متنوع

السعودية .. قبلة القرار والاستقرار

عيش النظام الإيراني هذه الأيام حالة أشبه ما تكون بقصة تحكى عن كائن دائما ما ينظر إلى ظله فيخال نفسه قادرا على مواجهة غيره وحده، لكن سرعان ما اكتشف عند أول خروج له حجمه الطبيعي، لدرجة أن هاله الأمر فقرر ترك المكان نهائيا.
الحكاية ذاتها تتكرر في وقتنا الراهن مع نظام الملالي في طهران، فبعدما عاش العالم طيلة أشهر خلت مع سيل من الخطب والوعد بالدمار والوعيد بإقامة القيامة قبل موعدها، انقلبت لغة التهديد إلى مهادنة ودعوة للحوار والتفاوض، ونفي لوجود أي رغبة في المواجهة العسكرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو أي قوة أخرى في المنطقة العربية.
اعتقد صناع القرار في إيران أن النجاح في توظيف واستخدام الوكلاء المحليين؛ ممن استغلوا هشاشة الأوضاع وغياب الاستقرار داخل بعض الدول العربية، لتنفيذ أجندتها الخاصة وسياساتها التخريبية، يجعل من دولتهم قوة إقليمية، تمتلك القدرة على فرض سيطرتها في الإقليم العربي.
أدركت السعودية من جانبها، الظرفية الحساسة التي يمر بها العالمان العربي والإسلامي، وما يحدق بهما من مخاطر بعضها داخلي؛ مرتبط ببني جلدتنا، ممن استبدلوا الولاء للوطن بالعمالة للأجانب؛ على أساس عقائدي مذهبي أو قناعة آيديولوجية أو فقط شراء للذمم بالمال، ما شجع هذه الدولة المارقة على مواصلة تحرشها بدول في المنطقة بشكل مستمر، وصل درجة الاعتداء والاستفزاز في بعض الأحيان. فعقد ثلاث قمم في مكة المكرمة (خليجية، عربية، إسلامية) لتذكير صناع القرار في جمهورية المرشد بحجمهم الطبيعي، ووقف مسلسل تجديد شرعيتهم داخليا بافتعال معارك وفتح جبهات خارجية.
يحمل احتضان السعودية لثلاث قمم بشكل متتابع؛ في مكة المكرمة أطهر بقعة على وجه الأرض في العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل، رسائل قوية ودالة لأكثر من جهة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.
الرسالة الأولى: تأكيد قيادة المملكة على الوعي بالدور المركزي المسنود إليها للدفاع عن قضايا وشؤون الأمة العربية. فبلد الحرمين الشريفين أضحى في موقع الدولة الكبرى التي ترعى شؤون بقية أشقائها، من خلال العمل على ضبط الإيقاع السياسي العربي على وقع حجم التهديدات التي تحف بالإقليم العربي. وهذا ما بدا واضحا في نوعية الاستجابة، وحجم وطبيعة الحضور في كل القمم، وهو ما التقطته إيران جيدا حين أدركت أنها تغرد خارج السرب، ما دفعها لتغيير لهجة الخطاب.
الرسالة الثانية: تذكير رجال الدين وسدنة نظام المرشد في مدينة قم بأن الشرعية الدينية والتاريخية واللغوية وباقي الشرعيات بجانب المملكة، التي يقصدها ملايين الحجاج كل سنة من كل بقاع العالم، والآلاف من المعتمرين في الفصول الأربعة وعلى مدار العام. ما يعني أن بلاد الحرمين الشريفين هي قبلة المسلمين ومهبط الوحي، فما أكثر الرمزيات الدينية في العالم العربي (بيت القدس، جامع الأزهر، جامع الزيتونة، جامع القرويين…)، لكنها تجمع قاطبة على تقديم السعودية حاضنة لأم الشرعيات على الصعيدين العربي والإسلامي.
الرسالة الثالثة: توضيح إلى الوكلاء المحليين وأذناب المرشد في المنطقة العربية (جماعة الحوثي، حزب الله، الحشد الشعبي، منظمة بدر…) بأنهم مجرد كراكيز تابعة لأجندة المرشد، مصيرها معلق به “فهو ولي نعمتها”. ولا مستقبل لها في أوطانها بعدما قدمت الولاء الطائفي والمذهبي محل الولاء الوطني. وهذا ما أكدته تحركات الحوثيين هذه الأيام في المنطقة، ممن يحاولون جاهدين؛ من خلال أعمال تخريبية واعتداءات على منشآت مدنية، فرض أنفسهم بالعنف والقوة في المعادلة الإقليمية، بعدما انقلبت لغة الخطاب لدى الراعي والممول الرسمي لهم.
الرسالة الرابعة: تنبيه مختلف القوى الدولية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الصين…) إلى أن السعودية هي المخاطب الأول في كل القضايا المرتبطة بالعالمين العربي والإسلامي. ويكفي دليلا على ذلك تاريخها الحافل بالمواقف والقرارات المرتبطة بالملفات العربية وقضايا العالم الإسلامي، التي كان آخرها تولي قيادة عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية في اليمن. وهذا ما أكدته مختلف الوفود التي حجت إلى هذه القمم على مدار ثلاثة أيام متوالية.
يبدو أن عقلاء النظام في إيران التقطوا هذه الرسائل إلى جانب أخرى، وحاولوا تفسيرها للمجانين والطائشين في النظام الذين حولوا البلد إلى “دولة مارقة”. ما جعل لهجة الحرب تختفي ليحل محلها الخطاب الدبلوماسي وإعلاء لغة الوساطة، وهذا ما بدا في تصريح محمد جواد ظريف وزير الخارجية على هامش لقائه بنظيره الألماني هايكو ماس في برلين بداية الأسبوع الماضي، حين قال إن بلاده تعمل على منع التوتر. وهو ما تردد أيضا في الأوساط الإيرانية في التصريحات التي صدرت عقب زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لطهران يوم الثلاثاء المنصرم.
واضح من الانقلاب في اللغة على ألسنة المسؤولين في طهران عائد إلى إدراك هؤلاء أن أي مغامرة عسكرية في المنطقة، ستلحق أضرارا بالغة بالدولة التي يرزح ما يقارب نصف مواطنيها تحت عتبة الفقر، ما يعني زيادة درجات انهيار شامل للدولة الإيرانية، وبالتالي إمكانية سقوط النظام القائم في طهران.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق