أخبار العالم

الصين تطلق الرصاصة الأولى في حرب العملات وتحذيرات من «الكساد العظيم»

دخلت المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة نوعية جديدة، وسط تحذيرات في أوساط الاقتصاديين من تكرار سيناريو الفترة التي سبقت الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي.
وفتح البلدان جبهة متفجرة، وأكثر خطورة في رحى الصراع الدائر بينهما، الذي يزداد اتساعا يوما بعد آخر. فبين ليلة وضحاها تحول الصراع الأمريكي- الصيني من حرب تجارية تصيب الاقتصاد العالمي بكدمات مؤلمة، إلى حرب عملات يهدد اتساع مداها بكارثة اقتصادية عالمية يصعب أن يخرج منها أحد سالما.
يذكر أن صحيفة “الاقتصادية” أشارت في عدة تقارير نشرتها إلى مخاطر تحول التوترات التجارية إلى حرب عملات، إذ حذر عديد من المختصين من انفلات الأمور وخروجها من عقالها، فإن انخفاض اليوان الصيني أمس الأول إلى أدنى مستوى له في 11 عاما، يوضح أن تلك التحذيرات لم تجد آذانا صاغية.
فاليوان اخترق حاجز سبعة اليوانات للدولار، وهي خطوة عدّها كثير من المتعاملين في سوق العملات بداية كسر الحاجز النفسي في العلاقة بين اليوان الصيني والدولار الأمريكي، وكما كان متوقعا امتدت سريعا آثار الانخفاض إلى عملات أخرى أخذت أيضا في الهبوط.
الرواية الأمريكية تبنى على أساس أن الصين سمحت لقيمة عملتها الخاضعة لسيطرة محكمة بالانخفاض، خطوة تجد فيها الإدارة الأمريكية أنها اتُخذت لإلحاق الضرر بالمنتجين الأمريكيين، وجعل منتجاتهم أغلى سعرا للعملاء الصينيين وفي الأسواق الأخرى التي ينافسون فيها المنتجين الصينيين.
أما الرواية الصينية فتقف على النقيض من ذلك، وبالنسبة إليها فإن انخفاض اليوان جاء بناء على عوامل السوق أي العرض والطلب، وأن ما حدث قد حدث بعد أيام من إعلان الرئيس ترمب، أنه سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 10 في المائة على واردات صينية بقيمة 300 مليار دولار.
يعد الدكتور وليم هارولد رئيس قسم الاقتصاد السابق في جامعة لندن، والاستشاري في الأمم المتحدة، أن الصراع بين البلدين دخل مرحلة خطيرة، كما أن انخفاض اليوان الصيني يدفع واشنطن إلى ما يطلق عليه “الخيار القاتل” وهو وقف جميع الواردات من الصين.
ويؤكد لـ”الاقتصادية”، أن خيار وقف واشنطن الواردات الصينية قد يكون الحل النهائي، وقد يسبقه طلب الإدارة الأمريكية من منظمة التجارة العالمية اتخاذ إجراءات صارمة ضد الصين، أو حشد واشنطن لحلفائها الدوليين لتقييد التجارة مع الصين.
ويضيف “ترمب ينظر بصورة شخصية إلى خفض الصين قيمة اليوان كعمل من أعمال العدوان الاقتصادي، وسيدفعه ذلك إلى تبني إجراءات أكثر عدوانية تجاه الاقتصاد الصيني، وبالطبع لن تفوت السلطات الصينية الفرصة دون رد”.
تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والصين، يعد أخطر العواقب المحتملة لمعركة العملات، ومع تراجع أكبر اقتصادين في العالم فمن المتوقع أن يصاب الاقتصاد الدولي بالركود.
وتبدو الأصوات الآن متشائمة للغاية تجاه المستقبل، حيث إن تباطؤ نمو الصين وانخفاض عملتها يدفعها إلى إغراق الأسواق الدولية بالسلع، ما سينعكس سريعا على المنافسين خاصة الأوروبيين، الذين سينضمون بطبيعة الحال إلى واشنطن في تلك المعركة، ما يؤشر على بروز تحالف بين الدولار واليورو والاسترليني وحتى الفرنك السويسري، وبطبيعة الحال الين الياباني في مواجهة اليوان الصيني الذي سيكون عليه البحث عن حلفاء يرتكن إليهم في المواجهة.
تبدو الباحثة الاقتصادية كيث موريس أحد الأصوات المتشائمة تجاه المستقبل، في ظل ما تصفه بالطلقة الصينية الأولي في معركة حرب العملات.
وتقول لـ”الاقتصادية”، “إن ما يحدث الآن يعكس أصداء تاريخية مشابهة للخطوات التي سبقت الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، لقد أقام الجميع حينها حواجز جمركية، وتنافس الجميع لتخفيض العملة الوطنية على أمل زيادة الصادرات وخفض الواردات، والنتيجة كساد اقتصادي عظيم ما زال العالم يتذكره حتى الآن”.
في الواقع فإن بوادر الذعر العالمي من السير في اتجاه الكساد الكبير مجددا، نتيجة حرب العملات، يتضح من تراجع قيمة عدد من عملات الاقتصادات الناشئة، وسط بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة، فزاد الإقبال على شراء الذهب والدولار الأمريكي.
بينما ابتعدت الأسواق العالمية أكثر فأكثر عن الأصول وانخفضت أسواق الأسهم بنسبة 3 في المائة في يوم واحد، كما انخفض عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى 1.74 في المائة.
ويعتقد المختصون أن التحركات الإيجابية في أسواق الذهب ستتواصل الفترة المقبلة، محطمة بذلك مستويات قياسية لعدد من العملات مثل الجنيه الاسترليني والين الياباني والدولار الأسترالي والكندي، فالمعدن الأصفر يشهد ارتفاعا يوميا يبلغ في المتوسط 3 في المائة.
مع هذا، ما زال بعض المختصين يراهنون على عدم انزلاق بكين وواشنطن إلى حرب عملات مفتوحة بشكل مباشر وفج.
يعتقد الدكتور تي .إس .كوارد نائب رئيس اللجنة المالية في بنك إنجلترا سابقا، أن الصين لن تمضي قدما في تلك الحرب إذ إن خسائرها لن يمكنها تحملها.
ويقول لـ”الاقتصادية”، “إن بكين لديها حافز لمنع أي تخفيض إضافي في قيمة العملة، لمنع هرب رؤوس الأموال، حيث إن هرب رؤوس الأموال بين عام 2015 – 2016 دفع البنك المركزي الصيني إلى إنفاق نحو تريليون دولار من احتياطات النقد الأجنبي البالغة أربعة تريليونات دولار، والانخفاض الشديد في قيمة العملة سيؤدي إلى نشوب أزمة ديون، فالمقترضون الصينيون يكافحون لسداد ديونهم من العملات الأجنبية، التي زادت قيمتها نتيجة انخفاض اليوان”.
وأوضح أن الشركات غير المالية الصينية مدينة بنحو 800 مليار دولار أي 6 في المائة من الناتج المجلي الإجمالي، وديون البنوك الصينية 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومطورو العقارات أصدروا سندات بعشرات المليارات من الدولارات لاستغلال أسعار الفائدة الأمريكية المنخفضة، ومنذ العام الماضي يلاحظ تزايد في عمليات التخلف عن سداد الديون في الصين، وإذا اتسعت تلك الموجة نتيجة الإجهاد الاقتصادي فإن الصين ستعاني عمليا أول ركود اقتصادي منذ عصر الزعيم ماو.
لكن وجهة نظر الدكتور تي.إس. كوارد لا تبدو وجهة النظر السائدة بين السواد الأعظم من المختصين حاليا.
وربما يعود ذلك إلى أن الصين ربما تدفع دفعا لمواصلة حرب العملات، حتى إن لم يكن السبب الولايات المتحدة الأمريكية.
فعديد من الاقتصادات الآسيوية الأخرى تتعامل مع تداعيات حرب العملات. فعملة كوريا الجنوبية الوون انخفضت بنسبة 1.4 في المائة مقابل الدولار، والعملة الكورية تعد جزءا مما يعرف بـ”كتلة اليوان” وهي مجموعة العملات التي ترتبط باليوان وتتأثر به، وأغلب تلك البلدان تربطها بالصين علاقات اقتصادية قوية وواسعة النطاق.
لكن كوريا الجنوبية لا تزال أيضا جزءا من الكتلة الدولارية، فديون الشركات غير المالية بلغت 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و86 في المائة من إجمالي ديون الشركات الكورية مقومة للخارج، وتبلغ ديون الشركات المالية الكورية 305 مليارات دولار أي 19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتقلبات أسعار الصرف سترهق الاقتصاد الكوري بشدة.
اليابان لديها مشكلة لكن من نوع آخر، فتراجع العملة الصينية يعني في المقابل ارتفاع قيمة الين الياباني، ومن ثم تراجع الاستثمارات القادمة لليابان، وعلى الرغم من أن اليابان أكبر دائن في العالم، حيث امتلكت العام الماضي أصولا أجنبية صافية بلغت 3.2 تريليون دولار، ما يعني أن زيادة قوة الين نتيجة تراجع اليوان الصيني، سيؤدي إلى تراجع عائدات اليابان من الاستثمارات الخارجية، ما يضعف عائدات الشركات والأسر ويؤثر في الاقتصاد الياباني.
ولهذا يخشى الاقتصاديون من أن تؤدي العملة الضعيفة إلى زيادة الصادرات، ورفع تكلفة الواردات، ما يعني زيادة معدلات التضخم الداخلي والإضرار بالإنفاق، وسيجبر ذلك في الغالب البنوك المركزية على زيادة أسعار الفائدة للحد من التضخم، الأمر الذي يقلص الاستثمار وضرب النمو الاقتصادي، والخطر كل الخطر أن يتفشى هذا النمط على مستوى العالم إذا قررت بلدان أخرى الانتقام.
ومن ثم يمكن أن تدفع الصين إلى مواصلة المعركة التي انطلقت، ليس بالضرورة لأن واشنطن تطلق عليها النيران، إنما لأنها تتلقى صفعات اقتصادية من جيرانها في شرق وجنوب شرق آسيا.
بالطبع هناك كثير من المختصين ومن بينهم مختصون اقتصاديون داخل الولايات المتحدة، يحملون الرئيس الأمريكي مسؤولية ما حدث وما سيحدث في المقبل من الأيام.
فالتشنج التجاري في مواجهة الصين لا بد من الحد منه، ففي الصراعات التجارية يمكن التلاعب في الأسواق حسب الرغبة من خلال زيادة التعريفة الجمركية أو خفضها.
لكن في مجال العملات الأمر مختلف فالطبيعة الداخلية للعملات، تجعل تجاوز السقف المحدد للصراع أمرا ممكنا دائما، ما يوجد خسائر مالية غير متوقعة.
ويشير هؤلاء المختصون إلى أن مستشاري الرئيس الأمريكي يعتقدون أن اقتصاد الولايات المتحدة محصن في مواجهة الصين، إلا أن والتر هازلت المحلل المالي في بورصة لندن يرى العكس.
ويقول لـ”الاقتصادية”، “إن الأسواق تقول العكس، فمؤشر داو جونز الصناعي الآن أقل مما كان عليه في كانون الثاني (يناير) 2018 عندما بدأ الشجار التجاري مع الصين”.
ويضيف “على الرغم من تحقيق الشركات الأمريكية أرباحا قوية ومرتفعة خلال العامين الماضيين، فإن عدم اليقين تجاه الرسوم الجمركية أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي من 3 في المائة إلى 2 في المائة، كما أن الاستثمار في الأعمال التجارية يتراجع وكذلك التصنيع”.
ويؤكد أنه مع تحول الصراع التجاري إلى حرب عملات، يحتمل أن تتآكل منجزات الرئيس الأمريكي الاقتصادية وتحديدا الإصلاح الضريبي والتخلص من عديد من القيود البيروقراطية، ما يعني أن المواجهة الاقتصادية مع الصين قد تنتهي بخسارة الجميع.
حتى الآن أطلقت الصين الطلقة الأولى في معركة حرب العملات، وهو ما يعني أن المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة ازدادت تعقيدا، وأن إبرام صفقة بين الطرفين بات أكثر صعوبة.
ووسط تلك التفاعلات تتجه الأنظار الآن إلى البيت الأبيض، فإذا ما أقدمت واشنطن على إضعاف الدولار بعيدا عن قوى السوق، وعبر آليات إدارية صادرة من الاحتياطي الفيدرالي، مثل بيع الدولار لخفض قيمته، يعني أن إدارة ترمب تخلت رسميا عن سياسة الدولار القوي، التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة بيل كلينتون، فإن ذلك يعني عمليا تدشين حرب عملات دولية ستترك بصمات غائرة في وجه الاقتصاد العالمي.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق