أخبار العالم

الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» .. سوق جديدة تضم 800 مليون مستهلك

عندما وصلت أخيرا واحدة من أطول المفاوضات التجارية في العالم إلى نهاية ناجحة في الطابق الـ11 من مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل، تأججت العواطف وبلغت المشاعر ذروتها. قال خورخي فوري، وزير خارجية الأرجنتين، في رسالة صوتية لرئيس بلاده، ماوريسيو ماكري، الذي نشرها بعد ذلك عبر تغريدة، “عزيزي الرئيس، أهنئكم”.
قال فوري وهو يحبس دموعه، بعد عقدين من الزمن “توصلنا إلى اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور”.
وأشاد الجانبان باتفاق يوم الجمعة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل أمريكا الجنوبية، الذي يضم البرازيل، والأرجنتين، والأوروجواي، والباراجواي، باعتباره “علامة فارقة” في صنع السياسات العالمية، كما أنه يمثل انتصارا للشركات المصدرة في هذه الدول.
أشارت سيسيليا مالمستروم، مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي، إلى أن المحادثات انتهت بعد 20 عاما بالضبط من بدايتها – في 28 حزيران (يونيو) 1999. ووصفها جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، بأنها “لحظة تاريخية بالفعل”.
لكن ما الذي تعنيه هذه الاتفاقية التي احتاج إبرامها إلى عقدين من الزمن؟
توفر الاتفاقية سوقا تضم نحو 800 مليون مستهلك للسلع والخدمات، التي تشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي في العالم. فيما يتعلق بتخفيض التعريفة الجمركية، تعد هذه أكبر صفقة أبرمها الاتحاد الأوروبي: من المتوقع تخفيض الرسوم على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى “ميركوسور” إلى أربعة مليارات يورو سنويا. وهي كذلك أول اتفاقية تجارية شاملة موقعة من قبل رابطة “ميركوسور” منذ إطلاقها في عام 1991.
يتجاوز نطاق الاتفاقية كثيرا مسألة التعريفات الجمركية، ليشمل فرص الوصول إلى عقود المشتريات العامة، وحماية المواد الغذائية التي يختص بها كل إقليم، وزيادة حرية تقديم الخدمات.
على صعيد المكاسب، يلغي الاتفاق التعريفات الجمركية المفروضة على 93 في المائة من صادرات “ميركوسور” إلى الاتحاد الأوروبي ويمنح الـ7 في المائة المتبقية “معاملة تفضيلية”. وأشار مفاوضون إلى أن إحدى أكبر المكاسب بالنسبة لكتلة أمريكا الجنوبية هي زيادة فرص الوصول إلى السوق الأوروبية للمنتجات الزراعية – خاصة لحوم الأبقار، والدواجن، والسكر، والإيثانول.
قال أندريه بيرفيتو، الخبير الاقتصادي لدى شركة سبينيللي للوساطة التجارية في ساو باولو، إن البرازيليين يتوقعون أن تكون الرسوم الجمركية على عصير البرتقال، والقهوة سريعة التحضير والفواكه، صفرا، وهو ما سيكون “انتصارا كبيرا لقطاع الأعمال الزراعية”.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، أكبر مكسب هو الحصول على بيئة تصديرية محسنة بشكل هائل بالنسبة لشركاته، حيث سيتمتع الاتحاد الآن بميزة تفضله على المناطق الأخرى من العالم التي لا تزال تواجه رسوما جمركية عالية في العادة، وغير ذلك من العوائق التجارية التي تضعها بلدان “ميركوسور”. ستؤدي الاتفاقية في النهاية إلى إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على 91 في المائة من البضائع التي تصدرها شركات الاتحاد الأوروبي إلى “ميركوسور”.
بعض أهم المكاسب بالنسبة لدول أوروبا تتضمن تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات وقطع غيار السيارات، والمواد الكيماوية، والآلات، والمنسوجات، فضلا عن تحسين فرص الوصول إلى سوق الجبن في الاتحاد الأوروبي.
بعيدا عن مكاسب الجانبين، يرسل الاتفاق بعض الرسائل السياسية القوية. قالت مالمستروم، إنه دليل على أن النظام التجاري الدولي سيستمر، على الرغم من الضغوط الناشئة عن حمائية دونالد ترمب ورأسمالية الصين المدعومة من الدولة.
وأضافت: “أعتقد أن البيئة الدولية ساعدت على إقناعنا بأن هذه خطوة جيدة، وأننا نقدم معروفا لدول العالم”.
الاتفاقية تتضمن أيضا رسالة مهمة من مجموعة “ميركوسور” مفادها أن المجموعة على استعداد لفتح اقتصاداتها، خاصة الأرجنتين والبرازيل الأكثر عزلة، سعيا لتحقيق النمو. وقد تعطي أيضا بلدان “ميركوسور”، التي ظلت تحتضر لسنوات طويلة، فرصة جديدة للحياة. قال فوري ببساطة، في تصريحات رددها مسؤولون برازيليون: “كانت (ميركوسور) منطقة اقتصادية مغلقة للغاية. وهذه رسالة واضحة جدا إلى أين نحن ذاهبون”.
وعمل كلا الجانبين بشكل مكثف في السنوات الأخيرة للوصول إلى اتفاق. وتم تتويج جهد دؤوب استمر ثلاثة أيام بإتمام الاتفاق نهاية الأسبوع الماضي. ويزعم مسؤولون أرجنتينيون أن المفاوضات اكتسبت “زخما متجددا” عقب انتخاب ماكري، المؤيد للسوق الحرة، رئيسا للأرجنتين في عام 2015.
من جانبها، سلطت مالمستروم الضوء على قدوم رئيس البرازيل، جايير بولسونارو، قائلة إن الحكومة الجديدة في برازيليا “وضعت هذا الأمر بالفعل أحد أولوياتها”. بالنسبة لفانجر بارنيتي، الرئيس التنفيذي لشركة “بي. إم. جي” للاستشارات في ساو باولو: “كانت هناك فرصة لتوقيع هذه الاتفاقية على اعتبار أنها كانت مدعومة من بولسونارو وماكري”. وقالت مصادر دبلوماسية في برازيليا وبوينس آيرس، إنهما كانا حريصين على التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات الرئاسية في الأرجنتين في تشرين الأول (أكتوبر)، وسط مخاوف من عودة الشعبوية اليسارية.
لكن الاتفاق لم يمر بلا معارضة. فقد نددت به جماعة الضغط الزراعية في الاتحاد الأوروبي واعتبرته خيانة للمصالح الأوروبية. قالت “كوبا كوجيكا”، وهي جماعة تمثل المزارعين في الاتحاد الأوروبي “لطالما كانت الزراعة هي الفصل المتاح لإجراء المقايضات لتسهيل تحقيق المكاسب في القطاعات الأخرى”.
أحد أكثر الزعماء حذرا واحتراسا هو الزعيم الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال في السابق، إن الاتفاق لا يمكن أن يمضي قدما في حال كان هناك أي تردد من جانب بولسونارو بشأن التزامات البرازيل البيئية الدولية. وحذر بروكسل من التضحية بمزارعي الاتحاد الأوروبي.
ورحب الرئيس الفرنسي بالاتفاق ترحيبا حذرا يوم السبت ووصفه بأنه “جيد في هذه المرحلة، ويسير في الاتجاه الصحيح، لكننا سنكون يقظين للغاية”.
ولا يزال يتعين التصديق على الاتفاقية من قبل البرلمانات الوطنية لجميع الدول الأعضاء في كلتا الكتلتين، وكذلك من قبل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي.
إذا خسر ماكري الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول (أكتوبر) أمام مرشحة اليسار الشعبوي كريستينا فرنانديز دي كيرشنر ونائبها ألبرتو فرنانديز، فهناك خطر من أن تختار الأرجنتين عدم البقاء في الاتفاق.
قال فرنانديز: “الفوائد الملموسة لبلادنا غير واضحة. لكن الأمر الواضح هو الضرر الذي سيلحق بصناعتنا وفرص العمل في الأرجنتين. اتفاق من هذا القبيل ليس شيئا يدعو للاحتفال، بل يوفر الكثير من الأسباب التي تدعو للقلق”.
المصدر الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق