متنوع

الإدارة بالأرقام ليست معقولة ولا منطقية

إذا لم تتمكن من قياسها، لن تتمكن من إدارتها” هذه النصيحة المألوفة عادة ما تنسب إلى مستشار الإدارة الأمريكي والمعلم، بيتر دراكر.
أصبحت الإدارة التي تعتمد على المقاييس معيارا للشركات، خاصة في الشركات العامة المتعددة الجنسيات الكبيرة التي تستخدم منذ سنوات تدابير خفض التكاليف لإزالة “الشحوم” عن قوائم أرباحها وخسائرها.
لكني لطالما تساءلت عما إذا كانت الإدارة بالأرقام – النهج الذي اشتهر في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة على يد فريدريك وينسلو تايلور، وهو مهندس ميكانيكي اعتاد الوقوف فوق رأس عمال المصانع ممسكا بيده ساعة توقيت للتأكد من أنهم يؤدون كل مهمة بأكبر قدر ممكن من الكفاءة – هي في نهاية المطاف تهتم بالأمور الصغيرة التي لا قيمة لها مع إغفال الأمور المهمة فعلا.
يبدو أن الأزمة الحالية لدى “بوينج” تشير إلى ذلك. “إيرباص في طريقها لتخطى شركة صناعة الطائرات الأمريكية وتصبح أكبر صانع للطائرات في العالم بعد إيقاف تشغيل الطائرة “بوينج 737 ماكس” عقب تعرضها لحادثتين منفصلتين.
كان هناك عديد من العوامل التي تسببت في حدوث الكارثة، لكن يبدو أن أحد أهم هذه العوامل هو اتخاذ “بوينج” مخاطر في سبيل زيادة الأرباح إلى أقصى حد. تعرضت شركة صناعة الطائرات لانتقادات لاستعانتها بمهندسين خارجيين تقاضوا تسعة دولارات فقط في الساعة، ولفرضها رسوما إضافية على بعض ميزات السلامة، وتعجلها في طرح الطائرة في السوق في وقت أبكر مما تقتضيه الحكمة، من أجل كسب صفقات ربما تذهب لـ”إيرباص”.
إذا كان الأمر كذلك، فهذه ليست المرة الأولى لـ”بوينج”. الشركة لديها تاريخ مليء بالمشكلات في طائراتها من طراز “دريم لاينر”. في عام 1997 أدى اندماجها مع “ماكدونل دوجلاس”، شركة ذات توجه مالي أكبر، إلى الضغط على “بوينج” لخفض التكاليف. نتج من ذلك سلسلة توريد معقدة للغاية بدت غير مكلفة على الورق، إلا أنها أدت إلى كثير من التأخير وتجاوز التكاليف.
على الأقل لم يتحول ذلك إلى كارثة طبيعية. الكارثة تجسدت في إرث شركة الطاقة “باسيفيك جاز آند إلكتريك” Pacific Gas & Electric في كاليفورنيا التي كانت، وفقا لما توصلت إليه تحقيقات “وول ستريت جورنال”، على دراية لعدة لسنوات بأن مئات الأميال من خطوط الكهرباء الخاصة بها تحتاج إلى تحديث حتى لا تسقط وتثير حرائق. وبحسب ما ورد، قررت الشركة عدم استثمار المال في إصلاح ذلك. الآن، بعد فشل خط نقل عمره قرن من الزمان، أدى إلى اندلاع حريق هائل نتج منه مقتل 88 شخصا، تواجه “باسيفيك جاز آند إلكتريك” مطالبات قانونية محتملة بأكثر من 30 مليار دولار، ما دفعها لطلب إشهار إفلاسها من أجل حماية نفسها.
هذه حالات حديثة فقط. عديد من المشكلات المستمرة لدى “جنرال إلكتريك” تنبع من عهد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق، جاك ويلش. في عهده ابتعدت الشركة عن أعمالها الأساسية واتجهت إلى الهندسة المالية.
أزمة مفتاح التشغيل لدى “جنرال موتورز” في عام 2013 – 2014، التي بدت أولا أنها نتيجة لقرار سيئ من مهندس واحد، اتضح أنها تعود أيضا إلى فترة خفض الميزانية الاستثنائية في العقد الأول من القرن العشرين. فعلى حد قول أحد المهندسين في تقرير وجه إلى مجلس إدارة “جنرال موتورز” حول الأزمة، الحد من التكاليف تخلل “نسيج الثقافة كلها”.
قطعا لم تكن “جنرال موتورز” شركة السيارات الوحيدة التي حدث لها ذلك. أتذكر اليوم الذي تخلصت فيه والدتي من سيارة “فورد بينتو” قبل عدة عقود، بعد أن تبين أن السيارة الرخيصة المتوسطة الحجم، ستشتعل فيها النيران عندما تصطدم بها سيارة من الخلف. علمت الشركة في وقت مبكر أن طراز “بينتو” توجد فيه مشكلات تتعلق بالسلامة، لكن تحليل التكلفة مقارنة بالفائدة وجد أن إصلاح المشكلة واستدعاء السيارات سيكون أكثر تكلفة من التكلفة المقدرة لتعويض العملاء عن أي إصابات ووفيات. لذلك قررت “فورد” إبقاء السيارة على الطريق.
أستطيع الاستمرار في سرد الأمثلة. في الواقع، شرحت في كتابي “ميكرز آند تيكرز” Makers and Takers صعود نهج الإدارة بالأرقام، وهو اتجاه زاد كثيرا منذ الثمانينيات وما بعدها، وذلك بفضل نظرية “قيمة المساهمين”. وهي تقول إن المديرين التنفيذيين يجب ألا يقلقوا بشأن أي شيء بقدر سعر سهم شركاتهم الذي هو، بالطبع، مدعوم دائما بنهج تخفيض التكاليف ذاته الذي قد ينتهي به المطاف أن يصبح مكلفا جدا على المدى الطويل.
يمكن للمرء أن يجادل بأننا في نقطة تحول. صعود الاستثمار المسؤول اجتماعيا، وزيادة التركيز على حوكمة الشركات، والمستهلكون الأصغر سنا الذين يهتمون بقيم الشركات التي تصنع المنتجات التي يشترونها، وصعود شركات عملاقة في الأسواق الناشئة لا تعاني ضغوط الرأسمالية الربعية، جميعها تعمل عكس اتجاه الإدارة بالأرقام.
مع ذلك، أخشى أن يؤدي عصر البيانات الكبيرة إلى تفاقم الوضع. هناك عديد من الأشياء التي يمكن قياسها هذه الأيام – عدد القراء الذين وصلوا إلى هذه النقطة في عمودي هذا، مثلا – ما يسهّل، الآن أكثر من أي وقت مضى، التركيز على مقياس الأرقام بدلا من مقياس القيمة “بهذا المقياس، هل يعد مقالي عملا صحافيا جيدا؟”.
بالطبع، هذان المقياسان لا يتعارضان دائما. لكن في عالم يستند إلى البيانات، يبدو أننا نبني حججنا وفقا للمقياس الأول، وإذا كانت أزمات الشركات الأخيرة مؤشرا، فهي بشكل عام تضر بالمقياس الثاني.
يغلب على ظني أن التركيز على ضبط النفقات لا مجال أمامه سوى الازدياد في الوقت الذي تتراجع فيه العوائد على حقوق الملكية وهوامش الأرباح، وهو أمر سيحدث بالتأكيد في العام أو العامين المقبلين. لكن حتى عند مواجهة مثل هذه الضغوط يجب على الرؤساء التنفيذيين الحكيمين وأعضاء مجالس الإدارات التفكير مليا قبل أن يتجهوا إلى الهندسة المالية لإنقاذهم. الإدارة بالأرقام هي، في نهاية المطاف، لعبة خادعة. التكاليف – الحقيقية، والمتعلقة بالسمعة والأخلاق – لا تستحق المخاطرة.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق