متنوع

التجارة الحرة عند مفترق طرق.. كيف يمكن إنقاذها قبل أن يتغير شكل العالم؟

نهارت المحادثات التجارية بين واشنطن وبكين مرارًا وتكرارًا على مدار الأشهر الماضية، وفي أوائل أغسطس الجاري تحرك الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لفرض المزيد من التعريفات لتشمل الرسوم الجمركية جميع واردات بلاده من الصين، قبل أن تهدأ الأمور قليلًا ويقبل الطرفان بالعودة إلى طاولة الحوار، بحسب “بزنس ويك“.

رغم تأجيل واشنطن للتصعيد، لكن بعض الأمور المتزامنة كانت تستحق التأمل، مثل سماح بكين بهبوط اليوان لتشجيع الصادرات، متجاهلة المخاوف من توسع الصراع ليشمل حربا جديدة على صعيد العملات، وهو ما ردت عليه وزارة الخزانة الأمريكية باعتبار الصين رسميًا متلاعبة بالعملة.

أمريكا والصين قوضتا التجارة

– كانت التجارة على الدوام أحد مصادر الدعم الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، وبشكل عام كانت جيدة للبلاد والعالم أجمع، لكنها أصبحت الآن مصدر إزعاج وعقاب كبيرين للطبقة الوسطى، ويعتقد البعض أن عديمي الضمير والنخب العالمية يستغلون الثغرات بها لسلب العاملين حقوقهم.

– بدلًا من السعي والتعاون المشترك لتعزيز النمو الاقتصادي والاستثمارات، أصبحت التجارة أحد أوجه المعاناة للجميع تحت شعار “إما نحن أو هم” لتوفير الوظائف وتبني التقنيات الحديثة وإقامة المصانع.

– الصين ليست أفضل حالًا، ويرغب الصينيون في تصوير أنفسهم كأبطال جدد للعولمة، لكن هذا يعد منطقيًا كونهم الطرف الأكثر استفادة من التكامل الاقتصادي العالمي، بيد أن وعودهم المستمرة “بالانفتاح” أصبحت أشبه بالمسرحية الهزلية.

– لا تزال الصين أحد أكثر الاقتصادات الرئيسية حمائية، فلديها أسواق مغلقة وتقيد تدفقات رأس المال وتدعم بعض القطاعات المفضلة للحكومة، والحقيقة أن قيادة البلاد عملت أكثر من أي طرف آخر على تقويض الثقة في نظام التجارة الحرة.

– في ظل القومية الاقتصادية المتزايدة للصين، وصراع التعريفات الآخذ في الاتساع، ستستمر معاناة التجارة، إذ تتوقع منظمة التجارة العالمية نموًا نسبته 2.6% فقط هذا العام انخفاضًا من 3% خلال العام الماضي.

بم يشهد التاريخ للتجارة؟

– للتجارة أهمية كبيرة بالنسبة لدخل المواطنين ولها تأثير في حياتهم اليومية ومستقبلهم، ولا يزال التبادل التجاري العالمي يشكل أماكن العمل وما يشتريه الناس وما يدفعونه، وكل ذلك يبدو منسيًا وسط هذا القدر الهائل من الغضب المتبادل.

– ساعدت التجارة في انتشال أعداد غير مسبوقة من براثن الفقر خلال النصف قرن الماضي، وساهمت في ما يعتقد أنه أكبر زيادة للثروة في تاريخ البشرية، وكانت التجارة جزءًا من مهمة أكبر لتوحيد الدول مختلفة الآيديولوجيات ومتضاربة المصالح الاستراتيجية تحت هدف واحد هو الرخاء العالمي.

– يعتقد الناس في أماكن كثيرة أنهم ضحايا للعولمة، بسبب ما يشعرون به من تفاوت كبير بين الأغنياء والفقراء (خاصة في الولايات المتحدة) لكن رغم أن التجارة لعبت دورًا في صنع هذه المشكلة، فقد كانت مجرد سبب واحد وبسيط.

– بالطبع التجارة وحدها ليست علاجًا سحريًا للنزاعات، ويشير المؤرخون إلى أن التكامل الاقتصادي في أوروبا لم يمنع اندلاع الحرب العالمية الأولى، لكن أيضًا كانت الحمائية والقومية الاقتصادية في الثلاثينيات محفزًا للكساد العظيم وصعود الفاشية واشتعال الحرب العالمية الثانية.

– في المقابل، كان أحد الأسباب التي جعلت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين سليمة ومستقرة حتى وقت قريب، هو درجة التعاون الاقتصادي العالية بينهما، لذا فإنها تنفع أكثر مما قد تضر، وبعيدًا عن أهواء الساسة فهناك 4 طرق رئيسية لإنقاذ التجارة الحرة من الضياع.

البحث عن قائد تجاري جديد

– ما لم يعترف به الكثيرون في واشنطن هو أن التجارة الحرة لا تحظى بشعبية قوية خارج الولايات المتحدة، التي تقول إن المشاركين في اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ وضعوا اللمسات الأخيرة عليه بعد قرار “ترامب” بالانسحاب فور توليه رئاسة البلاد.

– في الحقيقة، لم تكن بلد مثل اليابان (والتي قاومت طويلًا مقترحات فتح أسواقها المحلية) مفيدة فقط في الحفاظ على الاتفاق حيًا، ولكنها صاغت اتفاقها الخاص للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، والذي دخل حيز التنفيذ في فبراير الماضي

– بعد بضعة أشهر، أطلق القادة الأفارقة اتفاقية تجارة حرة على مستوى القارة، تهدف إلى إنشاء سوق مشترك يضم 1.2 مليار مستهلك، والقصد أن “ترامب” وبعض السياسيين الأمريكيين يبدو كما لو أنهم لا يواكبون الموضة العالمية.

– هذا له عواقب خطيرة على مستقبل الولايات المتحدة، فمثلًا فقد المزارعون الأمريكيون جزءًا من السوق الياباني أمام المنافسين في البلدان الموقعة على اتفاق الشراكة عبر الهادئ، وبدلًا من أن تحدد واشنطن وبكين قواعد التجارة العالمية قد يتم تهميشهما.

– يتعين على الحكومات الداعمة للتجارة الحرة التدخل، والأخذ بزمام المبادرة بتوقيع المزيد من الاتفاقيات ومواصلة الضغط على مراكز القوى في واشنطن وأماكن أخرى للانضمام إلى منظومة التجارة أو المخاطرة بالخروج من الأسواق المهمة.

التجارة تعزز سوق العمل

– الأمر الثاني الذي تحتاجه التجارة الحرة هو تغيير النقاش والحديث عنها، للتركيز على كيفية مساعدتها للعمال، إذ يتم تصويرها دائمًا من قبل خصومها على أنها مدمرة لفرص العمل، وليس أنها “سبب” رئيسي للوظائف.

– علاوة على ذلك، فإن الوظائف التي تضيفها التجارة تكون أفضل، لأنها تسمح للبلدان بالتخصص في الصناعات التي تتمتع فيها بميزة نسبياً، وتجعل العمال أكثر إنتاجية وبالتالي يحصلون على أجور أعلى.

– كشفت دراسة حول آثار اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية أجراها معهد “بيترسون الدولي” للاقتصاد، أن الوظائف التي أضافتها الولايات المتحدة بفضل زيادة الصادرات إلى المكسيك كانت أكثر من تلك التي فقدت بنسبة 7% إلى 15%.

– ثالثًا، من المهم للغاية تعزيز قدرات ونفوذ منظمة التجارة العالمية، فأحد أسباب إشعال واشنطن للحرب التجارية مع بكين، هو شعورها بأن المنظمة لا تقوم بالدور المنوط بها، ولعل ذلك ما دفع مجموعة العشرين للتأكيد على التزامها بإصلاح المنظمة.

– الأمر الأخير والذي يبدو صعبًا بعض الشيء، سيكون على العالم التكاتف من أجل سد فجوة الدخل، فأغلب من يعارضون التجارة الحرة، يفعلون ذلك لأنهم يعتقدونها أمرا سيئا لرفاهية الأسر، وأن المستفيد منها هم أرباب العمل والمديرون التنفيذيون، في حين يحصل العمال على الفتات.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق