سوق رأس المال

ليتك تركتها! .. كيف تصبح الخضراء في أيدي مستثمري سوق الأسهم يابسة؟

كل مستثمري سوق الأسهم تقريباً يدركون جيداً أن الإفراط في التداول أو التعديل المتكرر سريع الوتيرة للمحفظة هو استراتيجية فاشلة جداً عواقبها وخيمة في أغلب الأحيان. ورغم إدراك أغلبنا كمستثمرين لحقيقة أننا نتداول أكثر مما ينبغي إلا أننا لا نستطيع التوقف أو منع أنفسنا من القيام بذلك.

والمشكلة الأساسية التي يعاني منها المفرطون بالتداول هي أنهم طوال الوقت يحاولون مجارة أو توقيت السوق إلا أن تحيزاتهم السلوكية تدفعهم في النهاية إلى التداول في الأوقات الخاطئة، فيشترون عند ارتفاع الأسعار ويبيعون مع انخفاضها، وهذه دون منازع الاستراتيجية الاستثمارية الأكثر بؤساً.

ولكن الفشل في توقع السوق ليس هو المشكلة الوحيدة التي يواجهها هؤلاء، فهناك أيضاً تكاليف التداول التي تزداد قيمتها طردياً مع ارتفاع وتيرة التداول، والتي تجعل أيضاً احتمال تفوق المستثمر على السوق أقل احتمالا.

كيف يصبح المستثمر عدو نفسه؟

في دراسة نشرتها شركة الأبحاث الأمريكية “دالبار” في عام 2012، قامت الشركة بمقارنة العوائد التي حققها مستثمرو صناديق الأسهم المشتركة بتلك التي حققها مؤشر “ستاندرد آند بوز 500” خلال العشرين عاماً الممتدة من أول يناير 1992 إلى 31 ديسمبر 2011.

وجدت الدراسة أن مستثمري صناديق الأسهم المشتركة حققوا في المتوسط عوائد قدرها 3.8% سنوياً خلال الفترة المشار إليها في حين حقق مؤشر “ستاندرد آند بورز” عائداً سنوياً قدره 9.1%. وهذا فارق يزيد على 5%.

في سعيها لتوضيح هذا التباين الكبير في النتائج، أشارت الدراسة إلى أن المشكلة لا تتعلق بصناعة صناديق الأسهم المشتركة بقدر ما تتعلق بسلوك المستثمرين بهذه الصناديق، موضحة أن أولئك الذين تمسكوا باستثماراتهم الأصلية كانوا أكثر نجاحاً من أولئك الذين لم يستطيعوا الصبر وعدلوا محافظهم بشكل متكرر محاولين مجاراة توقيت السوق.

وفي الحقيقة إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف تصبح الخضراء في أيدي بعض المستثمرين يابسة؟ بعبارة أخرى، كيف يقوم المستثمر العادي بالتأثير سلباً على أداء استثماراته؟ بعض المستثمرين لديهم قدرة غريبة على إضعاف أداء استثماراتهم فتجدهم يحققون عائداً قدره 1% مثلاً من نفس الاستثمار الذي يحقق منه الآخرون 5%!

بالتأكيد هذا المستثمر فعل شيئاً ما تسبب في تدمير عوائده، وهذا على عكس ما تروجه بعض وسائل الإعلام المولعة بإلقاء اللوم على المنتجات الاستثمارية ذاتها. فسلوكنا الإنساني وقدرتنا على فهم وتحييد أثر تحيزاتنا السلوكية هما المحددان الرئيسيان للنجاح بسوق الأسهم. بعبارة أخرى، إن مربط الفرس هو ما نفعله باستثماراتنا بعد شرائها.
التداول خطر على ثروتك
في عام 1997 نشر أستاذ الاقتصاد السلوكي بجامعة كاليفورنيا “تيرينس أوديان” ورقة بحثية تحت عنوان “لماذا يتداول المستثمرون أكثر من اللازم؟” استعرض خلالها نتائج دراسته لسلوك أكثر من 10 آلاف من المستثمرين الأفراد الذين تم انتقاؤهم بشكل عشوائي خلال السنوات السبع الممتدة بين عامي 1987 و1993.
اكتشف “أوديان” أولاً أن هؤلاء المستثمرين باعوا واشتروا حوالي 80% من محافظهم كل عام. وبعد أن قارن أداء هذه المحافظ مع أداء المؤشرات الرئيسية بالسوق توصل إلى نتيجتين مذهلتين تماماً: 1- أحدث الأسهم التي اشتراها هؤلاء المستثمرون كانت عوائدها أقل من عوائد السوق. 2- الأسهم التي قاموا ببيعها حققت عوائد أعلى من السوق.

لاحقاً أراد “أوديان” أن يتأكد من هذه النتائج ويدرس هذه الظاهرة بعمق أكبر، فقام في عام 2000 بنشر ورقة بحثية أخرى تحت عنوان “التداول خطر على ثروتك” بالتعاون مع “براد باربر” أستاذ المالية بجامعة كاليفورنيا، قاما خلالها بدراسة أداء 66465 من المستثمرين الأفراد.

من خلال المقارنة بين أداء الأشخاص الذين يتداولون بوتيرة سريعة متكررة وبين أداء الذين يتداولون بوتيرة أقل، اكتشف الباحثان أن المتداولين الأكثر نشاطاً حققوا في المتوسط نتائج أقل من نظرائهم بنحو 7%، وهو ما عزاه الباحثان إلى معاناة المجموعة الأولى من قصر النظر الذي دفعهم إلى التسرع وبيع وشراء الأسهم بناءً على ضوضاء السوق، على عكس المجموعة الثانية التي كانت أكثر صبراً.

الوجه الآخر للإنترنت

في مقال نشراه في عام 2001  تحت عنوان “الإنترنت والمستثمر” أشار كل من “أوديان” و”باربر” إلى أن ضرر الإنترنت أكثر من نفعه بالنسبة للمستثمرين في سوق الأسهم، موضحين أن الكم الهائل من المعلومات المتاحة على الإنترنت يتيح للمستثمر بسهولة انتقاء الأدلة التي تتفق مع حدسه وقناعته المسبقة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى مبالغته في ثقته بقدرته على انتقاء الأسهم.

هذه الثقة المبالغ فيها ينتج عنها عادة ما يسميهما علماء النفس وهم المعرفة ووهم السيطرة. وتحت تأثير هذه الأوهام يدفعنا الإنترنت إلى التحرك بسرعة لإيذاء أنفسنا مالياً.

فالتطور التكنولوجي الذي شهده المجال المالي خلال العقدين الماضيين سلاح ذو حدين، لأنه أصبح بإمكاننا اليوم متابعة تحرك أسعار الأسهم وأداء محافظنا ثانية بثانية والتداول في ذات الوقت من خلال تطبيق على الجوال. هذا التطبيق بالتأكيد سريع وسهل ومريح ولكنه في نفس الوقت خطير لأنه يسمح لك بالتداول السريع واتخاذ قرارات متسرعة.

في خطاب ألقاه خلال المؤتمر السنوي لمساهمي شركته ” بيركشاير هاثاوي” في عام 2004 قال المستثمر الأمريكي الشهير “وارن بافيت” الآتي:

“من بين الأسباب الرئيسية لعدم تحقيق الكثير من المستثمرين عوائد كبيرة رغم الاتجاه التصاعدي الذي يشهده السوق منذ عدة عقود: أولاً- تكاليف التداول المرتفعة الناتجة عن الإفراط في التداول أو إنفاق أموال كثيرة على إدارة الاستثمار؛ وثانياً- القرارات الاستثمارية القائمة على النصائح والشائعات وليس على أساس التقييم الكمي المدروس للشركات”.

أخيراً، إن الفكرة باختصار هي أن الإفراط في التداول يؤثر سلباً على أدائك الاستثماري. وللتغلب على هذه العقبة ستحتاج إلى تقليل وتيرة تفحصك لأداء المحفظة لأن هوسك بمطالعة أداء المحفظة يجعلك تشعر أنك في حاجة للتصرف واتخاذ قراراً ما.

اجتهد في بناء محفظة جيدة وانساها لفترة، ولا تدفعك قلة صبرك إلى تعديلها باستمرار ظناً منك أنك تواكب السوق، لأن هذا في الحقيقة لن يفيد أحد سوى الوسطاء والسماسرة الذين سيكونون أكثر من سعداء بدخول تكاليف هذه المعاملات في جيوبهم.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق