متنوع

هل ما زال الاقتصاد “العلم القاتم”؟

على الرغم من أهمية علم الاقتصاد على مر العصور، إلا أن البعض أخذ عليه اعتباره علمًا “يبث التشاؤم” ويدعو للقلق، بل وصل البعض إلى تبني التسمية القديمة لعلم الاقتصاد بوصفه “العلم القاتم” لمواجهة التسمية التقليدية له بـ”علم البشر”.

أصل التسمية

وتعود تسمية “العلم القاتم” إلى الكاتب والروائي “توماس كارليل” في عام 1849، والذي كتب في أحد مقالاته “العلم الذي يدعو الحكومات إلى ترك البشر وحدهم، وأن يتدبروا أمورهم وفقًا لقوانين العرض والطلب، لا يمكن أن يُسمى علم البشر، بل هو علم “العُزلة” والكآبة، أو علم قاتم”.

وجاء المفكر “روبرت ماثلو” ليؤكد تلك الفكرة، بتركيزه على الاحتياجات البشرية وكيفية تلبيتها من جانب الناس في مختلف الأوقات، وترتيبهم رغباتهم واحتياجاتهم بشكل موضوعي، بما أعطى فكرة مستمرة عن الاقتصاد بوصفه “علم قاسٍ”، يتناول البشر كأشياء.

وتزايدت النظرة للاقتصاد بوصفه “علمًا قاتمًا” مع توقع “ماثلو” بأن الزيادة السكانية المضطردة سينتج عنها مجاعات واسعة مع عدم قدرة الموارد على مواكبة الأعداد المتزايدة من البشر، ليعرب عن اعتقاده بأن “قوى التوازن في الطبيعة” ستعيد أعدادهم إلى الأرقام الملائمة لمواردهم المحدودة.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال على عهدَيْ “كارليل” و”ماسلو” إلا أن دراسة لمركز “بيو” لأبحاث الرأي قبل عامين أظهرت أن 86% ممن استطلعت آراءهم في عشرين دولة رأوا أن الاقتصاد علم “يميل للكآبة” أو تصدير صور سلبية.

الصورة المعاصرة

ويشير موقع “واير” إلى أن هذ الصورة تبدو حقيقية، حيث تميل غالبية الدراسات الاقتصادية إلى تناول النواحي السلبية لا الإيجابية، حيث أجرى الموقع دراسة عشوائية على 179 دراسة اقتصادية مقدمة من أعرق 10 جامعات اقتصادية واتضح أن 22 منها فقط كانت لها نتائج إيجابية والباقي تناولت سلبيات.

بل والأكثر من ذلك أن 8% فحسب من الدراسات الاقتصادية اهتمت بالبحث عن حلول للمشكلات الاقتصادية التي طرحتها، بينما لم تقدم البقية الباقية إلا صورًا قاتمة عن الواقع ووصفا للأخطاء التي تم الوقوع بها دون توضيح الحلول الممكنة.

وتشير دراسة لجامعة “ميتشجان” إلى أن الاقتصاديين يشتركون مع دارسي علم النفس في كونهم “الأكثر ميلًا للتشاؤم من بين كل دارسي العلوم الاجتماعية”، مرجعة ذلك إلى الضغوط اليومية المرتبطة بالتعامل مع الأرقام والإحصاءات.

وكذلك يبرز الاتهام الدائم للاقتصاديين بعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل بشكل دقيق وتشير دورية “فورين أفيرز” إلى مقولة علماء الطبيعة حول الاقتصاد: “عندما يكون لديك 4 اقتصاديين في نفس الحجرة فإنك ستخرج بخمسة آراء واستنتاجات حول الأمر نفسه”.

اختلاف التوقعات

وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يبدو صحيحًا نظريًا في ظل اختلافات الاقتصاديين الكثيرة إلا أن الأمر نفسه يمكن إيجاده في العلوم الإنسانية الأخرى.

بل تشير دراسة لـ”وول ستريت جورنال” إلى أن أكثر من 70% من الدراسات التي تناولت القطاعات المالية قبل حدوث الأزمة المالية العالمية قبل عقد حذرت من وجود مشاكل هيكلية في القطاع التمويلي وإن لم تستطع تقدير حجم الأزمة بدقة، بسبب انطباق نظرية “الدومينو” عليها (أي سقوط المؤسسات تواليًا بشكل يصعب تقدير حجمه أو سرعته).

وعلى الرغم من ذلك فإن التنبؤ بالمستقبل قد لا يكون ممكنًا وسهلًا في الاقتصاد كما هو في العلوم التطبيقية بطبيعة الأحوال، نظرًا لتداخل النواحي العلمية البحتة التي يغطيها الاقتصاد التقليدي، مع تلك المرتبطة بالسلوك الإنساني والتي يهتم بها الاقتصاد السلوكي، ويبقى التقاطع بينهما واستخدامهما معًا أمرا شديد الصعوبة.

وعلى الرغم من كل ما سبق يرى البعض الاقتصاد كعلم قاتم، لأنه كما جاء في دورية “فورين بوليسي” “الأخبار تتحدث باستمرار عن احتمال تسريح العمالة بسبب سيطرة الأجهزة والروبوتات، أو عن تدهور البيئة بسبب النمو الاقتصادي المضطرد، أو عن أزمة اقتصادية يتعرض لها بلد ما، فكيف لا يرى الناس الاقتصاد كعلم قاتم”.

المصدر: ارقام

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق