متنوع

أعراض تشابه بين معاملات قياصرة التكنولوجيا المالية والقراصنة

منذ أكثر من أسبوع، نشر بنك التسويات الدولية فصلا خاصا في تقريره الاقتصادي السنوي، عن فرص ومخاطر شركات التكنولوجيا الكبيرة التي تنطلق إلى بحر هائج اسمه التمويل.
“ركزنا على التكاليف غير المتوقعة المرتبطة بالطرق الغريبة – وإن كانت فعّالة – التي يقترب فيها كثير من شركات التكنولوجيا من الاشتمال المالي. كما نشعر بالقلق أيضا حول كيف قد تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى تقسيم المجتمع بين الذين بإمكانهم تحمل إبقاء بياناتهم محمية، والذين لا يمكنهم” كما جاء في تقرير بنك التسويات الدولية.
بيد أن هناك قسما آخر يستحق الاهتمام أيضا.
“هذا يتعلق بالإجراء الذي اتخذته الصين خلال العام الماضي لكبح جماح إيجاد أموال نظام مصرفية الظل، من قِبل شركات التكنولوجيا المالية المحلية مثل Alipay وWeChat.
في الصين، يجب أن تحتفظ هذه الشركات بودائع زبائنها على أساس احتياطي كامل في البنك المركزي مباشرة.
لا ينبغي التقليل من أهمية هذا. لقد وضع هذا في الأصل سابقة مهمة، كما يمكن أن نرى من إعلان مارك كارني الأخير من أن بنك إنجلترا سينظر في فتح ميزانيته العمومية، أمام شركات التكنولوجيا المالية على أساس مماثل”.
كما يشير بنك التسويات الدولية إلى أنه “اعتبارا من كانون الثاني (يناير) من عام 2019، يجب أن تحتفظ شركات التكنولوجيا الكبيرة بما نسبته 100 في المائة من أرصدة الزبائن، في حساب احتياطي لدى بنك الشعب الصيني”.
بهذه الطريقة، يكون التعويم معزولا ومحميا كما هي الحال في بنك ضيق. ويهدف هذا إلى الحد بشكل صارم من المخاطر المحتملة من شركات التكنولوجيا الكبيرة التي تستثمر هذه الأموال في أصول، تدر الفائدة في النظام المصرفي أو تغامر في نظام مصرفية الظل عن طريق تقديم الائتمان للزبائن على منصاتها الائتمانية.
ثانيا، اعتبارا من حزيران (يونيو) من عام 2018، توجب على شركات التكنولوجيا الكبيرة تصفية المدفوعات في مقاصة مملوكة للدولة أنشئت حديثا باسم نتسيونيون كليرنج NetsUnion Clearing.
التصفية ممكنة أيضا عبر شبكة تشاينا يونيون بي China Union Pay، وهي مقاصة مملوكة للدولة لمدفوعات البطاقات المصرفية. تصفية المدفوعات عبر منصة عامة ومشتركة تعزز الشفافية من خلال استبدال العلاقات الثنائية المعقدة والغامضة بين منصات مدفوعات الأطراف الثالثة والمصارف.
التنظيم الجديد يصلح أيضا التباين في الميزة التنافسية بين منصات مدفوعات الأطراف الثالثة الكبيرة والصغيرة”.
عند النظر، يبدو التغيير كما يلي: مع ذلك، فكرة فتح ميزانية البنك المركزي العمومية أمام شركات التكنولوجيا المالية، في نظام سوق حرة تبقى مثيرة للجدل.
تاريخيا، كان الوصول إلى الميزانية العمومية للبنك المركزي دائما يعتمد “بعبارات فنية” على الامتثال لشروط البنك المركزي وأحكامه.
بهذا المعنى، البنك المركزي يشبه منصة خاصة تفرض – عبر آلية الترخيص – قواعدها وأنظمتها على المشاركين فيها من الأعضاء.
إذا كان بإمكان أولئك المشاركين تلبية تلك الشروط وتحملها “من حيث رأس المال والنفقات”، فيصبح بإمكانهم الوصول إلى الشبكة وجميع امتيازاتها “مثل الودائع المؤمّنة”. أما إذا لم يتمكنوا، فلن يفعلوا.
إذا وجد في أي وقت أنها تنتهك تلك الشروط والأحكام، فمن المفترض أن يتم إخراجها من الشبكة “أو على الأقل ينبغي ذلك”.
لهذا السبب فإن منح إمكانية الوصول إلى الشركات غير المصرفية – التي لم توافق على الشروط نفسها – هو أمر مثير للجدل. وينظر إليه أنه إيجاد ساحة لعب غير عادلة.
إذن كيف تُدفع بعض البنوك المركزية في هذا الاتجاه؟ كيف يتغير ميزان قوة البنوك المركزية؟
قد يكون السبب في ذلك هو أن ميزان القوة الذي كان يحكم الوصول إلى البنك المركزي خلال العقد الماضي تغير بشكل ملحوظ.
في الأيام الخوالي، كان بإمكان بنك مركزي مستقل تنفيذ قواعده بسهولة – وبالتالي سياسة نقدية على مستوى وطني – لأنه كان الشبكة المالية الوحيدة التي كانت مهمة فعلا في النظام.
لم يكن هناك شيء آخر يتمتع بنطاقه. من وجهة نظر أي منشئ أموال طموح، كان الأمر إما “أن تلتزم بضوابط البنك المركزي أو تذهب هائما على وجهك”. وكان من شبه المستحيل إنشاء نظام منافس بحجم مماثل.
على أن تقنيات الشبكات الحديثة غيرت هذا. بدأت الشبكات المنافسة في الظهور الآن، وإلى حد كبير مثل الشبكات الأصلية التي أنشأت النظام المصرفي الحديث – في هذا السياق لننظر كيف بدأت الشبكة المصرفية ميديسي Medici – تميل إلى الظهور من جانب إدارة الالتزامات “أي المدفوعات” وليس من جانب الأصول “القروض والاستثمارات”.
من أجل المنافسة، أول شيء يجب أن تفعله الشبكة المنافسة هو جعل الأشخاص يسلمون أموالهم.
بمجرد تحقيق هذا، فإن أي جزء إقراض واستثمار “المتعلق بالمخاطر” يكون مجرد فكرة لاحقة. ومن هنا تأتي أهمية المدفوعات: إنها بوابة لمراكمة ودائع الزبائن على شكل تعويم.
دائما ما كانت التنظيمات تركز على التحكم في الجزء الثاني أي الأصول، من تلك المعادلة في عالم المدفوعات، وليس الجزء الأول أي المدفوعات.
في الواقع، إذا كنت شركة تكنولوجيا مالية طموحة وتريد دخول لعبة المدفوعات، طالما يمكنك إقناع الأشخاص بتسليم أموالهم لك، فإن طريقة إدارتك لتلك المسؤوليات تعود إليك. إنها سوق تنافسية بالكامل.
الشيء الوحيد الذي يهتم به المنظمون فعلا من منظور المخاطر النظامية هو أن المصرف دائما ما يتحمل تعويم زبون الشركة المنافسة “لأنه لا يُسمح للشركات غير المصرفية بإقراض أرصدة على أساس موحد لأسباب مرتبطة بالمخاطر” وبدرجة أقل، تتم رسملة شركات التكنولوجيا المالية بشكل كاف لإدارة تعاملات الأطراف المقابلة “في جزء صغير من رأس المال المطلوب للمصرف التقليدي”.
تكنولوجيا الشبكات الحديثة تحدث الاضطراب في هذا التوازن، إلى جانب فكرة أن صناعة المدفوعات، ينبغي ويمكن أن تعامل كشيء منفصل عن القطاع المصرفي. تكمن المشكلة في جانب الأصول من المعادلة.

صعوبة التنافس مع مصارف ذات امتيازات

تفرض المصارف رسوما مقابل خدماتها، لكنها تتنافس أيضا في المدفوعات. لذلك، إذا كنت ملزما بموجب التنظيمات باستخدام مصرف ما، من أجل إدارة تعويمك في بيئة تحاول فيها أيضا التنافس معها على جانب المدفوعات، يجب أن يكون نظام مدفوعاتك “أي نظام إدارة الالتزامات” فعالا للغاية من حيث التكلفة ويتمتع بالكفاءة ليكون قادرا على المنافسة.
المنافسة على هذه الجبهة تصبح أكثر صعوبة عندما تفكر في أن بإمكان المصارف دعم خدمات مدفوعاتها فيما بينها، عبر الدخل الذي تجنيه من إقراض ودائع الزبائن على أساس موحد لأطراف ثالثة.
شركات التكنولوجيا المالية التي تركز على نقل الأموال لا تستطيع فعل هذا. ميزتها الحقيقية الوحيدة على المصارف هي التكلفة التنظيمية المنخفضة والعلامات التجارية الرائعة. أي قيمة مضافة على جانب تجربة المستخدم – إذا كان الأمر يستحق اقتصاديا – يمكن نسخها من قِبل المصارف في معظم الأحيان.
لهذا السبب دائما ما كان الإغراء موجودا لأن تقوم شركات التكنولوجيا المالية بالالتفاف على شرط تخزين أرصدة الزبائن في مؤسسات مرخصة، وتجربة إدارة التعويمات مباشرة.

إدارة التعويم

كما تُظهر كل من أزمات صناديق سوق المال وفشل عملة تيثر الرقمية، فإن إدارة التعويم الخالية من المخاطر ليست سهلة. على العكس من ذلك، يكون الأمر صعبا للغاية إذا كنت تعمل في بيئة ذات أسعار فائدة منخفضة، لأن العوائد على الأصول منخفضة المخاطر يجب أن تتجاوز تكاليف إدارة مثل هذه المحافظ. ولهذا السبب، وفي محاولة لتجنب ألا يعمل الدخل من الاستثمار على تغطية النفقات، فإن صناديق سوق المال وشركات التكنولوجيا المالية غالبا ما كانت تنحرف إلى أسفل منحنى المخاطر.
بالنسبة إلى صناديق سوق المال، كان ذلك يعني المغامرة في أصول أكثر غرابة مثل الأوراق التجارية.
بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا المالية التي لديها ميل للمراجحة التنظيمية، كان ذلك يعني إيجاد طرق لإنشاء دفاتر قروض تخصها، أو المشاركة في عمليات جزئية “مثل طباعة التزامات غير ممولة بالكامل”. يعني ذلك أن تنظيم صناديق سوق المال في الولايات المتحدة استجاب بطريقتين:
أولا، من خلال مطالبة صناديق سوق المال بخفض ملف المخاطر لأدوات سوق المال التي تستثمر فيها “قول هذا أسهل من فعله”.
وثانيا، من خلال منح صناديق سوق المال طريقة بديلة لتحقيق حماية قيمة منخفضة لتعادل المخاطر، ولا سيما من خلال تجميعها في الميزانية العمومية للبنك المركزي.

تعامل روما مع القراصنة

هناك تشبيه بارز يأتي على شكل مشكلة القراصنة في الجمهورية الرومانية، التي شهدت نهب إمدادات الحبوب المتجهة إلى روما بانتظام من قِبل سفن المنافسين، وتسببت في تضخم أسعار المواد الغذائية بشكل لا يطاق في المناطق الحضرية، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص العاديين.
على الرغم من براعة الآلة العسكرية الرومانية، إلا أنه كان من الصعب للغاية القضاء على تهديد القراصنة.
الحواجز المنخفضة أمام الدخول لتصبح قرصانا، إضافة إلى الطبيعة اللامركزية للحركة، كانت تعني أن القضاء على خلجان القراصنة المتعاقبة لم يكن كافيا: دائما ما كان هناك قراصنة جدد يظهرون.
وسرعان ما أدرك بومبي العظيم أن مشكلة القراصنة في روما القديمة لن تحل أبدا ما لم يتم منح القراصنة أيضا طريقة بديلة ونزيهة لكسب الرزق، من الناحية المثالية على مقربة من السلطات الرومانية.
وقرر أنه بدلا من معاقبة القراصنة، فسيكون من المنطقي أكثر إعادة توطينهم في حيازات الأراضي القابلة للزراعة، غالبا في متناول المناطق الحضرية الرومانية الرئيسة “وبالقرب من الجحافل الرومانية”.
بهذه الطريقة كانت لديهم حصة منتجة في النظام، ويمكن مراقبتهم بسهولة. بمجرد تنفيذ ذلك، أدت السياسة إلى خفض تكلفة المواد الغذائية في روما على الفور.
بعد عدة قرون، جاء قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بمنح صناديق سوق المال إمكانية الوصول إلى ميزانيته العمومية على أساس من الدرجة الثانية “أي من دون كل امتيازات مُقرض الملاذ الأخير الممنوحة للمصارف” كان صدى لمنطق مماثل.
وبهذه الطريقة، تم تقليل الإغراء أمام أنظمة مصرفية الظل المنافسة لاتخاذ كثير من المخاطر باسم حماية التعويم، مع خضوع جميع صناديق سوق المال للإشراف.
هل اجتذاب شركات التكنولوجيا المالية إلى الميزانية العمومية للبنك المركزي سيكون بالقدر نفسه من الفعالية؟
تكنولوجيات الشبكات الحديثة سمحت للمنافسين مثل بيتكوينوتيثر وحتى فينمو وإمبيساوبايبال “وأيضا في يوم ما ربما عملة ليبرا من فيسبوك” بإنشاء شبكات موازية كبيرة بما فيه الكفاية لتشكل تهديدا حقيقيا لهيمنة أنظمة البنوك المركزية.
ما لم -بالطبع – تُعرَض عليها صفقة لا يمكنها رفضها، مثل إمكانية الوصول إلى الميزانية العمومية للبنك المركزي.
من وجهة نظر تنظيمية، هذا يبدو منطقيا تماما. إذا لم تتمكن من التغلب عليهم، فلا تتجنبهم: دعهم ينضموا إليك وفقا لشروطك.
إذا كان ذلك يعني منحهم إمكانية الوصول إلى عضوية الدرجة الثانية في نظام البنك المركزي، وبعض الفوائد المالية السهلة بعده “على أمل أن يكون ذلك كافيا لثنيهم عن توسيع الوصول الاقتصادي لأنظمتهم المغلقة”، فليكن.
هذا لا يزال نتيجة أفضل “من وجهة نظر الاستقرار” من السماح لشركات التكنولوجيا المالية بتطوير أنظمة نقدية موازية وغير خاضعة للرقابة في أماكن أخرى.
ما ستنتهي به بدلا من ذلك هو شبكة مصرفية ضيقة متوازية حيث إن البنك المركزي يظل في مركز جميع العمليات. هدنة محتملة مع المعطلين تشبه إلى حد كبير تلك التي صممها بومبي مع القراصنة.
السؤال هو: هل يفعلون؟
لاحظ أنه إذا حكمنا من حركة العملات المشفرة، فإن الرغبة في تحدي سلطة البنوك المركزية في البحر الهائج للمخاطرة، خيار أيديولوجي لطريقة الحياة تماما، مثل كونه طريقة للاقتصاد في النفقات لموازنة الدخل والمصاريف.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق