متنوع

عملة «فيسبوك» المشفرة .. المخاطر لا تزال كبيرة وعلى المستثمرين الحذر

مفارقة كبيرة تجتاح التجارة العالمية. من ناحية، أصبح نقل البيانات حول العالم أمرا سهلا وغير مكلف للغاية بالنسبة للمستهلكين، ويحدث بسرعة البرق. لكن من ناحية أخرى، لا يزال نقل الأموال في جميع أنحاء العالم عملية مكلفة – وبطيئة – بشكل غريب بالنسبة لهؤلاء المستهلكين أنفسهم.
هل ثمة احتمال أن يتغير هذا الوضع؟ يأمل مسؤولو فيسبوك ذلك: سيكشفون قريبا عن ورقة بيضاء تعرض خططا طموحة لإنشاء نظام تشفير عالمي جديد مع الشركاء.
تم الحفاظ على سرية تفاصيل هذا المشروع الذي يطلق عليه اسم “ليبرا”. لكن تشير التقارير إلى أن المشروع سيتضمن “تشفير عملة مستقرة”، يتيح للمستهلكين إجراء عمليات دفع بسلاسة بقدر نشر صورة هرة صغيرة، حتى إذا لم يكن لديهم حساب مصرفي. هذا ما نأمله، على الأقل.
للوهلة الأولى قد يبدو هذا المشروع جريئا بشكل جنوني، حتى بالنسبة لمارك زوكربيرج، مؤسس فيسبوك. ففي نهاية المطاف، عادة ما ترتبط عبارة “العملة المشفرة” برمز “بيتكوين” المثير للجدل، وفي الوقت نفسه لم تبد فيسبوك أبدا أدنى رغبة في أن تتصرف مثل مصرف خاضع للقواعد التنظيمية.
لكن الجهات التنظيمية والمصارف تأخذ هذه الخطط على محمل الجد. خلف الكواليس، جرت مناقشات حادة في أوساط البنوك المركزية حول كيفية استجابتها، والأهم من ذلك ما إذا كان ينبغي لها تقديم الدعم. من الضروري أن يولي المستثمرون انتباههم، لأن هذا قد يغير معالم التمويل وفكرتنا عما يشكل “الاستقرار” المالي.
أفضل طريقة لفهم ذلك هي النظر إلى الخطاب المؤثر بطريقة مثيرة للإعجاب الذي ألقاه توبياس أدريان، رئيس قسم الأسواق في صندوق النقد الدولي، في اجتماع ضم محافظي البنوك المركزية في زيوريخ أخيرا.
أدريان، الذي يجسد تفكيره ما يجول بخاطر عديد من الجهات التنظيمية، بدأ بالإشارة إلى وجود فرق كبير بين نوع المشروع الذي تفكر فيه فيسبوك و”بيتكوين”. يتم تحديد قيمة الأخير من خلال العرض “كم عدد عملات بيتكوين المتداولة؟” وطلب المستثمرين، ما يسبب تقلبات أسعار جامحة.
لكن من المفترض أن تكون العملات المستقرة مستقرة من حيث القيمة لأنها مرتبطة بعملة ورقية موجودة، مثل الدولار. يفضل صندوق النقد الدولي أن يعتبر العملات المستقرة جزءا من عالم “الأموال الإلكترونية”، وهو قطاع واسع النطاق بالفعل، كما يشير أدريان.
كينيا، مثلا، لديها نظام الدفع الإلكتروني “إم-بيسا” الذي حقق نجاحا كبير ـ يستخدمه 90 في المائة من البالغين الكينيين. الصين لديها نظامي دفع إلكتروني أحدهما عن طريق تطبيق وي تشات باي WeChat Pay والآخر عن طريق تطبيق علي باي Alipay، اللذان يتعاملان مع تعاملات مالية هائلة بقيمة 18.7 تريليون دولار سنويا.
قد يشير ذلك إلى أنه ينبغي أن يكون سهلا بالنسبة لفيسبوك الانتقال إلى لعبة الأموال الإلكترونية أيضًا. لكن هناك مشكلة: لا يمكن للنظام أن يكون “مستقرا” إلا إذا كانت الشركة التي تصدر الأموال الإلكترونية تملك حق الوصول إلى مطابقة أصول العملات الورقية المخزنة بطريقة آمنة وواضحة.
كان هناك نقاش عام بسيط مدهش حول هذه النقطة، على الرغم من تشديد اللوائح التنظيمية أخيرا في الصين بشكل مبالغ فيه، قد يكون ذلك بسبب أن المستهلكين يثقون بشركات التكنولوجيا أكثر من المصارف. مع ذلك، هذا أيضا بسبب أن شركات التكنولوجيا غنية ويمكنها تخزين أصولها في المصارف التجارية.
إلا أن المسؤولين في صندوق النقد الدولي يجادلون – بطريقة مناسبة – أنه إذا كانت الأموال الإلكترونية تنفجر الآن على نطاق واسع، فيجب أن يصبح نظام تخزين الاحتياطيات أكثر دقة وإحكاما. ويقترحون أن يكون أحد الخيارات هو وضع هذه الاحتياطيات لدى البنوك المركزية بدلا من ذلك.
وكما هو متوقع، هذه الفكرة تثير جدلا في أوساط البنوك المركزية. يبدو أن بعضها، مثل البنك المركزي الفرنسي أو السويسري أو السويدي، يتقبل الفكرة بشيء من الحذر. وبعض آخر، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يبدو أقل حماسة.
مع ذلك، حتى لو تبنت بعض البنوك المركزية هذه الفكرة في نهاية المطاف، هناك مشكلة مهمة أخرى هي عمليات الدفع القائمة على مبادلة العملات. إذا كان نظام الأموال الإلكترونية العالمي مدعومًا بعملة واحدة فقط، عندها لا يمكن تخزين الاحتياطيات إلا في بنك مركزي واحد.
لكن إذا تم استخدام الدولار، فإن هذا من شأنه أن يشجع مزيدا من “الدولرة” – وهو ما لا ترغب أي دولة في رؤيته، باستثناء أمريكا. ولا حتى فيسبوك على ما يبدو: من المحتمل أن ترتبط عملتها المستقرة بسلة من العملات.
مع ذلك، لا تخزن البنوك المركزية عادة “احتياطيات” متعددة العملات للجهات الفاعلة في القطاع الخاص. لذلك، من غير المحتمل أن ينجح نظام احتياطي عالمي قائم على مبادلة العملات إلا إذا كانت هناك معاهدة مبرمة بين البنوك المركزية، أو كانت هناك منصة ينظمها طرف ثالث مثل صندوق النقد الدولي. وسيكون ذلك صعبا للغاية.
هل سيكون لدى فيسبوك حل لهذه المشكلات؟ هذا ليس واضحا بعد. لكن كان لدينا أمل أفضل في أن يفعل أحدهم ذلك، كما قال أدريان، محذرا في الوقت نفسه من أن “اعتماد الأموال الإلكترونية قد يكون سريعا للغاية” و”يثير مخاطر كبيرة”. يجب على المستثمرين أن يبقوا حذرين – وكذلك محافظو البنوك المركزية.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق