البنوك

“الاحتياطي الفيدرالي” .. هل وقع ضحية تنمر سوق السندات؟

اعتاد “حراس” سوق السندات القدامى التنمر على الحكومات المبذرة. الآن يبدو أنهم انتقلوا إلى هدف أكبر: الاحتياطي الفيدرالي.
يراهن المتداولون على أن من المؤكد أن يخفض البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة عندما يجتمع هذا الشهر. أيا كانت الشكوك التي لا تزال قائمة، فقد تمت تنحيتها إلى حد كبير من قبل جاي باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، عندما ركز على انخفاض التضخم باستمرار في أكبر اقتصاد في العالم، وعلى تراجع توقعات النمو العالمي.
لكن توقعات التسهيل النقدي لا تزال تبدو غريبة عند مقارنتها بالبيانات الاقتصادية الأمريكية التي تكون في الغالب جيدة. يقول ريتشارد بارويل، رئيس قسم أبحاث الاقتصاد الكلي في “بي إن بي باريبا لإدارة الأصول”، إن المستثمرين دفعوا البنك المركزي لاتخاذ موقف دفاعي.
يضيف: “يبدو أن السوق دفعت الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير الاستراتيجية مرتين خلال ستة أشهر، الأولى حينما استسلم لدورة رفع أسعار الفائدة، والأخيرة تبنيه دورة التسهيل النقدي”. ويتابع: “يصبح من الصعب على نحو متزايد القول إن الاحتياطي الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة هذا الشهر (…) في غياب ضغط مستمر من السوق لاتخاذ إجراء الآن”.
السؤال الحاسم الذي يواجه الاحتياطي الفيدرالي والمستثمرين هو ما إذا كانت الأسواق على حق – وماذا يعني ذلك بالنسبة لعلاقة طويلة الأجل، غالبا ما تكون متوترة، بين البنك المركزي والمستثمرين.
الرسالة من السوق واضحة: تشير العقود المستقبلية لأسعار الفائدة إلى أن المتداولين يعتقدون أن الاحتياطي الفيدرالي يمكن أن يلغي بحلول عام 2020 جميع الزيادات الأربع في أسعار الفائدة التي فرضها العام الماضي. لكن يبدو أن المسؤولين أنفسهم غير متأكدين مما يجب عليهم فعله.
تشير أحدث التوقعات إلى أن سبعة من صناع السياسة يتوقعون خفض أسعار الفائدة 50 نقطة أساس بحلول نهاية العام. أشار باول إلى أن عديدا من الأعضاء العشرة المتبقين في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، يرون أن الحجة لذلك قد تم تعزيزها. يقول محللون إن الاحتياطي الفيدرالي محاصر وسيتعين عليه تخفيض أسعار الفائدة لتجنب نوبة اضطرابات بشعة في أسعار الأصول.
ميشيل ماير، كبيرة الاقتصاديين الأمريكيين في “بانك أوف أمريكا”، ترى أن “السوق تتصرف كما لو أن الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بالفعل. إذا لم يحقق الاحتياطي الفيدرالي ذلك، سيتم تشديد الأوضاع المالية، ما يثير رياحا معاكسة للاقتصاد”.
وتضيف: “هذا يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف صعب. من ناحية، لا يريدون أن يتعرضوا للتنمر من قبل الأسواق. لكن من ناحية أخرى، لدى الأسواق معلومات لا يمكن أن يتجاهلها الاحتياطي الفيدرالي”.
على الرغم من أن البيانات الاقتصادية الأمريكية ساءت خلال العام الماضي، إلا أنها لا تزال قوية وثابتة إلى حد معقول – وهو أمر أبرزه باول في تعليقاته الحمائمية على غير عادتها الأسبوع الماضي.
في الواقع، تشير نماذج “التنبؤ الآني” التي قدمها ذراعا الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ونيويورك إلى أن النمو ينتعش في الوقت الحالي، وأن الحرب التجارية توقفت بصورة مؤقتة على الأقل، بعد هدنة تم التوصل إليها في اجتماع مجموعة العشرين الأخير.
علاوة على ذلك، كانت بيانات التوظيف الأخيرة متوهجة، وتسارع معدل التضخم الأساسي الشهر الماضي، في الوقت الذي بدأت فيه بعض العوامل “الانتقالية” التي أبرزها باول، بالتراجع. قال بارويل: “السوق تتنمر عليهم والبيانات تتصيدهم الآن”.
بطبيعة الحال، البيانات الحالية لا تذكر شيئا كثيرا عن المستقبل، ومن المرجح أن تؤدي حالة اللبس المستمرة، الناجمة عن التوترات التجارية، إلى إعاقة النمو الاقتصادي العالمي في الأشهر المقبلة، بحسب ما يقول اقتصاديون. لكن حتى بعض مسؤولي البنوك المركزية السابقين يشككون في استعداد الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة.
فيتور كونستانسيو، نائب الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي الحمائمي، جادل في الأسبوع الماضي بأن السياسة النقدية “ينبغي تقريرها بناء على المتغيرات الاقتصادية ذات الصلة، وليس على أساس هيمنة الأسواق المالية لأنها تريد إطالة السوق الصاعدة الطويلة بشكل مصطنع”.
الحجة الكلاسيكية ضد أتباع الأسواق بصورة عمياء جاءت من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق، بن برنانكي، في عام 2004، حين جادل بأن الأسواق “تجمع كميات هائلة من المعلومات وبالتالي توفر أرضية خصبة لمسؤولي البنوك المركزية الذين يحاولون التعرف على الاقتصاد”، إلا أن محاولة متابعتها هي استراتيجية “تتحول بسرعة إلى قاعة مرايا”.
بمعنى آخر، إذا أخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي يحرك ببساطة أسعار الفائدة استجابة لأسعار السوق، ستتأثر هذه الأسعار بتوقعات اتباع الاحتياطي الفيدرالي للأسواق، ما يوجد حلقات مفرغة من ردود الفعل، الأمر الذي قد يؤدي إلى أخطاء فظيعة.
يان هاتزيوس، من “جولدمان ساكس”، يرى ثلاثة عيوب محتملة لهذا الأمر.
“أولاً، من المؤكد أن تأثير قاعة المرايا سيؤدي إلى تدهور محتوى معلومات عائدات السندات. ثانيا، الرغبة في تلبية توقعات السوق على نحو غير متماثل – لتجنب تقديم مفاجآت متشددة – يمكن أن تقوض الاستقرار المالي. ثالثا، يمكن أن تصبح سوق السندات قناة للضغط السياسي على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي”.
من ناحية أخرى، يجادل بعض المحللين بأن الاحتياطي الفيدرالي ليس فقط على حق في اتباع الأسواق، بل ينبغي أن يفعل ذلك أكثر من مرة.
قد يكون لدى البنك المركزي الأمريكي جيش من الاقتصاديين، ونماذج متطورة صقلتها أجيال من الموظفين، وإمكانية الوصول إلى البيانات التي لا تحلم بها معظم صناديق التحوط. إلا أن جيم بولسن، وهو استراتيجي في Leuthold Group، يجادل بأن القوة العقلية لدى الاحتياطي الفيدرالي تتضاءل أمام الحكمة الجماعية لملايين المستثمرين الذين يشكلون سوق السندات.
“لا أقول إن الأسواق لا ترتكب الأخطاء، لكنني أعتقد أنها ترتكب أخطاء أقل من لجنة مكونة من مسؤولي البنوك المركزية”.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق