متنوع

تحديد ثقل رأسمالية القرن الـ19 على ميزان اليوم

تتعرض الرأسمالية اليوم لانتقادات شديدة من كل حدب وصوب.
لا يأتي استهداف الرأسمالية من رموز اليسار فحسب، من أمثال بيرني ساندرز أو إليزابيث وارن أو جيرمي كوربين فحسب، بل أيضا من أقطاب اليمين، حيث يتساءل تاكر كارلسون، مذيع قناة فوكس نيوز: “هل ما زال هناك من يعتقد أن أجهزة آيفون الأرخص، أو مزيدا من شحنات شركة أمازون للسلع البلاستيكية التافهة من الصين، ستجعلنا سعداء؟”.
رؤساء الشركات يتبعون روح العصر، ويبدأون تصريحاتهم باعتراف بالخطيئة الذي أصبح شبه إلزامي.
قادة الأعمال يسهبون بشكل قسري في الحديث عن النظام المتفكك، وضرورة البحث عن سرد جديد.
هم يشبهون هؤلاء النبلاء الفرنسيين الذين كانوا يجلسون في ثمانينيات القرن الثامن عشر، على جانب المسرح وهم يشاهدون عروض، زواج فيجارو، المسرحية الناجحة المعادية للأرستقراطية من تأليف بيير بومارشيه، وهم يصفعون أنفسهم، لما يتمتعون به من امتيازات.
الرأسمالية مثل الأرستقراطية في النظام القديم، مفهوم مراوغ إلى حد بعيد.
إنها تتطلب تسويق رسالة أو إحاطتها بالمبالغة والخيال، وهذا يؤدي إلى الشعور بالدوار.
هناك عدو، لكن من الصعب تحديده.
في فرنسا في القرن الثامن عشر، تعايش الأرستقراطيون العظماء مع أتباع الفرسان الإقطاعيين الفقراء بشكل مريع، لكنهم جميعا كانوا يتمتعون بوضع قانوني خاص وغريب.
ذاك كان أحد مفاهيم الامتياز الأرستقراطي الذي غطاهم جميعا، وأثار الازدراء والكراهية العنيفة في نهاية المطاف.
من هو الرأسمالي اليوم؟ هل هو مجرد جيمي دايمون من بنك جيه بي مورجان أم صاحب المليارات المحسن بيل غيتس؟ أو، طالما نحن في الموضوع، هناك المطورون العقاريون؟ هل يشكلون نسبة 1 في المائة أو 0.01 في المائة؟ أم أننا جميعا رأسماليون (على نحو ما)، لأن لدينا خططا للتقاعد والحصول على معاش تقاعدي تجعلنا مالكين لأصول رأسمالية؟
قد يكون كثير من أصحاب رأس المال المتنوعين اليوم، هم الطفيليات الحقيقية التي لا تكدح.
هل نحن جميعا مذنبون بالرأسمالية ومستفيدون من ثمارها ونتواطأ بالاشتراك في صنع عيوبها؟
إذا كنا نريد أن نفهم كيف تبرز المفاهيم الإشكالية للرأسمالية، وماذا تعني وكيف يتم استخدامها؟ فإننا بحاجة إلى أن ننظر إلى أسلافها.
التاريخ وسيلة جيدة لمحاولة فهم الرأسمالية وجوانب الاعتراض عليها، خاصة عندما يرويها شخص موهوب بلاغيا ولديه أيضا ثقافة عميقة.
التاريخ أيضا له سمعة سيئة. يمكن للمؤرخين ذوي الأسلوب الرفيع أن يكونوا سلسين وسطحيين بشكل منهجي؛ فأهل العلم ضليعون في المعرفة على نحو مذهل حول الشؤون الصغيرة للماضي، لكن لا علم لهم بشيء ولا رجاء فيهم، حين يتعلق الأمر بالصورة الكبيرة.
لحسن الحظ، فإن دونالد ساسون، وهو أستاذ فخري للتاريخ الأوروبي في كلية كوين ماري في لندن، كتب بشكل مكثف عن التاريخ الثقافي والسياسي. هو في آن معا كاتب بارع ولديه اطلاع واسع في معارف كثيرة.
في كتابه المعنون، النصر القلقThe Anxious Triumph، أنتج عملا رائعا، وهو تاريخ يسهل فهمه وعالمي بشكل أصيل لسمته التحويلية، وغير المستقرة لتشريح الظاهرة الرأسمالية.
نصف القرن الذي سبق الحرب العالمية الأولى له أوجه تشابه ملحوظة مع عصرنا المضطرب.
غالبا ما يعتقد أن نصف القرن المذكور هو العصر الأول للعولمة وهو مفهوم خاطئ، من حيث إنه كان هناك ترابط عالمي في السابق.
التدفقات الرأسمالية المؤسسية الكبيرة، والهجرة الجماعية، وتوسيع التجارة في المنتجات الضرورية والتافهة على حد سواء، والثروة الهائلة والاضطرابات الاجتماعية، مهدت الطريق لرد فعل عنيف كان يحرك المشاعر القومية والنزاعات.
وفي النهاية أنتجت كارثة الحرب العالمية الأولى.
ساسون، على خلاف كثير من المؤلفين الجدد، لا يهتم كثيرا برواية قصة الأصول الوحشية للرأسمالية.
لقد كان ذلك النهج مادة دائمة للأدبيات المناهضة للرأسمالية منذ كارل ماركس، لكن تم إحياؤه في عصر القلق اليوم، خاصة من قبل مجموعة من الكتاب الشباب الذين يطلقون على أنفسهم “مؤرخو الرأسمالية”، ويفخرون بأنهم ينتقدون علم الاقتصاد الحديث.
بالنسبة إلى ماركس، كانت الرأسمالية “تتساقط من الرأس إلى القدم، ويخرج من كل مسام فيها الدم والأوساخ”.
في المقابل، لا يهتم ساسون كثيرا بشأن ما إذا كانت الأرباح الأولية، قد تحققت من قبل أصحاب المزارع الجريئين، الذين يعملون مع العمال العبيد، أو من مصادرة حقوق الفلاحين؟ أو ببساطة من ظروف العمل المروعة في المناجم والمصانع الأولى؟.
هذا مجرد جزء لا معنى له من صنع أساطير ما قبل التاريخ.
بدلا من ذلك، يروي ساسون قصة يمكن أن تكون قصة احتفالية بسهولة عن كيفية قيام الرأسمالية، عبر تأسيس الروابط والاتصالات التي أدت إلى زيادة عامة مذهلة في الرخاء والرفاهية.

العالم ما قبل الرأسمالية
أحد أكثر المقاطع المؤثرة في الكتاب هو مناقشة وضع الوفيات في العالم ما قبل الرأسمالي.
حتى الأغنياء والمشاهير لم يعيشوا طويلا في القرن التاسع عشر، ولم يكن مرض السل هو الذي كان يقتلهم، فقط. كان لبعض رجال الدولة حياة طويلة. وصل بالمرستون إلى عمر 80، وبسمارك إلى 83، وجلادستون إلى 88.
على أن المرض، والموت أخذا كثيرا من الحكام والفنانين في وقت مبكر.
توفي الموسيقار فينتشنزو بيليني عن عمر يناهز 33 عاما (اضطراب معوي)، بينما قضى التيفوئيد على كل من فرانز شوبيرت (31) والشاعر جيرارد مانلي هوبكينز (44).
يعطينا ساسون قائمة طويلة من الأمراض والمشكلات التي يمكن الآن علاجها بسهولة، وكذلك الاختلالات الاجتماعية ابتداء من التسمم بالرصاص والزئبق إلى المبارزة.
كان الانتقال إلى الديناميكية الجديدة مؤلما، في البداية، كان التوسع الحضري يعني ازدحاما غير صحي وزيادة في عدد الوفيات.
ثم بدأت دورة فاضلة. كان هناك تقدم طبي، لكن كان هناك أيضا رضا المستهلكين، في الوقت الذي كانت تباع فيه منتجات جديدة بطرق جديدة، تجعل الحياة ببساطة أفضل.
هذه قصة نجاح من اختراع المتجر العام (باريس 1838) وبطاقة السعر (فيلادلفيا 1861) إلى آلة تسجيل النقود في 1879.
تدفع المنافسة الرأسماليين إلى بذل جهد أكبر لفهم العميل.
في نهاية القرن التاسع عشر، كان عالم الاجتماع الألماني جورج سيميل يعتقد أن ذلك ألهم حب الزبون.
ليست كل الاحتياجات جيدة. في بضع صفحات قاسية، يتفكر ساسون في واحد من أكثر المشاريع الشريرة في القرن التاسع عشر، حين خلص التجار البريطانيون إلى أن العملاء الصينيين، كانوا في غاية من الاكتفاء والرضا، كان لديهم أفضل طعام، وأفضل شاي، وأفضل ملابس، لدرجة أن المطلب الوحيد الذي قد كان يعوزهم جديدا وجذابا، إدمان المادة المخدرة التي جلبها الاستعمار.
في تباين مثير للاهتمام للمرض الرأسمالي المبكر مع عالم اليوم، يدعي ساسون أنه في نسخة القرن التاسع عشر، كان من السهل الشعور بالاستغلال من قبل النظام.
أما اليوم فيجادل بأن الناس يعتركون مع عدم المساواة التي لا يمكن تفسيرها، التي يبدو أنها متزايدة وظالمة، ومع ذلك لا يشعرون بأنهم مستغلون.
هم أكثر إحباطا وليسوا أقل إحباطا في الوقت نفسه، لأنه لا يوجد عدو حقيقي واضح، فيما تتولى الرأسمالية تقديم الأشياء.
ينهي ساسون الكتاب بادعاء مدهش لكنه صحيح، معاداة الرأسمالية الشعبية لم تؤثر قط في عمل النظام، وأنه لم تشهد أي دولة متقدمة ثورة مسلحة أو عنيفة.
الثورات نتائج الفشل في التقدم أو سلالات التخلف كما في روسيا أو الصين في القرن العشرين، لكن ليست نتيجة الديناميكية الرأسمالية نفسها.
نشأت تلك المرونة النظامية بسبب تغيرات سياسية أحدثها الازدهار والتقدم، توسيع مشاريع الامتياز، وكذلك أيضا إدخال سياسة جديدة معها بقوة مجموعات اجتماعية جديدة على رأسها النساء إلى النظام السياسي.
ظهور الرأسمالية، والمرحلة الأولى من العولمة الحديثة من ستينيات القرن التاسع عشر، مع السفن البخارية عبر الأطلنطي وظهور المبرقة، أدى إلى مطالبة الدولة بالتدخل والحماية والتضمين والتنظيم. يشرح ساسون الترابط بين صعود الرأسمالية وبروز الدولة الحديثة بتفاصيل مثيرة، وبنشاز غريب، لم يكن الضغط من الأدنى هو الذي فرض التغيير، بل جاء بالأحرى من تأملات ومخاوف النخبة السياسية.
ثم يقدم ساسون وصفا مقنعا لعلاقة الرأسمالية بالإمبريالية الغربية الوحشية، لم يكن السعي الأوروبي نحو الإمبراطورية مدفوعا بضرورة اقتصادية لإنشاء أساس الرأسمالية، بقدر ما كان لجوءا من الدول الأوروبية الكبيرة إلى التوسع الإقليمي في الخارج، عندما ظنت أن نسختها الخاصة من الرأسمالية كانت تتعثر أو في سبيلها إلى الإخفاق، في الداخل.
فعلت بريطانيا هذا في أواخر المرحلة الحرجة من العصر الفيكتوري، عندما كانت الولايات المتحدة وألمانيا تتغلب عليها؛ (من حيث معدلات النمو الاقتصادي) وفرنسا في أعقاب الهزيمة العسكرية (الحرب الفرنسية-البروسية، أي ألمانيا اليوم).
كانت الرأسمالية غير متبلورة، وليس لديها رسالة أو هدف.
يقتبس ساسون من جوان روبنسون، أستاذة الاقتصاد العظيمة في كامبردج (ومن المعجبين بماو): “ليس للرأسمالية الحديثة أي غرض سوى إبقاء العرض مستمرا.”
كان عدوها يظهر في أشكال مختلفة تراوح بين الاشتراكية، التي هي مشروع خاضع للسيطرة السياسية، يصفه ساسون بأنه، “من تصميم لاعبين سياسيين يعلمون ما يفعلون”.
في حين أن الرأسمالية تتغير باستمرار، لم تكن السياسة تتعلق بالحماية فحسب، بل كانت تتعلق أيضا بالسيطرة على المجتمعات الأخرى.
هذا هو السبب في أن النقطة المنطقية لساسون لإنهاء السرد هي كارثة 1914. الديناميكية السببية تمتد من الرأسمالية إلى القلق ثم إلى البحث عن الحماية ثم إلى طلب الهيمنة.
وينتهي ساسون بسؤال ما إذا كانت مواجهة الرأسمالية الصينية والغربية، هي تكرار لهذا المنطق القديم قبل قرن من الزمان.
لم تكن الدول تفهم ولا يمكنها أن تفهم المنافسة وكيف تعمل بشكل ديناميكي.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، عندما حاول مثقف ياباني ليبرالي ترجمة كتاب مقرر في الاقتصاد، وظن أن أفضل مصطلح للمنافسة سيكون كلمة مخترعة باليابانية kyōsō – وتعني معركة سباق أو مسابقة، حرفيا.
وفي الوقت الذي كانت تجري فيه تلك الحركية الخاصة بالدول التي تشكل الرأسمالية، تم تحويل واقتلاع الفكر الاجتماعي والسياسي وأصبح جزئيا يفتقر إلى التناسق بشكل عميق.
بحلول نهاية القرن التاسع عشر، لم تعد هناك ثقة بالليبرالية الاقتصادية التقليدية، ويستشهد ساسون بنوع من قبول ما يقول به مايكل فريدين، أستاذ العلوم السياسية، من أن الاشتراكية “بمعناها الأخلاقي العام أصبحت جزءا من المصطلحات الليبرالية”.
حتى الليبراليين، النخب الرأسمالية بدأوا يتحدثون عن “حرية العمل والتجارة” بنوع من الاحتقار.
التحول المذكور في الأفكار أنتج عالما مقلوبا رأسا على عقب، بحلول أوائل القرن العشرين.
رومانيا، التي يستخدمها ساسون بفعالية باعتبارها مقياسا للاتجاهات العالمية، هي مثال جيد على التحول.
ويقول، “وهكذا كان الليبراليون مؤيدون لتدخل الدولة وحمائيون، في حين كان المحافظون يخشون الدولة القوية، وكانوا من أنصار حرية التجارة”.
حدث الاستقطاب بشأن سؤال التوجه نحو الاتصال الدولي وتفضيله على الحماية الوطنية. مرة أخرى تعطينا رومانيا مثالا صارخا، اشتكى الكاتب المسرحي والمؤرخ نيكولاي أيورجا من أن عددا كبيرا يفوق الحد من المسرحيات في بوخارست كانت تعرض بالفرنسية، ما أنشأ انقساما بين الناس وبين “الأشخاص الطيبين والرائعين والأغنياء الذين يتكلمون لغة أخرى”.
كان الليبراليون عالقين في فخ، فقد أصروا على أن فعل الأشياء هم أنفسهم “prinnoiinsine”وهي عبارة رومانية تشبه عبارة “أمريكا أولا”، لكنها جلبت معها مجموعات كاملة من القومية والنزعة المضادة للعالمية، ومعاداة السامية.
كتاب ديفيد جودهارت في الفترة الأخيرة، الذي يتحدث عن الاستقطاب الحالي للمجتمع، وتحويله إلى قبائل معادية تتألف من “أي مكان” في مواجهة “مكان ما”، كان أيضا عاكسا للانقسام العظيم في نهاية القرن التاسع عشر.
الرأسمالية تعني قدرة الناس على الحركة والارتقاء، إلى جانب حركة السلع ورأس المال والأفكار.
يقول ساسون بحق إن “الهجرة العالمية أعادت إنتاج الشرط الضروري لإعادة إنتاج الرأسمالية”، ما أدى إلى اقتلاع الفلاحين من الأرض وتوسيع الأسواق من أجل السلع.
يروي المؤلف بالتفصيل عددا من ردود الفعل العنيفة ضد الهجرة، وصراع العنصرية القومية الجديدة.
ومع ذلك، فإن الأثر الإنساني للهجرة بشكل خاص، ربما لا يكون معروضا على نحو واف في كتابه.
هناك انتقاد مهم للرأسمالية المبكرة جاء في كتابات ماركس وإنجلز وهو أن الرأسمالية تدمر العائلة، التي اعتبراها المؤسسة الاجتماعية الأساسية في عالم البرجوازية.
على أن الذي حدث هو أن الرأسمالية الناجحة في أواخر القرن التاسع عشر، قد حررت مزيدا من الناس وأتاحت لهم الانخراط في علاقات، ثم ربطت تلك العاطفة “الحب” بتشكيل العائلات.
ووفرت بعض الاستقرار في عالم مصاب بالقلق. في المقابل، في أوائل القرن الحادي والعشرين، في كثير من المجتمعات الغنية، أدى انهيار الوجود العائلي إلى الفقر والتفكك الاجتماعي، وأصبح من العلامات الدالة على “وفيات اليأس” التي رزئت بها الولايات المتحدة – وبشكل متزايد بريطانيا أيضا.
تعتمد الرأسمالية أحيانا على تلفيق الدعاية والغش في البيع.
الغش الخفيف الوحيد في البيع في هذا الكتاب هو في الترتيب الزمني الذي جاء في العنوان الفرعي، 1860 إلى 1914.
الكتاب في الواقع هو أيضا دراسة في الرأسمالية الحديثة، التي تعود بأنظارها إلى الوراء، إلى الأطوار الأولى للثورة الصناعية في بريطانيا، لكنها تتقدم زمنيا إلى الأمام لتصل إلى العولمة الحديثة، والإفراط في المنتجات المالية والرد العنيف للشعبوية في الوقت الحاضر.
ساسون يصفع الرأسمالية، لكن كتابه هو جزئيا صفعة مرحب بها (وفي محلها). هذا كتاب يقرأ اليوم وغدا.
النصر القلق، تاريخ عالمي للرأسمالية 1860-1914
تأليف دونالد ساسون

المصدر: الاقتصادية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق