مقالات

د. صالح السلطان يكتب: هل أثرت العولمة في مسار التضخم؟

الجواب باختصار نعم. لا شك أن العولمة من حيث المبدأ أثرت في مسار التضخم في بلادنا والعالم. وهذا نابع من تأثيرها في اقتصادات الدول وقدراتها الإنتاجية والتوظيفية. ومن ثم فالجدال في العالم ليس منصبا على أصل التأثير ولكن على مدى قوته. وكان هذا الأمر من ضمن القضايا المطروحة للنقاش والجدال في اجتماع قمة الـ20 الأخير.
في نطاق تأثيرات العولمة، يلحظ بقوة أن الاقتصاد العالمي شهد تغيرات بطرق جعلت لعوامل خارجية عالمية تأثيرات أكبر في حركة الأسعار والتضخم داخل كل دولة. بدأت تحصل تدريجيا وبوضوح منذ بضعة عشر عاما تغيرات أساسية. من ضمنها حركة أكبر للتجارة العالمية، ووزن أكبر للاقتصادات الصاعدة وما صحبه من تأثير قوي في أسعار سلع خاصة أساسية، وحركة أقوى لسلاسل التزويد والإنتاج التي سهلت لها العولمة نقل السلع إلى أسواق أخرى في وقت وتكلفة أقل. كما أتاحت للشركات العالمية التوسع ونقل عمليات الإنتاج إلى مواقع أقل تكلفة. ومن نتائج هذه العوامل أن قللت وأضعفت قدرات طرفين اثنين في الدول الأغنى، خاصة على التأثير في حركة السوق والأجور. الطرف الأول المنتجون أو البائعون في تأثيرهم في حركة السوق، والطرف الثاني العاملون في طلباتهم زيادة الأجور.
في الماضي كانت دراسات ونماذج التضخم العلمية الأكاديمية تعطي وزنا أقل لتأثير العولمة في الأسعار والتضخم. وكان الاهتمام ينصب على تأثير العوامل المحلية. لكن حركة العولمة خلال السنوات الـ15 الماضية غيرت من طبيعة وتركيز دراسات التضخم. وتبعا اتجهت الدراسات والبحوث والمراكز وأقسام الاقتصاد الأكاديمية في السنوات الأخيرة إلى إضافة أو زيادة الاهتمام بمسارات مختلفة نوعا ما في دراسة تأثير العولمة في حركة التضخم. انتهت تلك الدراسات في مجملها إلى وجود تأثير أقوى مما كان يظن من قبل على التضخم، لعوامل لها طابع عالمي مثل أسعار الصرف والنفط والسلع المهمة الأخرى وركود اقتصادات كبيرة وتنافس أسواق العالم في الأسعار. طبعا ليست الدول سواء في تأثرها بهذه العوامل، لكنها أسهمت في تفسير الارتفاعات العالية في أسعار سلع كثيرة.
ماذا فيما يخص بلادنا العزيزة؟
استبشرنا أواخر عام 2005 بانضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات استمرت أكثر من عشر سنوات. مصدر الاستبشار أنها خطوة نظر إليها أنها تزيد المنافسة وتعمل على خفض الأسعار للمستهلكين. كانت هذه الصورة تميل إلى الصحة خلال السنوات الماضية، لكن يبدو أن شهرا أو بالأحرى فترة العسل قد انتهت، وربما اتخذت المسألة مسارا عكسيا مع شدة العولمة.
بداية انضمام المملكة قبل 15 عاما تقريبا، كانت معدلات التضخم عالميا منخفضة نسبيا، بل كانت أقل من حيث المتوسط من المعدلات المسجلة في دول الخليج.
ماذا يعني ذلك في الماضي؟ معظم التضخم لدينا في المملكة وبقية دول الخليج لم يكن مصدره عالميا. على عكس ما ظنه خطأ كثيرون، إن التضخم لدينا في معظمه انعكاس للتضخم الذي أصاب الاقتصاد العالمي.
ما سبق صار تاريخا. زاد تأثير العولمة في الأسعار في السنوات الأخيرة. وهذه الزيادة قد تكون إيجابية أو سلبية. وهذه نقطة مهمة. ذلك أن من ضمن ما ركزت عليه “الرؤية” بناء اقتصاد وطني يتمتع بقدرات تنافسية عالية. وتحقيق ذلك مهم في عملية تعميق تنويع مصادر الدخل. وفي هذا تستهدف “الرؤية” جذب استثمارات ومعرفة أجنبية في مجالات إنتاجية يراد رفع نسبة إسهامها في اقتصادنا الوطني. لكن هذا الهدف أمامه مشكلة عولمة قد تحد من تنافسية بعض الأنشطة والقطاعات اعتمادا على اعتبارات منها التكلفة والأسعار، مقارنة بالتكلفة والأسعار في دول أخرى. ويشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي The Global Competitiveness Report (GCR) by the World Economic Forum الصادر هذا العام إلى ارتفاع وقفز الترتيب التنافسي للاقتصاد السعودي في السنوات الأخيرة.
في خدمة تحسين تنافسية اقتصادنا الوطني، أنشئ في مطلع هذا العام المركز الوطني للتنافسية. وندعوه سبحانه أن يطرح فيه البركة والنفع العام.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق