تقنية المعلومات

موجة الأتمتة تضرب المصارف .. “دويتشه” لن يكون آخر الضحايا

إيقاف “دويتشه بانك” أعماله المتعلقة بتداول الأسهم، الذي أعلن عنه نهاية الأسبوع الماضي، ليس مجرد تراجع عن طموحاته العالمية لأن يكون مشابها لـ”جولدمان ساكس” في أوروبا، بل يمثل سقوط أكبر ضحية حتى الآن لثورة أتمتة تواصل هزت الأسواق المالية.
في الأعوام الأولى من هذا القرن، بدأت مصارف وول ستريت، مثل “دويتشه” و”جولدمان” و”جيه بي مورجان” في إنفاق مليارات الدولارات على التكنولوجيا الجديدة في محاولة لمواكبة مجموعة ناشئة من المتداولين ذوي التردد العالي، الذين بدأوا يهيمنون على أسواق الأسهم.
اتضح أن الخوارزميات يمكنها تحديد الفروقات البسيطة في الأسعار بشكل أسرع من البشر – ويمكنها التوقف بشكل أسرع كذلك لو أصبحت الظروف غادرة. نتيجة لذلك بدأت مكاتب تداول الأسهم في المصارف في التراجع. يمتلك المتداولون ذوو السرعة العالية، مثل “إكس تي إكس ماركتس” XTX Markets، التي تعتمد بشكل كلي تقريبا على الآلات، نحو 12 في المائة من سوق تداول الأسهم الأوروبية، ما يترك المصارف الكبرى مثل “دويتشه” تحاول الإمساك بحصة من الأسهم المتبقية.
منذ بداية العام حتى الآن، انخفضت أحجام تداول الأسهم في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي نحو 15 في المائة مقارنة بما كانت عليه عام 2018، إذ يتم دفع مزيد والمزيد من الأموال في صناديق تتبع المؤشرات ـ تهدف إلى مجرد الانسجام مع السوق بدلا من التغلب عليها. ربما كان هناك تراجع في أداء “دويتشه”، الذي كان متداولا إلكترونيا محترما للأسهم قبل خمس سنوات، لكن هناك مصارف أوروبية أخرى مثل “باركليز” و”إتش إس بي سي” تواجه المصير نفسه، فهي تكافح من أجل الحصول على حصة من العائدات المتضائلة.
في الوقت نفسه، قال “دويتشه” فيما يتعلق بالسندات، إنه سيخفض مخزوناته من الأصول الموجودة في ميزانيته العمومية، من أجل تقليل مقدار رأس المال الذي تستخدمه الشركة. يراهن المصرف الذي يتخذ من فرانكفورت مقرا له، على إمكانية الاحتفاظ بمركزه القوي نسبيا في الدخل الثابت، حتى بعد اتخاذه لهذه التدابير. وتعتبره “كوليشن” Coalition المختصة بمراقبة القطاع، من بين أفضل خمسة مصارف في العالم في هذا المجال.
لكن هذه سوق صعبة أيضا، متأثرة بتراجع أحجام التداول، إذ تمتص المصارف المركزية كميات هائلة من العرض ويتحول المستثمرون إلى استراتيجيات سلبية. وفقا لـ”كواليشن”، في العام الماضي انخفض إجمالي إيرادات أفضل 12 مصرفا من الدخل الثابت وتداول العملات والسلع إلى مستويات عام 2006.
في هذا المجال، من المشكوك فيه أن تتمكن المصارف من بلوغ النجاح عبر تقليص أعمالها. تميل المصارف من الدرجة الأولى في الدخل الثابت إلى الحصول على كميات كبيرة مما يسمى “بالتدفق” – مبادلات أسعار الفائدة ومبادلات العملات الأجنبية، مثلا – من الشركات متعددة الجنسيات. كلما زاد عدد الأسهم التي يتعين على المصرف تسليمها، زاد سعرها في السوق وقل ما يتعين على العميل دفعه.
تقول كلير كامينجز، وهي متداولة سابقة في المشتقات المالية تدير الآن شركة المحاماة “كامينجز فيشر”: “لن يحصل أي مستثمر على فرق جيد في الأسعار إذا لم يكن (المصرف) يتداول في أسواق نشطة ذات تدفق قوي”.
تشتد المنافسة بين المتداولين كذلك. شهدت المواقع التي تجمع المشترين والبائعين في السندات والمقايضات النقدية، مثلا – وأحيانا تتجاوز المصارف تماما – ارتفاعا كبيرا في الأعمال التجارية. “تريد ويب” Tradeweb، منصة أمريكية، حطمت متوسط تداولها الشهري القياسي أربع مرات هذا العام. ارتفع متوسط تداولات حزيران (يونيو) الذي بلغت قيمته 859 مليار دولار يوميا بنسبة 45 في المائة على أساس سنوي.
في تلك الأثناء، أصبح صناع القرار في السوق مثل “سيتادل سيكيوريتيز” Citadel Securities و”جمب تريدينج” Jump Trading لاعبين كبار في مبادلات أسعار الفائدة وسندات الخزانة الأمريكية، على التوالي.
وفي الديون وكذلك الأسهم، بدأت الروبوتات في السيطرة. تحت ضغط من قانون مثل “تعميم أسواق أوروبا بشأن الأدوات المالية” Mifid II لتكون أكثر شفافية وأن تخفض التكاليف، بدأت الآن أتمتة مزيد من عمليات التداول فيها لإخراج الأصول التي تتطلب رسوما رأسمالية كبيرة من ميزانياتها العمومية.
يقول ديفيد جورلي، الرئيس التنفيذي لـ “سيمفوني” Symphony، وهي منصة اتصالات: “نحن في السوق العالمية 2.0”. ويضيف: “ما حدث مع التداول عالي التردد في الأسهم سينتقل إلى بقية السوق، لكن بوتيرة أسرع مما رأيناه في الماضي”.
وبالفعل، توجد علامات تدل على أن المصارف تفقد هيمنتها على سوق السندات التي سيطرت عليها في الماضي من خلال الصفقات الثنائية التي كان يتم إبرامها عبر الهاتف. ووفقا لشركة الاستشارات “قرينويتش أسوشيتس” Greenwich Associates، استأثر التداول الإلكتروني بما نسبته 28 في المائة من إجمالي حجم التداول في سوق سندات الشركات الأمريكية في أيار (مايو) – مرتفعا من مقدار الخمس فقط خلال الربع الأول من العام الماضي.
هذه ليست سوقا للمنافسة الخاسرة. يلاحظ كيفن ماكبارتلاند، محلل في “قرينويتش”، أن مديري الأصول وصناديق المعاشات التقاعدية يرسلون نحو 60 في المائة من تلك الطلبات إلى أكبر خمسة مضاربين. ويذهب الباقي إلى المصارف الإقليمية، وصناع السوق ذوو السرعات العالية والمتداولون لحسابهم الخاص، وصناديق التحوط المتخصصة.
يتطلع المتداولون لحسابهم الخاص كذلك إلى جني الأرباح من تباينات الأسعار في سوق السندات بشكل غير مباشر، عن طريق استخدام الصناديق المتداولة في البورصة بدلا من التعامل مباشرة مع المصارف. يزيد ذلك من الضغط على المصارف لزيادة الطابع الإلكتروني على العمليات التي تحتاج إلى تدخل الناس بشكل مكثف. حتى “دويتشه” الذي يواجه الآن تخفيضات جذرية في بعض خطوط عمله الرئيسية، يخطط لإنفاق 13 مليار يورو على التكنولوجيا على مدى الأعوام الثلاث المقبلة.
لكن تجربة المصرف الألماني تؤكد مدى صعوبة ركوب هذه الموجة من الأتمتة. سيكون على المصارف الاستثمارية الأخرى غير الفعالة والفرعية مواجهة لحظة الحقيقة الخاصة بها.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق