متنوع

النسب المالية وعلوم الصواريخ.. أدوات لا غنى لمستثمري سوق الأسهم

هل سبق لك أن مررت بالسيناريو التالي: بينما تمشي في الطريق تلمح من بعيد أحدهم يبيع الفاكهة، فتقترب منه وتشتري كيلو جرام من الموز مقابل 10 ريالات، ولكن بعد أن تتركه وتتحرك بضع خطوات سائرًا في طريقك تجد أخر يبيع الكيلو مقابل 8 ريالات فقط، فتشعر لحظتها بخيبة الأمل لأنك دفعت المزيد مقابل نفس النوعية من الموز.
هذا يحدث أيضاً في سوق الأسهم. فإذا اشتريت سهم الشركة “أ” مقابل 20 ريالاً ثم اكتشفت لاحقاً أن سهم الشركة “ب” الذي يتم تداوله عند 15 ريال يتمتع بمستويات ربحية أفضل وأكثر صلابة، فمن المؤكد أن ذلك سيشعرك بالإحباط.

ولكن كيف يمكنك تجنب مثل تلك المواقف؟ وكيف يمكن لك أن تعرف ما إذا كان السعر الحالي لأي سهم منطقي وله ما يبرره أو لا؟ الإجابة هي من خلال الاستعانة بالنسب المالية.

في الحقيقة، تعتبر النسب المالية أدوات لا تقدر بثمن حين يتعلق الأمر بعملية اتخاذ القرار الاستثماري. وللآسف، بعض المستثمرين وخصوصاً حديثي العهد بسوق الأسهم يفضلون اتخاذ قراراتهم استناداً إلى حدسهم الخاص، بدلًا من محاولة التعامل مع النسب المالية التي يعتبرها أغلبهم “علوم صورايخ”.
ولكن المفاجأة هي أن النسب المالية ليست مرعبة أو مستعصية على الفهم كما يعتقد البعض، بل يمكن لأي شخص نال قسطاً جيداً من التعليم أن يستوعب معادلاتها ودلالات نتائجها، فهو بالتأكيد ليس في حاجة للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال أو التمويل لكي يصبح قادراً على استخدام تلك النسب أثناء محاولته اتخاذ أي قرار استثماري.

هناك مجموعة كبيرة ومتنوعة من النسب المالية، غير أنه لن يسعنا ذكرها جميعاً هنا، لذا سنركز في هذا التقرير على أهمها وأشهرها، وسنحاول توضيح دلالاتها من خلال تطبيقها على البيانات المالية الخاصة بإحدى شركات الأسمنت السعودية، والتي سنطلق عليه اسم الشركة “س”.

1: مكرر الربحية

– نسبة سعر سهم الشركة إلى ربحه السنوي أو ما تعرف أيضاً باسم “مكرر الربحية” هذه ربما هي النسبة المالية الأكثر شهرة في العالم، ويتم حسابها من خلال قسمة السعر السوقي للسهم على ربحيته، ويشير الناتج إلى السعر الذي يرغب المستثمر في دفعه مقابل كل ريال من الأرباح الحالية للشركة.

– بمراجعة البيانات المالية الخاصة بالشركة “س” لعام 2017، نجد أن ربحية السهم الواحد تساوي 2.63 ريال، وفي ظل أن السعر السوقي الحالي للسهم يقترب من 35 ريال، فإن مكرر الربحية لهذا السهم يساوي حاصل قسمة 35 على 2.63 أو13.30 مرة.
– هذا يعني أنك ستدفع 13.30 ريال مقابل كل ريال تحققه كأرباح من السهم “س”، ولكن هذا الرقم بمفرده غير مفيد، ولا يمكنك الجزم بما إذا كان جيداً أو سيئًا، ولذلك أنت في حاجة إلى مقارنته بشيء ما، وهذا الشيء هو مكرر الربحية الخاص بشركات أخرى عاملة بنفس الصناعة أو بمتوسطه لدى الصناعة بالكامل. ففي النهاية كل شيء نسبي.

– أيضاً، إذا افترضنا أن الشركة “س” ستحقق العائد نفسه في الأعوام المقبلة، فهذا يعني أنك إذا أنفقت 35 ريالاً لحيازة ذلك السهم، فإن الأمر سيستغرق 13.3 عاماً قبل استراداك لذلك المبلغ.

– تختلف دلالات قيمة مكرر الربحية من صناعة إلى أخرى، ففي حين أن مكرر ربحية قيمته 20 يعتبر مرتفعاً في إحدى الصناعات، نجد أن نفس الرقم يعتبر منخفضاً جداً في صناعة أخرى. كل صناعة لها خصائصها التي تميزها.

– على سبيل المثال، من المتعارف عليه أن الشركات العاملة في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تتميز بامتلاك مكرر ربحية أعلى من ذلك الخاص بالشركات العاملة في قطاعات التصنيع أو النسيج.

– بصفة عامة، كلما انخفضت قيمة مكرر الربحية كلما كان ذلك أفضل، فإذا كان مكرر الربحية الخاص بسهم الشركة “س” أقل من ذلك الخاص بالصناعة، فهذا يشير إلى أن السهم مقيم بأقل من قيمته، والعكس صحيح.

– ولكن رغم ذلك لا يمكنك التعويل على هذه النسبة فقط، لأن انخفاضها في بعض الأحيان قد يكون في حقيقته انعكاس لسوء إدارة الشركة. ولذلك من المهم إجراء بحث شامل حول الشركة قبل الاستثمار بها.

2: العائد على حقوق المساهمين

– يقيس معدل العائد على حقوق المساهمين نسبة دخل الشركة إلى حقوق المساهمين فيها، ويعتبر مقياس لمقدار القيمة التي تحصل عليها من حيازاتك من أسهم الشركة، ويتم حسابه من خلال قسمة صافي دخل الشركة على إجمالي حقوق المساهمين.

– بالعودة مرة أخرى إلى قائمة المركز المالي الخاصة بالشركة “س” نجد أن إجمالي حقوق المساهمين في نهاية عام 2017 يساوي 3.03 مليار ريال، في حين تظهر قائمة الدخل أن الدخل السنوي للشركة (بعد احتساب الزكاة وضريبة الدخل) يساوي 205 ملايين ريال.

– الآن أصبح لدينا كل ما نحتاجه لحساب العائد على حقوق المساهمين، والذي سيساوي حاصل قسمة 205 ملايين على 3.03 مليار ريال أو 6.76%. هذا يعني أن حامل سهم تلك الشركة يحقق سنوياً حوالي 6.76 هللة عن كل ريال يستثمره بذلك السهم.

– بصفة عامة، كلما ارتفعت هذه النسبة كلما دل ذلك على قوة الأداء المالي للشركة، كما يعد ذلك إشارة واضحة كفاءة إدارتها، ولكن في نفس الوقت قد يعكس ارتفاع تلك النسبة الاعتماد المتنامي للشركة على الديون في تمويل نشاطاتها رغم تحقيقها عائداً ضعيفاً على موجوداتها، وهنا يجب على المستثمر إلقاء نظرة على طبيعة وتكوين هيكل رأس المال، كما يجب عليه ألا يأخذ هذه النسبة بمعزل عن النسب المالية الأخرى.

3: نسبة التداول

– نسبة التداول أو نسبة السيولة النقدية الحالية توضح للمستثمر مدى قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل، حيث تقيس حجم النقدية المتوافرة لدى الشركة خلال الفترة الحالية وهي عبارة عن حاصل قسمة الأصول المتداولة على الخصوم المتداولة.

– إذا كانت الأصول المتداولة أكبر من الخصوم المتداولة (أي أن نسبة التداول أكبر من واحد) فهذا يشير إلى أن الشركة قادرة على الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل، وبالطبع عندما تقل هذه النسبة عن الواحد قد يشعر المستثمر بالقلق من احتمال وقوع الشركة تحت ضغوط حقيقية إذا تعرض الاقتصاد لهزة.

 – إذا عدنا لقائمة المركز المالي لشركتنا “س” سنجد أن إجمالي الأصول المتداولة يساوي 1.14 مليار ريال في حين أن إجمالي الخصوم المتداولة يبلغ 289 مليون ريال، وعلى الرغم من أنه لا حاجة لإجراء عملية حسابية لمعرفة أن نسبة التداول الخاصة بالشركة “س” أكبر من الواحد، ولكننا سنجريها على أي حال.

– نسبة التداول الخاصة بـ”س” تساوي حاصل قسمة 1.14 مليار على 289 مليون أو 3.94 مرة، وهذا يعني أن “س” قادرة على تغطية التزاماتها ومصاريفها التشغيلية قصيرة الأجل. ولكن في نفس الوقت قد يشير ارتفاع هذه النسبة عن 2 إلى فشل الشركة في إعادة استثمار أصولها بغرض تنمية أعمالها، وهو ما سينعكس حتماً على أرباح الشركة على المدى الطويل.

افعلها بنفسك

– الآن أصبحت تمتلك 3 أدوات تساعدك على تقييم أسهم الشركات التي تهتم بالاستثمار بها. ولكن يرجى الانتباه إلى أن هناك تفاصيل كثيرة تخص تلك النسب الثلاث، غير أن المجال لا يسع ذكرها في هذا التقرير البسيط الذي حاولنا خلاله إلقاء الضوء بشكل سريع على أهمية الالتفات إلى النسب المالية بشكل عام.

– بالمناسبة، إذا أردت الحصول على النسب المالية الثلاث التي استعرضناها بالأعلى لأي شركة مدرجة بسوق الأسهم السعودي ستجدها جاهزة على بوابة “أرقام”، ولكن سبب إصرارنا على توضيح عملية حساب تلك النسب هو اعتقادنا بأن ذلك سيساعدك كمستثمر على تكوين صورة أفضل حول أي استثمار محتمل.

– على سبيل المثال، هناك تفصيلة مهمة جداً لم نشرحها أثناء توضيحنا لكيفية حساب “معدل العائد على حقوق المساهمين” سنتناولها هنا لنوضح أهمية قيامك بحساب تلك المؤشرات بنفسك لأنك لن تجدها مكتوبة في أي مكان. إذا أفترضنا أن العائد على حقوق المساهمين لدى الشركة “س” يساوي 45%، كيف يبدو لك ذلك الرقم؟ رائع، أليس صحيح؟ لكن هل تعلم أن هذا قد يؤحذ على الشركة ولا يحسب لها.

– قبل أن تندفع مبتهجاً بهذه النسبة قم بإلقاء نظرة على هيكل رأس المال. ماذا لو أخبرتك بأن هذه النسبة المرتفعة لا ترجع إلى الأداء الاستثنائي للشركة وإنما إلى صغر حجم حقوق المساهمين، حيث إن تكوين رأس مال الشركة كالتالي: 20% حقوق ملكية و80% ديون. فقدت انبهارك في لحظة!

– لكن هل يهم ما إذا كان سبب ارتفاع معدل العائد على حقوق المساهمين هو كبر حجم ديون الشركة وليس الكفاءة التشغيلية؟ على حسب. بمعنى إذا كانت الشركة مثلاً تعمل بقطاع السلع الاستهلاكية الأساسية وتتمتع بمستويات طلب مستقرة، فبإمكانها التعامل مع أحمال أكبر من الديون مقارنة بغيرها، بل إنه من الممكن أن يكون الاستخدام الحكيم للديون بمثابة نعمة للمساهمين.

– لكن إذا كانت الشركة تعمل في نشاط موسمي لا يوجد به استقرار لحجم الطلب، فيجب عليك أن تحذر منها إذا كانت تستخدم رافعة مالية أعلى من المتوسط السائد في نفس القطاع، لأن تلك الديون لها تكاليف ثابتة وهي الفوائد والتي تضغط أصلاً على أرباح الشركة في الأوقات العادية، فما بالك لو حدثت هزة غير متوقعة أو ساءت الأمور فجأة! كما قلنا، هناك تفاصيل كثيرة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق