البنوك

حرب أسعار الفائدة تلوح في الأفق .. 26 بنكا مركزيا يخفضها والمزيد في الطريق

إلى أين تتجه أسعار الفائدة الدولية خاصة في الاقتصادات الناشئة مع خفض 26 بنكا مركزيا؟ يحمل السؤال أهمية خاصة في ظل التوقعات غير المتفائلة بشأن مسار الاقتصاد العالمي، وفي ظل تباين المواقف بين القيادات السياسية ومحافظي البنوك المركزية في عدد من دول العالم، بشأن المسار الذي يجب أن تسلكه أسعار الفائدة في الفترة المقبلة.
في الأسبوع الماضي صوتت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك الاحتياطي لجنوب إفريقيا بالإجماع على خفض أسعار الفائدة، ومن المتوقع أن تخفض تركيا أسعار الفائدة اليوم، على أن تكون روسيا التالية، ناهيك عن الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة، والتكهنات بأن تسير المملكة المتحدة في المسار ذاته بعد وصول بوريس جونسون زعيم حزب المحافظين الجديد إلى سدة رئاسة الوزراء، وإصراره على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ما يتوقع معه أن ينكمش الاقتصاد البريطاني، وستتطلب مواجهة ذلك في الأغلب خفضا لأسعار الفائدة لتحفيز الاقتراض ومن ثم دعم الاستهلاك المحلي أو زيادة الاستثمار الوطني.
وهنا رأى الدكتور نيك ديفيد أستاذ الاقتصادات الناشئة في جامعة بروملي، الاستشاري السابق في وزارة التجارة البريطانية، أن خطوة خفض أسعار الفائدة خطوة منطقية في ظل معدلات التضخم الراهنة، التي تنسجم مع المعدلات المرغوب فيها من قبل البنوك المركزية، في الوقت الذي يترافق فيه ذلك مع معدلات نمو اقتصادي ضعيفة.
وقال لـ”الاقتصادية” “خفض 26 بنكا مركزيا أسعار الفائدة منذ نهاية شهر مارس الماضي، وأغلب التوقعات أن يخفض الفيدرالي الأمريكي قريبا أسعار الفائدة بنحو 0.25 في المائة”.
لكن السؤال، لماذا تقدم البنوك المركزية على تلك الخطوة الآن، على الرغم من أن معدلات التضخم مسيطر عليها عالميا منذ بعض الوقت، ولا تزال عند مستويات منخفضة بصفة عامة، كما يمكن القول إن تراجع نمو الاقتصاد العالمي بات أمرا أكثر إدراكا خلال الفترة الأخيرة؟
ويعد الدكتور نيك ديفيد النمو الاقتصادي لدى عديد من الاقتصادات، خاصة الناشئة منها، أسوأ بكثير مما كان متوقعا، كما أن عديدا من محافظي البنوك المركزية، باتت لديهم قناعة بأن الاقتراب من دورة الركود الاقتصادي يمكن أن يكون قاب قوسين أو أدنى.
لكنه يشير أيضا إلى أن “بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الرائدة الأخرى تسود لديها قناعة بأنه تم الوصول إلى الذروة في أسعار الفائدة العالمية، وأنها على استعداد للاتجاه إلى أسفل لتفادي مزيد من التعقيدات الاقتصادية الدولية”.
بطبيعة الحال يمثل هذا الاتجاه الجديد تحولا مقارنة بالاتجاهات التي سادت في نهاية العام الماضي، عندما كان قطاع الأعمال في معظم أنحاء العالم يستعد للتعامل مع تبني البنوك المركزية سياسة نقدية أكثر تشددا بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة مثل إندونيسيا والهند وماليزيا والبرازيل والأرجنتين وحتى الصين تواجه ضغوطا مختلفة، وعلى الرغم من أن الأسس الاقتصادية لتلك الاقتصادات قوية، فإن الخوف مما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي، يدفع بنوكها المركزية إلى التحرك بخفض أسعار الفائدة، فالنمو الاقتصادي يتطلب استجابة الأسواق للمحفزات المالية التي ستتخذها البنوك المركزية، ولن يكون هناك أفضل من إيجاد رافعة مالية للأسواق والمستثمرين عبر خفض الفائدة.
مع هذا يحذر الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا “البنك المركزي البريطاني” مما يسميه حرب أسعار الفائدة، التي تعني من وجهة نظره تخفيضات ضخمة وسريعة في أسعار الفائدة في البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة.
وقال لـ”الاقتصادية”، “إذا كان الهدف الأساسي من خفض أسعار الفائدة يتمثل في دعم جهود المستثمرين عبر تشجيعهم على الاقتراض لتوسيع أنشطتهم الاقتصادية، فإن الخفض المتواصل للفائدة من قبل عدد كبير من الاقتصادات الناشئة، يمكن أن يبعث برسالة سلبية إلى قطاع الأعمال بأن الاقتصاد العالمي مقبل على ركود عنيف، ما يدفع إلى تفادي رجال الأعمال الاقتراض حتى بأسعار فائدة منخفضة، بينما سيتواصل الاقتراض الاستهلاكي ما قد يؤدي إلى تنامي ظواهر سلبية في الاقتصاديات الناشئة، مثل مزيد من الخلل في الميزان التجاري عبر تشجيع الواردات على حساب الصادرات، كما يمكن أن نشاهد انفجارا في معدلات التضخم نظرا إلى الزيادة الضخمة في الطلب في مواجهة العرض”.
إلا أن تلك الرؤية الاقتصادية تواجه بتحليلات أخرى معاكسة، وإن كانت تتضمن الدرجة ذاتها من المخاوف التي يمكن أن تصيب الاقتصادات الناشئة نتيجة “الإفراط” في خفض أسعار الفائدة.
من جانبها، أوضحت لـ”الاقتصادية” الدكتورة الين جورج أستاذة الاقتصادات الناشئة في جامعة شيفيلد “خفض أسعار الفائدة عالميا وبصورة أكبر في الاقتصادات الناشئة، يمكن أن يفتح شهية المستثمرين للمخاطرة عبر الاقتراض المبالغ فيه، وهذا يمكن أن يوجد فقاعات اقتصادية في قطاعات مثل العقارات، كما هي الحال في تركيا وبعض المدن الصينية، أو في قطاع الأسهم، وفي حال انفجار تلك الفقاعات وعجز المستثمرين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية للبنوك، فإن هذا الوضع يوجد أزمة مالية حادة تتجاوز النظام البنكي في الاقتصادات الناشئة”.
ويعرب بعض المختصين الاستثماريين عن مخاوفهم من أن تكون التغيرات المتعلقة بخفض أسعار الفائدة في الاقتصادات الناشئة – خاصة إذ ارتبطت برفع معدلات النمو الاقتصادي عبر تحفيز الآليات الاستثمارية أو زيادة الطلب المحلي – بديلا عن مواصلة عملية الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الكلي.
في هذا الاطار، ذكر بيت مورجان المختص الاستثماري “على الرغم من الإيجابية المرتبطة بزيادة معدلات السيولة المالية نتيجة سهولة الاقتراض، وانخفاض معدلات الفائدة في الاقتصادات الناشئة، إلا أن حصر الحلول دائما في البحث عن أدوات مالية بديلة للإصلاح الاقتصادي الكلي، والاعتماد على دعم الاقراض كوسيلة للتيسير الاقتصادي، سيقلص هامش المناورة على الأجل الطويل بالنسبة إلى الدولة وحتى قطاع الأعمال”.
وأضاف، “من الضروري للاقتصادات الناشئة البحث في جوهر الاضطرابات الاقتصادية التي تتعرض لها، بالطبع بعضها يتطلب تدابير ذات طبيعة مالية أو نقدية، لكن الأمر الجوهري في التصدي للضغوط الاقتصادية، يتطلب معالجات جذرية، كإصلاح ميزان المدفوعات والميزان التجاري، والقدرة على حشد الموارد المالية المحلية، وتطوير أسواق المال والبورصات المحلية لتعكس القيمة الحقيقية لأسهم الشركات العاملة في الاقتصاد المحلي، وهذا كله لا يمكن التعويل على إنجازه عبر إجراءات السياسة المالية فقط، إنما يتطلب التركيز أكثر على إصلاح هيكل الاقتصاد الوطني، لجذب الاستثمارات المحلية والدولية على أسس اقتصادية متينة ودائمة وليس على أسس مغرية وقتيا فحسب”.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق