متنوع

كيف تُؤثر الثقافة في الاقتصاد؟

يتأثر النشاط الاقتصادي بالعديد من العوامل، منها المادي والملموس مثل معدلات النمو واكتشافات المواد الخام على سبيل المثال، ومنها المعنوي مثل سلوك المستهلكين والثقافة العامة للبلدان، والأخيرة تعد من  أهم المؤثرات على الاقتصاد بشكل عام لذا فمن الأهمية بمكان قياس تأثيرها، فهي قد تكون دافعاً للنمو، وقد تكون مثبطاً له.

يابان “فوكوشيما” مثالاً

وتشير دراسة لوزارة الاقتصاد اليابانية إلى أن “تفرد” الثقافة اليابانية بتقديم المجموعة على الفرد كان له دور كبير للغاية في سرعة احتواء طوكيو لآثار كارثة “فوكوشيما” النووية عام 2011 الاقتصادية، خاصة بعد استغراقها وقتاً طويلاً.

نسبة 70% من العمال اليابانيين عملوا ساعة أو ساعتين يومياً في كافة المصالح الحكومية، والشركات الخاصة بشكل مجاني تماماً، علماً منهم بضرورة زيادة الإنتاج بما للعمل من قدرة على تعويض الآثار السلبية لكارثة المفاعل، كما زادت ساعات العمل التطوعي الإجمالية لليابانيين بنسبة 31%.

وعلى الرغم من تحقيق الاقتصاد الياباني لمعدل نمو سالب في عام 2011 (0.1%)، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الثقافة اليابانية المُحبة للعمل والمُقدمة لمصلحة الجماعة على الفرد جنّبت البلاد نمواً سالباً بنسبة تتعدى 2%، بل وحققت البلاد نمواً موجباً (1.5%) في عام 2012 بما عكس تجاوزاً سريعاً للأزمة.

وتشير دراسة لمنظمة العمل الدولية في هذا الصدد إلى أن العامل الرئيس في نسبة ساعات العمل الحقيقية أو الفعلية يرجع إلى الثقافة، ولذلك تصل إلى 85% في دول مثل اليابان وألمانيا، بينما لا تتعدى 10% في بعض حالات الدول النامية في أفريقيا وآسيا.

التكنولوجيا أم الصناعة؟

ويشير المفكر الأمريكي المشهور “ناعوم تشوميسكي” إلى أن الولايات المتحدة تميزت في التكنولوجيا بينما تميزت أوروبا في الصناعات الثقيلة (بصورة نسبية بالطبع لكليهما) بسبب طبيعة الثقافة المجتمعية في كل منهما بما انعكس على الاقتصاد.

فالولايات المتحدة دولة “عملية” تهتم بالعلوم بالقدر الذي يحقق فائدة مباشرة، لذا تبدو المجالات التكنولوجية (أي التطبيقية للعلم) أكثر ملاءمة لها، بينما تبدو العلوم التطبيقية التقليدية أكثر ملاءمة لأوروبا “المحافظة” والساعية لنمو “بطيء لكنه مستقر”.

وفي دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة ينزع الشباب إلى الاستقلال بحياتهم في مرحلة مبكرة، بما يجعل نسب البطالة بينهم مقاربة لنسب البطالة على المستوى القومي (في الولايات المتحدة نسبة البطالة بين الشباب 18-25 5% و3.6% على المستوى القومي).

وفي المقابل فإن دولة مثل جنوب أفريقيا تبلغ فيها نسبة البطالة 25% بينما تبلغ نسبة البطالة بين الشباب فيها 40%، بما يعكس مساهمة هؤلاء الشباب في رفع مستوى البطالة على المستوى القومي، في ظل استمرارهم في الاعتماد على ذويهم حتى مراحل متأخرة.

اتجاهات ثقافية “مستحدثة”

وهناك بعض الاتجاهات الثقافية “المستحدثة” التي تؤثر على النشاط الاقتصادي، ومن بينها ما أبداه استطلاع لمركز “بيو” حول استعداد 62% من المواطنين في الدول الغربية لدفع مبالغ أكبر للحصول على الطاقة الكهربائية إن كان ذلك من شأنه الحفاظ على البيئة.

وانعكس هذا على النشاط الاقتصادي بشكل واضح من خلال ما ظهر في بيانات وزارة الطاقة الأمريكية في شهر يونيو الماضي حول تخطي نسبة الكهرباء التي يتم توليدها من مصادر الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة لأول مرة لنسبة الكهرباء التي يتم توليدها من الفحم.

وتأتي الولايات المتحدة في ذلك في درجة أقل من دول أخرى تفوقت بشكل ملحوظ في هذا المجال بسبب وجود “ثقافة” الحفاظ على البيئة، وعلى رأس تلك الدول ألمانيا التي ستصل فيها نسبة الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة إلى 55-60% بسبب التأثير السياسي للنسبة الكبيرة التي يحصدها حزب الخضر في الانتخابات الألمانية في الأعوام الأخيرة.

وتشير دراسة للبنك الدولي إلى أنه يمكن الاعتماد على ما يعرف بـ”الرواد” في تغيير ثقافة بعض المجتمعات وعاداتهم الاقتصادية، بحيث يتم البدء بتعليم هؤلاء “الرواد” وتثقيفهم، ليصبح الأمر بمثابة العدوى التي تنتقل بين أفراد المجتمع.

وتضرب الدراسة مثلاً بمزارعي الصين الذين ترتفع نسبة التأمين على المحصولات الزراعية من التغيرات المناخية المفاجئة بنسبة 13% بين هؤلاء الذين لديهم معارف حصلوا على دورات تدريبية أو تثقيفية حول أهمية هذا النوع من التأمين.

تغيرات ثقافية- اقتصادية

وكثيراً ما تشهد بعض الدول تغيرات جذرية تؤثر على الثقافة، وبالتالي النشاط الاقتصادي، على سبيل المثال تشير دراسة للبنك الدولي إلى أن الدول التي تشهد حروباً تعاني من انقسام كبير للغاية في معدلات الاستهلاك بين الأجيال الكبيرة في السن والصغيرة، فتنزع الكبيرة إلى الادخار بصورة متطرفة والصغيرة إلى الاستهلاك.

والمثال الصارخ على ذلك كان كوسوفو، فهؤلاء الذين كانوا بين سن 7-20 عاماً إبان اندلاع الحرب (1998-1999) تزايدت معدلات استهلاكهم بنسب تزيد عن 50% في أعقاب انتهاء الحرب، بينما عمد الأكبر سناً إلى زيادة الادخار.

وأدى هذا لتشكيل “سوق غير متوازن”، وترجع الدراسة السبب إلى ميل هؤلاء الذين “أدركوا” تفاصيل الحرب بشكل واضح إلى الادخار حماية لمستقبلهم، بينما ينزع الآخرون إلى الإنفاق طمعاً في مستقبل أفضل.

وفي الصين أيضاً تزايد استهلاك اللحوم بنسبة 140% خلال العقد الماضي فحسب، ويرجع ذلك إلى “صرعة” تعلقت بتناول اللحوم المشوية التي تشبه “الكباب”، حيث ظهرت بعض المطاعم المحدودة لتلاقي قبولاً بما ساهم في انتشارها بصورة سريعة بما في ذلك من تأثيرات اقتصادية، بسبب تغير أساسي في العادات الغذائية وهي جزء من الثقافة الشعبية.

التأثير على بيئة العمل

وفي دولة مثل اليابان مثلاً يشير تقرير للشرطة إلى أنه في عام 2017 تم إيصال قرابة 4 ملايين “عنصر مفقود” (جوالات، أوراق، مشغولات ذهبية.. إلخ) عثر الناس عليها في الشوارع، بينما أبلغ الناس عن فقدان 1.1 مليون “عنصر” فحسب بما يعكس التحلي بدرجة عالية من “الأمانة”.

وبناء على تلك الثقافة تقل معدلات السرقة في المدن اليابانية الكبرى عنها في نظيرتها الأمريكية، بما يجعل تكلفة التأمين في الأولى أقل بنسبة 33% عنها في المدن الأمريكية، وذلك على الرغم من التزايد اللافت في معدل السرقات بسبب الهجرة الصينية إلى اليابان في السنوات الأخيرة.

ومن بين العوامل الثقافية الرئيسية ذات الصلة ببعض الأفكار المتعلقة ببيئة العمل، ومنها أنه في الولايات المتحدة على سبيل المثال يميل الزملاء إلى فرض مساحة تقترب من طول الذراع بينهم وبين زملائهم، بينما تقل تلك المسافة إلى النصف في أمريكا اللاتينية.

ويعني هذا أنه إذا تم وضع المكاتب بصورة شديدة القرب من بعضها البعض في الولايات المتحدة، بدعوى استغلال المساحة، فإن ذلك قد ينعكس بصورة سلبية على الإنتاجية، بينما يمكن الاستفادة من المساحات بالصورة القصوى في القارة الجنوبية.

وتؤثر الثقافة في الاقتصاد من مختلف الأوجه، سواء الإنتاجية أو طبيعة بيئة الأعمال أو حتى طبيعة الأنشطة الاقتصادية، ليبقى تغيير الثقافة من خلال “الرواد” كما يطرح البنك الدولي عنصراً حاسماً في إمكانية توجيه الثقافة لما يخدم الاقتصاد، أو تبقى الأولى خارج إطار السيطرة وعاملاً مؤثراً لا يمكن التحكم به.

المصدر: ارقام

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق