متنوع

ما المانع أن تكون الأجور يوميا؟

في عام 1954، توصلت شركة باي راديو، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها، إلى ابتكار بارع لخفض التكاليف قليلا. ومن أجل أن تتجنب النفقات التي تأتي مع جلب النقود من المصرف، وحراستها، والتحقق منها، وتصنيفها في رزم أجور فردية؛ قررت أن تدفع لموظفيها (ومعظمهم من ذوي المهارات العالية) بشيكات مصرفية.
الأمر لم يسر على ما يرام. لم يكن الموظفون حريصين على الاضطلاع بالعمل الإضافي المتمثل في جلب الأموال بأنفسهم. انطلقت احتجاجات على أساس أن النظام انتهك قانون الشاحنات الصادر عام 1831، الذي أجبر أصحاب العمل على دفع الأجور بـ “العملة الحالية للمملكة” (بدلا من شهادة مؤقتة بملكية أسهم أوسندات مالية). سوق العمل كانت ضيقة في ذلك الوقت؛ والبطالة أقل من 2 في المائة. وبذلك عادت شركة باي إلى الدفع نقدا.
مرت ست سنوات أخرى حتى تمكنت الشركة من المحاولة مجددا. أخيرا، سمح قانون مدفوعات الأجور الذي يعود إلى عام 1960 لأصحاب العمل بدفع الأجور بالشيكات، وهو أمر لطالما كانت المصارف تضغط من أجله (الأشخاص الذين لديهم شيكات غالبا ما يحبون أن يكون لديهم حسابات مصرفية).
التقبل كان بطيئا – في الواقع بطيئا للغاية لدرجة أن وزير خدمات المعلومات المصرفية في المملكة المتحدة، جون هنسورث، كان مدفوعا بالأمل في إمكانية وجود طريقة لإظهار رمز للمكانة الاجتماعية الناشئة عن إيداع الشيكات في حساب مصرفي.
بمجرد حصول الجميع على حساب، أعرب عن أمله في أن يبدأ الموظفون – مثلما كان الحال بالفعل في الولايات المتحدة – في الحصول على أجر نصف شهري، أو شهري بدلا من كل أسبوع. سيكون ذلك جيدا بالنسبة إلى المصارف وجيدا بالنسبة إلى التدفق النقدي لدى أرباب العمل. الابتكار لا يحدث دائما على نحو سريع في قطاع الرواتب.
في النهاية حدث ما كان مأمولا. وعلى مدار الـ 40 عاما الماضية تقريبا، لم يتغير شيء. الافتراض بأن الدفع شهريا في حساب مصرفي معين هو أنموذج صحيح ومستدام استمر ترسيخه ضمن فكر الرواتب، حتى إن التحديث الأخير لنظام الفوائد في المملكة المتحدة متمسك بدفع الفوائد شهريا.
متلقو إعانات الرعاية الاجتماعية، حسبما تقول الحكومة، يجب أن يتعلموا العمل على وضع خطط للإنفاق مثل العمال. لكن هنا يكمن الجزء المثير للاهتمام: يبدو أن هذه ليست الطريقة التي يريد بها العاملون التخطيط للإنفاق. ومع ضيق سوق العمل في الولايات المتحدة (البطالة في أدنى مستوياتها منذ أواخر الستينيات) واستعادة نشاط الصناعة التحويلية في عالم متسم بالتعرفات الجمركية، من المحتمل أن يفضي إلى جعله أكثر ضيقا، بدأ هذا الأمر يصبح مهما.
إذن، ماذا يريد العاملون؟ يريدون من أرباب العمل أن يتخلوا عن فكرة أن توقيت كشوف الرواتب يجب أن يسيطر عليه نظام خلفته أيام حساب الورقة والقلم، والبدء في الدفع لهم بمرونة أكبر – يوميا أو ربما بعد كل نوبة عمل.
بعض أرباب العمل يستجيبون بالفعل، ولا سيما في الطرف الأدنى من السوق (إذ يصعب العثور على العمالة مقارنة بالأعمال التي تتطالب مهارات عالية). سائقو “ليفت”، تطبيق طلب سيارات الأجرة عبر الإنترنت، يمكن تسديد رواتبهم وفق الطريقة القديمة بحوالة إلى حساب مصرفي أو عبر “إكسبرس بي”، ما يتيح لهم سحب رواتبهم إلى بطاقة ائتمان في كل مرة تصل فيها أرباحهم المتراكمة إلى 50 دولارا.
“أوبر” وفروع كل من “ماكدونالدز” و”تاكو بيل” و”وينديز” يقدمون خططا مماثلة، كما أن قطاعا كاملا من الشركات التي تقدم خدمات الرواتب الفورية لأرباب العمل بدأت في الظهور لتلبية الطلب الناشئ.
هذا منطقي بالنسبة إلى كثير من العاملين. إذا قال 75 في المائة من الأمريكيين إنهم يعيشون على الراتب من شهر إلى آخر، فلماذا لا يريدون تمزيق نظام يجعلهم بالفعل دائنين لشركات أرباب عملهم ويجبرون أرباب العمل على الدفع لهم في الوقت الفعلي؟
لابد أن ينجح ذلك لأرباب العمل أيضا. إحدى الشركات التي تسهل مثل هذا النظام تدعي أن أولئك الذين يستخدمونه يرون انخفاضا بنسبة 41 في المائة في معدل دوران العمالة وأن العاملين من المحتمل ـ بمعدل الضعف تقريبا ـ أن يقدموا لوظيفة توفر أجرا حسب الطلب. الشعار الذي تستخدمه شركة أخرى من هذا القبيل، هي “إنستانت فاينانشيال”، يلخص الفكرة باعتبارها: “حلا للنجاح في أقسى أسواق العمل”.
الحجج ضد تلبية مطالب العاملين بهذه الطريقة غالبا ما تنحصر في المشرف والنفقات. تحويل الأموال إلى حسابات مصرفية أو بطاقات السحب الآلي المدفوعة مسبقا يكلف إما أرباب العمل وإما الموظفين شيئا ما. كلما طبقت ذلك أكثر، كلفك الأمر أكثر. مثلا، العاملون في شركة ليفت يدفعون رسوم تحويل 50 سنتا عند السحب – وهي رسوم منخفضة نسبيا. الرسوم من هذا النوع تجذب النقد القائل إن الدفع بناء على الطلب ليس أكثر من نسخة أرخص من قرض يوم الدفع.
ثم هناك حقيقة مفادها أن الشركات التي ترغب في استيعاب التكلفة عن طريق كشوف رواتبها (بدلا من القروض الفعالة من شركة مدفوعات) عادة ما يتعين عليها تقديم بيانات إلى السلطات الضريبية ذات الصلة مع كل دفعة. افعل ذلك يوميا بدلا من شهريا وستحتاج إلى برنامج أفضل أو مزيد من الأشخاص. أخيرا، يلتزم بعضهم بوجهة نظر مفادها أن السماح للعمال بسحب أموالهم متى أرادوا ذلك سيجعل من الصعب وضع ميزانية بصورة معقولة.
هذه الاعتراضات كلها إما قابلة للإدارة وإما لا علاقة لها بالموضوع. الشيء الوحيد الذي يهم في فترة نقص العمالة هو ما يطلبه العامل من أجل تولي الوظيفة المعروضة والحفاظ عليها. من أجل بناء قوة عاملة جيدة، سيتعين على أرباب العمل سداد ثمن البرنامج ذي الصلة؛ تغطية تكاليف التحويل الإضافية؛ إدارة التدفق النقدي؛ والتوقف عن الاستخفاف بأصحاب الدخل المنخفض فيما يتعلق بإدارة أموالهم.
العاملون في شركة باي استخدموا النقص في اليد العاملة وسيلة ضغط لإجبار أرباب عملهم على دفع رواتبهم بالطريقة المعتمدة عام 1954. العاملون اليوم من المحتمل أن يفعلوا الشيء نفسه. وما تريده اليد العاملة ستحصل عليه في النهاية.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق