أخبار العالم

حرب العملات..هل تنحسر سطوة الدولار بسبب “ترامب”؟ وما البدائل المتاحة؟

في صناعة يهيمن عليها الدولار، قررت شركة روسية لتجارة الألماس بيع منتجاتها بالروبل لعملاء كالصين والهند، ونفذت بالفعل 50 صفقة بهذه الطريقة، وفي ظل إثارت الرئيس الأمريكي لحرب العملات، تحدثت “فاينانشيال تايمز” في تقرير عن مدى تسلح “دونالد ترامب” بالعملة الأمريكية.

بدت تصرفات شركات الألماس الروسية وغيرها في صناعة تعدين الأحجار الكريمة بمثابة مبادرة لهز عرش العملة الأمريكية التي لطالما هيمنت على أسواق المال وحركة التجارة العالمية.

وتزامن ذلك مع استغلال “ترامب” عملة بلاده في النزاعات التجارية والمالية مع دول أخرى بهدف تقيص العجز التجاري الهائل الذي تسجله أمريكا مع دول كالصين.

التحايل على الدولار

– فرضت أمريكا عقوبات على مسؤولين وشركات روسية وإيرانية وكورية شمالية وفنزويلية ودول أخرى ومنعتهم من الوصول إلى أنشطة تجارية ومالية دولارية، كما فرضت عقوبات ضد شركات كـ”هواوي” وقيود أخرى.

– نتيجة لذلك، سعت اقتصادات كالصين وروسيا لتجنب العقوبات أو أي تلويح بها من جانب واشنطن عن طريق آلية تقليل الاعتماد على الدولار، كما تحاول دول أوروبية أيضاً تجنب أي قيود أمريكية على أنشطتها مع إيران في محاولة لإنقاذ الاتفاق النووي.

– لا تزال تلك المبادرات والمحاولات ضئيلة بالنسبة لحجم انخراط الدولار في حركة التجارة وأسواق المال عالمياً، ولكن إثارة “ترامب” لحرب عملات أجبر البعض على التساؤل عن مدى صمود العملة الأمريكية في مواجهة إجراءات الدول الأخرى للتخلي عنها في تعاملاتهم على المدى الطويل.

– قال المسؤول السابق بالبيت الأبيض ووزارة الخزانة “آدم إم سميث” إن الطريقة التي يستغل بها “ترامب” القوة الاقتصادية الأمريكية غير مسبوقة، فهو يستخدم أوراق العقوبات والرسوم الجمركية والمفاوضات التجارية والسيطرة على الصادرات.

– يستغل “ترامب” أيضاً أهمية السوق الأمريكي لبقية دول العالم كأداة فاعلة من أجل سعي الشركات والحكومات الأخرى لدخول السوق وفق شروطه، ولكن تلك الدول تحاول استخدام طرق للتحايل على هيمنة الدولار وشروط واشنطن بل وتجنب سوقها، وربما تلقى نجاحاً في ذلك، على حد قول “سميث”.

– لطالما تميزت أمريكا بترسانة اقتصادية قوية بفضل تفرد الدولار ومركزية اقتصادها ونظامها المالي بالنسبة للاقتصاد العالمي، ورغم تراجع نصيب واشنطن في الناتج المحلي الإجمالي حول العالم، إلا ان عملتها لا تزال تشكل أكثر من 60% من الدين الدولي.

– يهيمن الدولار على تسعير السلع كالنفط والمعادن ويشكل 40% من حركة المبادلات المالية العابرة للحدود، لكن حصته انخفضت في احتياطيات النقد الأجنبي عالميا على مدار العشر سنوات الماضية إلى 62%.

– في المقابل، خسر اليورو المزيد من السطوة حيث انخفضت حصته في الاحتياطيات النقدية إلى 20% تقريباً، بينما يستحوذ اليوان الصيني على نصيب بنسبة 2% فقط من حركة المعاملات الدولية.

الدولار والعقوبات

– مع استمرار وجوده في قلب النظام الاقتصادي العالمي، تستحوذ الحكومة الأمريكية على قوة هائلة بفضل الدولار الذي تستخدمه في معاقبة الدول الأخرى ومنع وصولها إلى النظام المالي.

– يتنوع شكل العقوبات الأمريكية، فمنها ما يمنع مواطنيها من التعامل مع طرف أو دولة أخرى، ومنها إجراءات تمنع وصول الدول الأخرى إلى أسواق المال والسيولة وغيرها يمنع شركات من التعامل أو يحظر منتجاتها.

– تعاقب واشنطن أطرافاً لعدم امتثالها للعقوبات التي تفرضها على دول وكيانات أخرى، على سبيل المثال، تم فرض عقوبة بنحو 9 مليارات دولار ضد بنك “بي إن بي باريبا” لعدم امتثاله للعقوبات الأمريكية.

– زاد الحديث عن العقوبات الأمريكية منذ قدوم الرئيس “ترامب” للسلطة، وهو ما استشعرته الأسواق العالمية في ظل تلويح بمزيد من العقوبات ضد روسيا وكيانات صينية وإيران وتركيا.

– تشكل الصين أكبر تهديد للأمن القومي والاقتصادي الأمريكي على المدى الطويل ولا يعتمد الأمر فقط على مجرد فرض عقوبات أو منافسة، بل إن بكين تعزز وجودها بقوة في العالم على كافة الأصعدة سواء كان سياسيا أو اقتصاديا او عسكريا.

– مع صعود القوة الصينية، ربما يعزف بعض المستثمرين عالميا عن استخدام الدولار كمخزن للقيمة وعملة للمبادلات الدولية، ويخشى البعض انحسار قوة العملة الأمريكية لصالح أخرى على غرار ما حدث مع الجنيه الإسترليني وصعود الدولار على جثته.

بدائل أخرى

– تصدرت روسيا جبهة المحاولات للتخلي عن الدولار وتقليص الاعتماد عليه في معاملاتها رغم تصريحات الرئيس “فلاديمير بوتين” عام 2018: “إننا لا نتخلى عن الدولار، بل هو ما يتخلى عنا”.

– نتيجة عدم استقرار أنشطة الدفع بالدولار، بدأت العديد من الاقتصادات العالمية في البحث عن بدائل لاحتياطياتها النقدية وإيجاد منظومة تسوية بعيدة عن العملة الأمريكية.

– باع البنك المركزي الروسي في الربيع الماضي 101 مليار دولار من احتياطياته وحولها إلى يوان صيني ويورو وين ياباني، وعززت موسكو وجود اليوان بالذات في احتياطياتها من النقد.

– على الجانب الآخر، وافقت الصين على التخلي عن الدولار في معاملاتها مع روسيا، والتعامل بدلا منه باليوان والروبل، كما أطلقت بكين عقودا آجلة للنفط بعملتها وإطلاق نظام مدفوعات دولي خاص بها.

– أطلقت الصين وروسيا خطة تسوية غير دولارية مباشرة للمساهمة في تنفيذ صفقات مد خطوط انابيب الغاز، لكن بكين تحاول أن تنأى بنفسها قليلا عن الروبل نتيجة تقلباته الشديدة.

– أما في أوروبا، فقد زاد القلق بشأن استمرار ضعف وجود اليورو في الأسواق العالمية، ودعا مسؤولو البنك المركزي الأوروبي لزيادة استخدام العملة الموحدة في المبادلات الدولية.

– تحدث مسؤولون عن دفع الاتحاد الأوروبي أكثر من 80% من وارداته من الطاقة بالدولار في العام الماضي رغم استيراد 2% منها فقط من أمريكا، حتى أن بروكسل لم تنجح حتى الآن في إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران بفضل قوة الدولار وهيمنته وفاعلية العقوبات به.

الملاذ الآمن

– ما يدعو للسخرية، أنه كلما لوحت واشنطن بالمزيد من العقوبات وهدد الرئيس “ترامب” بتعريفات جمركية أو وقع أمر جلل ما في الأسواق، يتجه المستثمرون نحو حيازة الأصول الدولارية كملاذ آمن مما يعزز قوته ووجوده أكثر فأكثر.

– بدا هذا الأمر كظاهرة أثناء الأزمة المالية العالمية عندما انهار قطاع الرهن العقاري ليتجه المستثمرون نحو الأصول الدولارية كسندات الخزانة الأمريكية، وحدث هذا الأمر مؤخرا مع تهديدات “ترامب” بشأن الحرب التجارية مما دفع عوائد تلك السندات نحو التراجع بينما ارتفعت أسعارها نتيجة الطلب عليها.

– وسط انتقاداته لقوة الدولار – وإضرار ذلك بالصادرات الأمريكية – فإن أي إثارة عدم يقين أو عدم استقرار من جانب “ترامب” يؤدي إلى المزيد من القوة في سعر الدولار.

– رغم ذلك، فإنه وبمرور الوقت، ستضيق الدول الأخرى ذرعاً بسطوة الدولار، وسوف تتجه بعيدا عنه وستبحث عن بدائل أخرى، ولكن في المستقبل القريب، ستظل العملة الأمريكية ودورها مخزنا مهيمنا للقيمة لا يمكن مجابهته.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق