التي كانت لديهم في عام 2008 من أجل منع تحول الصدمة المالية إلى انهيار فعلي، كما أن مستويات الديون الإجمالية أعلى مما كانت عليه في الأزمة السابقة.

وتحدث أستاذ السياسة العامة وأستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي “كينيث روجروف” حول هذه القضية مع منتدى الاقتصاد العالمي خلال الاجتماع السنوي يناير 2019.

كيف سيكون رد فعل صناع السياسة إذا كانت هناك أزمة مالية أخرى؟

لا اعتقد أننا سنواجه بالضرورة أزمة مالية أخرى في أيّ وقت قريب رغم أن الاضطرابات السياسية في الولايات المتحدة والعالم كبيرة لدرجة أنني لا أشعر بالأمان حيال أيّ شيء في الوقت الحالي.

وعندما نواجه أزمة مالية أخرى، فإن أدواتنا محدودة، وأحد التحديات هي أن معدلات الفائدة منخفضة للغاية الأمر الذي يوفر مساحة محدودة أمام البنوك المركزية لخفض معدلات الفائدة.

أما المأزق الآخر، فيتمثل في أن هناك الكثير من الانقسامات عبر المشهد السياسي لدرجة أنه ما لم يكن الوضع جاداً بشكل لا يصدق فقد يكون من الصعب وضع استجابة قوية بما يكفي من الإنفاق الحكومي.

لكن الأمر الأكثر قلقاً هو الرأي القائل بأنه التحفيز فحسب يجب استخدامه استجابة للأزمة المالية، وأنه ليس هناك حاجة لمعالجة العقبات داخل القطاع المالي، وتعد هذه المسألة بمثابة إشكالية كبرى.

وفي الأزمة الأخيرة، توصل العديد إلى خلاصة مفادها أن الحل البسيط والأكثر يتمثل في إيجاد طريقة لشطب جزء من الديون الخطرة في الولايات المتحدة باستخدام الميزانية العمومية للحكومة وكذلك في منطقة اليورو، لإيجاد طريقة لخفض ديون الدول الهامشية المثقلة بالديون بشدة.

ويُعد هذا الوضع صعب تنفيذه لكن الدول والمناطق الناجحة للغاية في الخروج من الأزمات المالية تمكنت من شطب الديون.

وتكمن المشكلة في أنه إذا لم تقم بذلك فأنت تترك قطاعاً مالياً ضعيفاً لسنوات ممتدة، وهذا أمر غير ناجح كذلك.

هل تتمتع البنوك المركزية بالاستقلالية التي تحتاجها؟

في الأزمة المالية الأخيرة، فاجأت البنوك المركزية الكثير من صانعي السياسة بمدى الاستقلالية التي تتمتع بها.

ويمكن للبنك المركزي إصدار ديونه الخاصة، وهذا ما فعله بنك الاحتياطي الفيدرالي، مثلما تفعل الحكومة.

وأصدرت البنوك المركزية كميات كبيرة من الديون في محاولة لزيادة المعروض النقدي، كما أصدورا ديوناً يستحق موعد سدادها بعد فترة زمنية قصيرة للغاية لإعادة شراء الديون طويلة الآجل.

واستخدم الفيدرالي التيسير الكمي للتخفيف من تأثير الأزمة المالية، ورغم القيود المفروضة على البنوك المركزية تظل استقلاليتها قوية في جميع أنحاء العالم.

وتمتلك تلك البنوك الاستقلالية التي تحتاجها لكن الأدوات غير متاحة، حيث كان من الممكن أن يكون دفع معدلات الفائدة للنطاق السالب في حالة الطوارئ الشديدة وسيلة لتحفيز الاقتصاد وأكثر فاعلية من التيسير الكمي.

بالنظر إلى عدم التعافي التام للأجور منذ الأزمة الأخيرة، ماذا يعني الاتجاه الاقتصادي الهابط بالنسبة للأشخاص العاديين؟

لسوء الحظ، عندما تكون هناك أزمة مالية أو أزمة ديون أو أيّ نوع من الأزمات، فإن الأكثر تضرراً هم دائماً الأفقر وغالباً الطبقة الوسطى.

وبالتالي، فمن شأن الأزمة المالية أن تكون سيئة للأثرياء لكنها ستكون أسوأ بالنسبة للأشخاص العاديين، وهو ما يشير إلى أن هناك أشياء يمكن للحكومة القيام بها للتأكد من تقاسم العبء بشكل عادل.

وأحد الطرق للقيام بذلك هي أن يتم شطب الديون بمعدل أكبر مما كان عليه في المرة الأخيرة.

هل سيكون الاقتصاد العالمي دائماً عرضة لمثل هذه الأنواع من الاتجاه الهبوطي أم أن هناك طريقة أفضل؟

لسوء الحظ أن الأزمات المالية تتبع الطبيعة البشرية أكثر من تفاصيل النظام القانوني والنظام المالي، أنها تعمل في دورات.

لكن ما يمكننا القيام هو جعل الفترة الزمنية أطول حتى حدوث الأزمة القادمة ووضع إجراءات قوية وتحديد تدابير أكثر إبداعاً.

كيف يفترض قياس التقدم الاقتصادي؟

يوجد مشكلة لدينا تتعلق بقياس الأفكار والابتكارات ولا سيما ذات الصلة بالمستهلكين ولكن كذلك تلك التي تتعلق بالأعمال التجارية.

وكانت الطريقة القديمة للقياس وهي “الناتج المحلي الإجمالي” جيدة لقياس السيارات وعدد المنازل التي يتم بناؤها وبعض الأشياء الأخرى لكنها تزداد بعداً عما نعتقد أنه تقدماً اقتصادياً.

وبالطبع، هناك قضايا أخرى مثل المساواة، حيث أن الرفاهية الاقتصادية لا تعتمد فقط على إجمالي الدخل الذي يمتلكه المجتمع ولكن كيف يتم توزيعها، ولا يمكن الحصول على كل هذا في مقياس واحد.

ما هو الشيء الأكبر الذي يخطئ بشأنه الاقتصاد العالمي حالياً؟

ليس هناك شك في أن واضعي السياسات يتم إجبارهم على التركيز على المدى القصير للغاية وهو الأمر الذي يستبعد الأجيال القادمة: تغيير المناخ هي القضية الأكبر.

ومن الواضح أن هناك مخاطرة كبيرة غير مدركة بالنسبة للسياسات كما أن حلول القطاع الخاص غير كافية.

وبالطبع يرغب الاقتصاديون في فرض ضرائب أعلى بكثير من المطبق حالياً على الكربون، لكن حقائق السياسة ومصالح الناخبين قد تمنع ذلك.

ما مدى تفاؤلك بالمستقبل؟

الأشخاص العاديين متفائلون للغاية بشأن التكنولوجيا للمستقبل لكن على النقيض يرى الاقتصاديون والبنوك المركزية ووول ستريت أننا انتهينا من اختراع أيّ شيء طوال 250 عاماً والآن التقدم سيتباطأ.

لكني أرى أن هذا الاعتقاد خاطئ بل في الواقع من المرجح أن نشهد تسارعاً في التكنولوجيا.

ولكن هذا لا يعني قطعاً التفاؤل حيال المجتمع نظراً لأن لديه مشكلة صعبة للغاية في التعامل مع التغيير السريع والابتكار، لكنني أشعار بالثقة أن التكنولوجيا سوف تتحسن سريعاً.

في حين أن القلق يكمن في عدم تقدم المجتمع والسياسة بخطوات متشابهة فضلاً عن أن الانفصال بين الوتيرة السريعة للتكنولوجيا والأخرى البطيئة التي يمكن أن يتغير بها المجتمع والسياسة يمكن أن يثير العديد من المشاكل.

هل هناك مشكلة محددة تثير قلقك؟

بالتأكيد أقلق بشأن نمو المجموعات الشعبوية في جميع أنحاء العالم كما أؤيد بشدة محاولة الحصول على مجتمع أكثر مساواة.

وأرغب في رؤية سياسات أكثر توجهاً نحو السوق في محاولة لتحسين التعليم وتحسين توزيع الدخل ولكن هناك تخوف بألا يكون هذا هو الاتجاه الذي نسير فيه.

المصدر: معلومات مباشر

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق