متنوع

ما الأفضل لقطاع التكنولوجيا .. المنافسة أم التنظيم؟

في الوقت الذي تستعد فيه السلطات التنظيمية في الولايات المتحدة لمواجهة شركات التكنولوجيا الكبيرة، من الجدير إعادة النظر في حجة عدم اتخاذ أي إجراء. دائما ما يقدم اقتصاديو السوق الحرة المتطرفون، الذين يرتابون في جميع أنواع التدخل الحكومي، حجة قوية تفيد بأن المنافسة، بدلا من التنظيم، هي أفضل طريقة للتصدي للاحتكارات المحتملة.
بمرور الوقت، أي شركة تسيء استغلال هيمنتها، وتفرض أسعارا عالية على الزبائن، وتضخم هوامش الربح، فإنها بذلك تدعو منافسين جددا، مميتين، إلى إعادة ابتكار سوقها. ثم يتكاثر النحل المتنافس حول وعاء العسل.
لنأخذ أحد الأمثلة، سيكون من المُثير للاهتمام معرفة مدى تأثير شركة أبل السيئ على “فيسبوك” و”جوجل” خلال الأشهر المقبلة، في الوقت الذي تُزعج فيه منافسيها بشأن إدارة الهوية. في مؤتمر المطورين الذي عقدته أخيرا، أعلنت “أبل” أنها ستطرح خدمة “التسجيل مع أبل” هذا العام؛ ما يسمح للمستخدمين بالوصول إلى كل خدمة على الإنترنت بعنوان بريد إلكتروني فريد، بالتالي كسر الرابط إلى ملفات تعريف البيانات الخاصة بهم.
جادل بن تومبسون؛ مؤلف نشرة Stratechery، بأن “أبل” تهدف إلى استغلال الخصوصية الأقوى كميزة تنافسية. ووصف الخطوة الرامية إلى إكراه كل مطوّري تطبيقاتها (الذين يستخدمون حاليا خدمات تسجيل مُكافِئة من شركات أخرى) على استخدام خدمة “التسجيل مع أبل”، بأنه “مفاجأة مذهلة”. وكتب أن هذا النهج القوي والاستراتيجي “يُمكن أن يُلحق الضرر بالمنافسين، إضافة إلى جذب مستخدمين جُدد”.
إذا نجحت “أبل”، قد تؤدي إلى إضعاف نماذج “جوجل” و”فيسبوك” الإعلانية التي تعتمد على البيانات، أو رأسمالية المراقبة، كما يصفها منتقدوها. حتى إن بعض التنفيذيين في مجال التكنولوجيا يجادلون بأن أنموذج أعمال “فيسبوك” غير مستدام بسبب استخدامه غير المرغوب والمزعج للبيانات الشخصية؛ يبدو أن “أبل” عازمة على إثبات هذه النقطة.
أحد المنظمين الذين تحدثت معهم رحّب بتكثيف المنافسة وزيادة التركيز على “الخصوصية المقصودة”. خطوة “أبل” قد تجلب فائدة إضافية في معالجة ما يدعونه المنظمون “مفارقة الخصوصية”. قال المنظم: “دائما ما تكون الخصوصية على رأس قائمة مخاوف الأشخاص المُعلنة، لكنهم يستمرون في استخدام خدمات سيئة لأن هذا أسهل شيء بالنسبة إليهم”.
من المُغري رؤية “جوجل” و”أمازون” و”فيسبوك” و”أبل” على شكل أنظمة بيئية مستقلة، أو حدائق مُسوّرة، لا تتنافس ضد بعضها بعضا. ما لا يُثير الدهشة هو أنها لا توافق على ذلك، خاصة أن هذه الشركات التي تعمل على تغيير أشكالها تنحرف عن نماذج أعمالها الأصلية وتبحث عن الإيرادات في مجالات جديدة، مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية، والسيارات ذاتية القيادة. بحسب الوضع الحالي، تقتتل “أبل” و”جوجل” على الهواتف الذكية. وتشتبك “أمازون” و”جوجل” في البحث عن المنتجات. وتتنافس “فيسبوك” و”جوجل” –و”أمازون” بشكل متزايد– على سوق الإعلانات.
معدل الخضخضة التنافسية في صناعة التكنولوجيا أيضا لافت للنظر في الوقت الذي يبتكر فيه المبدعون منتجات أكثر ابتكارا باستمرار. بلغت وتيرة التغيير حدا إلى درجة أن احتكارات التكنولوجيا نادرا ما تدوم فترة طويلة قبل أن تُصبح قديمة. لا نشعر بكثير من القلق اليوم من المراكز المُهيمنة في سوق أجهزة الكمبيوتر المركزية. أربعة فقط من أبرز عشر شركات عامة ذات قيمة في العالم عام 2010 موجودة على تلك القائمة اليوم.
أحد الأسئلة التي يحتاج المنظمون إلى معالجتها هو كيف ستعمل المنافسة داخل الأنظمة البيئية لهذه الشركات، مثل متجر التطبيقات من “أبل” وسوق “أمازون”. في بعض الجوانب، الشركات العاملة تكون بمنزلة المتداولين الحاليين الذين يتداولون استنادا إلى معلومات سرية، حيث يستغلون تدفقات المعلومات المتوافرة لدى أصحاب الامتيازات لمصلحتهم الخاصة.
تتباهى “أبل” بأنها دفعت 120 مليار دولار لمطوري التطبيقات منذ إنشاء متجر التطبيقات. لكن كثيرا من الشركات المُشارِكة، مثل “سبوتيفاي”، تشكو من الشروط التقييدية التي يُمكنها من خلالها التواصل مع المستخدمين وهي تحثّ الاتحاد الأوروبي على التدخل. ويتهم النقاد “أبل” أيضا بدمج بعض من أفضل أفكار مطوري متجر التطبيقات في الخدمات الخاصة بها– المعروفة باسم Sherlocking. إجبار مطوري التطبيقات على استخدام خدمة “التسجيل مع أبل” يُسلط الضوء على قدرة “أبل” على تحديد شروط الاستخدام.
على نطاق أوسع، سيكون على المنظمين التعامل مع الطبيعة المتغيرة للمنافسة نفسها في الأسواق الغنية بالبيانات. إلى أي مدى تم ضبط عمليات السوق ذاتها من خلال تدفقات بيانات شركات التكنولوجيا الكبيرة؟
يُجادل معهد بي سي جي هندرسون بأن القوة التنافسية الأهم اليوم هي “معدل التعلم”. هنا تتمتع شركات التكنولوجيا الكبيرة بميزة داخلية كبيرة، بالنظر إلى ملكيتها مجموعات ضخمة من البيانات وأذكى أدوات الخوارزميات.
تصميم استجابة تنظيمية منسقة لهذه التحديات متعددة الأبعاد يتطلب تفكيرا عميقا للغاية. نحن في حاجة لكي نسأل ما الأذى المحدد الذي نحاول علاجه؟ وكيف تستطيع الأجهزة التنظيمية أن تضمن أنها لا تعمل عن غير قصد على زيادة تكاليف الامتثال؟
لا يزال من الممكن تبرير التدخل في عدد من المجالات. لكن إلى أن يصبح بالإمكان الإجابة بوضوح على هذين السؤالين، ربما يكون بالتأكيد من الأفضل ألا نفعل أي شيء.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق