تقنية المعلومات

الصين تزاحم أمريكا للهيمنة على الذكاء الاصطناعي باستثمارات تريليونية حتى 2030

يندمج الذكاء الاصطناعي تدريجيا في مختلف جوانب الحياة اليومية للبشر، فمن التشخيص الطبي والقدرة على الاكتشاف المبكر للأمراض خاصة المستعصي منها، إلى إجراء العمليات الجراحية عن بعد، ومن مجالات الأمن والتعرف على ملامح الوجه وتميز الأصوات إلى تعزيز الإجراءات الأمنية، إلى عالم الترفيه بجوانبه المختلفة وفي المقدمة منه ألعاب الفيديو.
وبالطبع بات الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من صناعة السيارات ذاتية القيادة، كما أن الاعتماد عليه في محركات البحث على شبكة الإنترنت لا مناص منه، وكذلك في المجالات الأخرى المرتبطة بعالم المال والأعمال، والمضاربة في البورصات وأسواق المال الدولية، أو التسوق عبر الإنترنت، فجميعها أنشطة لا يمكن لها أداء وظائفها حاليا أو النمو مستقبلا دون مزيد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
ووفقا لدراسة أعدتها شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” متعددة الجنسيات، فإن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيرتفع بنحو 14 في المائة بسبب الذكاء الاصطناعي، وسيضيف نشر التكنولوجيا في العقد المقبل ما يقارب من 15.7 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويتوقع أن تكون حصة الصين من تلك الزيادة 7 تريليونات دولار وأمريكا الشمالية 3.7 تريليون دولار.
ويكشف كتاب “القوى العظمى: الصين ووادي السليكون والنظام العالمي الجديد” لمؤلفه كاي فو لي، وهو رجل أعمال صيني وخبير في مجال الذكاء الاصطناعي، عن بعض ملامح المستقبل ووصف الكتاب البيانات بالنفط الجديد، لذا فإن الصين تسعى إلى استغلاله كما نجحت السعودية في استغلاله.
ويضيف كاي فو لي، “إذا كان المعيار الذي سنعتمد عليه عند تقييم الأبحاث هو مدى تميزها فإن الولايات المتحدة ستبقى في المقدمة خلال العقد المقبل.. لكن إذا قمنا بالقياس وفقا للقيمة المتولدة من تلك الأبحاث، وقيمتها السوقية، وعدد المستخدمين، ومقدار الإيرادات، فربما تكون الصين في المقدمة بالفعل”.
ويعتقد عديد من الخبراء أن الحرب التجارية الراهنة بين الصين والولايات المتحدة، ما هي إلا جزء من مشهد أكثر تعقيدا، يتضمن صراعا عنيفا بين الطرفين في عديد من المجالات، بعضها معلن وكثير منها خفي.
وما القيود التي فرضتها واشنطن على شركة هواوي الصينية، إلا جزء من حرب طاحنة يدور رحاها بين الطرفين حول من يسيطر على عالم التكنولوجيا، خاصة على الذكاء الاصطناعي، حيث ينال الفائز في تلك المعركة الجائزة الكبرى، ألا وهي قيادة العالم وتبوء مركز القوى العظمي في القرنين الحالي والقادم على أقل تقدير.
ومع إدراك الصين لأهمية الذكاء الاصطناعي لتحديد القوة العظمى المستقبلية، فإنها أولت هذا الفرع المعرفي أهمية قصوى، لكنها أهمية يحيط بها الغموض في كثير من الأحيان.
ويقول لـ “الاقتصادية”، المهندس آرثر جلبرت الخبير في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، إن “هناك منافسة حادة بين الصين والولايات المتحدة في مجال تطوير نظريات وقدرات الذكاء الاصطناعي، وقد وصلت عملية التطوير في الصين إلى لحظة فارقة عام 2017 خلال مباراة في “لعبة GO” الصينية، إحدى أكثر الألعاب تعقيدا في العالم، حيث تنافس أفضل لاعب في الصين مع برنامج من تصميم شركة ألفابت وخسر ثلاث مباريات، وبعد قرابة الشهرين أعلنت بكين خطتها الطموحة لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي، وقسمتها إلى ثلاث مراحل، بهدف مواكبة تقنيات الذكاء الاصطناعي العالمية بحلول عام 2020، وتحقيق اختراقات في هذا المجال بحلول عام 2025، وأن تصبح الرائدة عالميا في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030″.
ويضيف جلبرت، “ولمعرفة الفارق بين الصين والولايات المتحدة، نشير فقط إلى أن 19 شركة صينية ناشئة جمعت عام 2017 نحو 4.9 مليار دولار للاستثمار في الذكاء الصناعي، بينما في الولايات المتحدة جمعت 155 شركة 4.4 مليار دولار للاستثمار في المجال ذاته”.
وتماشيا مع خطط الصين الرسمية، ستعزز السلطات الحكومية الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بنحو تريليون دولار بحلول عام 2030، ومع السياسات الراهنة للبيت الأبيض يعرب كثير من الخبراء عن خشيتهم بأن تنزلق أمريكا بعيدا عن ريادتها الحالية لهذا المجال الاستراتيجي.
فالشركات الأمريكية لا يزال لديها تميزها الخاص في الصناعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والابتكارات لا تزال تأتي بقوة من الأراضي الأمريكية، لكن النموذج الصيني المعتمد على الرعاية الحكومية، والسخاء الرأسمالي الحكومي والخاص على حد سواء للاستثمار في الذكاء الصناعي، قد يطيح بالتفوق الأمريكي خاصة في ظل خطط أمريكية أدت إلى خفض تمويل أبحاث العلوم والتكنولوجيا بنسبة 15 في المائة العام الماضي، وتنامي المواقف العدائية للهجرة والمهاجرين إلى الولايات المتحدة، ما يفقد مراكز الأبحاث الأمريكية جاذبيتها المعهود لاستقطاب العقول المميزة، التي أسهمت دائما في دفع قاطرة التفوق الأمريكي سواء في أبحاث الفضاء أو الطب أو تكنولوجيا المعلومات. ومع هذا، يعتقد بعض الخبراء في الذكاء الاصطناعي أن هناك إفراطا في تفاؤل الصينيين بإمكانية أن يحتلوا المرتبة الأولى عالميا بحلول عام 2030. ويوضح لـ “الاقتصادية”، الدكتور روبرت سكوت أستاذ البرمجيات في جامعة أكسفورد، أن “الصين قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي، لكن جدولها الزمني بقيادة العالم بحلول عام 2030 يبدو مفرطا في الطموح، فهناك عديد من العقبات، فالحكومات لا تصنع الابتكار من خلال إلقاء الأموال للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وهذا يعزز الفساد والبيروقراطية، فالابتكار يأتي من قبل أشخاص يفكرون خارج النظام المألوف، ويتحملون المخاطر ويتحدون القيم السائدة”. وبالنسبة للبعض، فإن هذا الرأي يدخل في نطاق مواساة الذات باستمرار تفوق الولايات المتحدة على الصين، فعقد من الزمان يبدو فترة قصيرة لتحقيق هدف طموح كهدف الصين، إلا أنه لا يبدو خارج نطاق القدرات الصينية، خاصة مع التزام رسمي للدولة والحزب الحاكم بحشد قدر كبير من الموارد لتحقيق هذا الهدف.
وتتمتع بكين بعوامل أخرى قد تؤهلها للتفوق على واشنطن في الأجل الطويل، فالقدرة على جمع البيانات لدى الصين أكبر من قدرة الولايات المتحدة، ويتواكب ذلك مع قيود قانونية وأخلاقية أقل في الصين منها في الولايات المتحدة لتعظيم الفائدة من تلك البيانات.
كما أن واشنطن لا تتوقف عن اتهام الصين بسرقة الأسرار التكنولوجية الغربية عامة والأمريكية خاصة، وحتى قبل وصول دونالد ترمب إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة، فان إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عملت على منع شراء الصين لبعض شركات التكنولوجيا الأمريكية، وتوسيع هذا النوع من الحظر إذا جاز التعبير في عهد إدارة ترمب، للضغط على دول حليفة مثل ألمانيا لمنعها من بيع بعض أفضل شركات التكنولوجيا الألمانية للصين.
ومع هذا يشير الخبراء إلى تطور مهم في البنية الفكرية الصينية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي وسبل تطويره. ويشير المهندس جيمس كير الخبير في مجالات تطوير آليات التعليم الإلكتروني إلى أن الصين تخرج تدريجيا من الأساليب القديمة في الاعتماد المطلق على الدولة في عملية التطوير إلى مزيد من إدماج القطاع الخاص.
ويضيف لـ “الاقتصادية”، أن “الصين بات لديها الآن ميزة مهمة في مجال تنمية قدرتها في الذكاء الاصطناعي، إذ تعمل على توظيف أكبر لشركات القطاع الخاص الصينية للعمل ضمن الإطار الذي تحدده الدولة، وأخيرا طلبت من أكبر ثلاث شركات صينية -بايدو وعلي بابا وتينسنت– بأن تكون جزءا من خطة الدولة لتطوير بنية عامة للذكاء الاصطناعي في الصين، ومن ثم فإن الصين لديها حاليا ما يمكن وصفه بالأذرع الثلاث لتطوير قدرتها في هذا المجال، الحكومي والجيش والقطاع الخاص، وحتى إن كانت الولايات المتحدة تمتلك شركات قطاع خاص تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر من الصين، فإن القطاع الخاص الصيني يرتبط ارتباطا وثيقا بالخطط الحكومية أكثر من الولايات المتحدة”.

المصدر: الاقتصادية

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق