متنوع

“النجاح يولد النجاح” … تأثير المعرفة التراكمية على أداء المستثمرين

في أبريل من عام 2013 أصدرت شركة النشر الأمريكية “ليتل براون” رواية في أدب الجريمة تسمى “ذا كوكو كولنج” لمؤلف غامض يدعى “روبرت جالبرايث”. قالت الشركة الناشرة حينها إن المؤلف كان يعمل محققا سرياً في الشرطة العسكرية الملكية البريطانية، قبل أن يغادرها في عام 2003 للعمل في شركات الأمن المدنية.

في الأشهر الثلاثة التالية لإصدارها لم يُبَع من هذه الرواية سوى 1500 نسخة. لكن هذه المبيعات الهزيلة لا تثير الدهشة أو الاستغراب، حيث إن أكثر من 90% من الكتب المنشورة في جميع أنحاء العالم يباع منها بالكاد بضع مئات من النسخ.

لكن بعد مرور شهر آخر، وتحديداً في يوليو 2013 ارتفعت مبيعات الرواية بنحو 4000%. وترجع هذه القفزة المذهلة إلى اكتشاف صحيفة “صنداي تايمز” أن “روبرت جالبريث” ما هو إلا اسم مستعار تستخدمه “جيه كيه رولينج” مؤلفة سلسلة روايات “هاري بوتر” الشهيرة.

“جيه كيه رولينج” لم تكن هي أول من جرب حركة الأسماء المستعارة هذه. حيث فعلها قبلها الكاتب الأمريكي الشهير “ستيفن كينج” حين نشر مجموعة من الروايات القصيرة تحت الاسم المستعار “ريتشارد باخمان” من أجل اكتشاف ما إذا كان يمكنه تكرار نجاحه مرة أخرى. ولسوء حظه أكدت التجربة مخاوفه من أن شعبيته لم تكن نتيجة موهبته فقط.

“تأثير متى”

الشاهد مما سبق هو أن الأثرياء والمشاهير بإمكانهم دائماً جذب المزيد من المال والشهرة بسهولة أكثر من غيرهم. بعبارة أخرى من السهل على الثري أن يصبح أكثر ثراءً وعلى المشهور أن يصبح أكثر شهرة. وهذا ما يسميه علماء الاجتماع “تأثير متى”.

“تأثير متى” يعبر عن ظاهرة مفادها أن الأفضليات ذات طبيعة تراكمية في أغلب الحالات، وأن النجاح يولد النجاح، ومن هم أغنياء يصبحون أكثر غنى في المستقبل، ومن هم فقراء يصبحون أكثر فقراً في المستقبل. هذا المصطلح صاغه عالم الاجتماع الأمريكي “روبرت ميرتون” في عام 1968.

يشير “ميرتون” إلى أن نجاح الفرد في وقت مبكر يمنحه بعض المزايا الهيكلية التي تجعل النجاحات اللاحقة مرجحة أكثر بغض النظر عن القدرة الذاتية للشخص. ولذلك نلاحظ أن أولئك الذين ينجحون في بداية حياتهم عادة ما يكونون أصحاب الفرصة الأكبر في الحصول على أفضل الفرص التي قد تقودهم للمزيد من النجاح.

الأغنياء هم من يحصلون على أكبر إعفاءات ضريبية، وأنبغ الطلاب هم من يحصلون على أفضل تعليم وأكبر قدر من الرعاية والاهتمام. بعبارة أخرى، النجاح هو نتيجة ما يسميه علماء الاجتماع الميزة التراكمية.

تراكم المعرفة

تخيل أنك تجلس إلى جانب “تشارلي مونجر” نائب رئيس شركة “بيركشاير هاثاواي” وتقرآن نفس الإصدار من مجلة “الإيكونوميست”. برأيك أيكما سينتهي من القراءة وفي ذهنه أكبر عدد من الأفكار؟ مع كل الاحترام لك، أنت ما لم تكن “وارن بافيت” نفسه، فلا يوجد من يمكنه مضاهاة “مونجر”.

“مونجر” يبلغ من العمر حالياً حوالي 95 عاماً، وقضى أغلب ذلك العمر في القراءة وممارسة الاستثمار وجمع المعرفة من هنا وهناك. “تأثير متى” في هذا السياق يعني أن شخصاً كهذا لديه من الخبرة والمعرفة ما يسمح له باكتساب الخبرة والمعرفة بمعدل أسرع من غيره.

لذلك، كم الأفكار المفيدة التي يستطيع “مونجر” استخلاصها من قراءته للـ”إيكونوميست” سيكون أكبر بكثير مقارنة مع أي شخص آخر. وسيصبح “مونجر” مرة أخرى أكثر ذكاءً.

وبالمناسبة يوضح لنا “تأثير متى” كيف أن الأطفال الذين تعلموا في صغرهم حفظ وقراءة القرآن مثلاً عادة ما يكونون أكثر قدرة من غيرهم على استذكار دروسهم. وهو ما أكده أستاذ علم النفس التطبيقي “كيث ستانوفيتش” حين قال “إن النجاح المبكر في اكتساب مهارات القراءة يؤدي إلى المزيد من النجاحات في القراءة فيما بعد كلما تقدم المتعلم في العمر”.

في مجال الاستثمار

ربما أكثر ما يميز مجال الاستثمار هو أن المعرفة التي نكتسبها فيه كمستثمرين تراكمية بطبيعتها. فعندما نقوم مثلاً بدراسة أساسيات شركة معينة أثارت اهتمامنا فإننا نكتسب معرفة حول الشركة ونقاط قوتها وضعفها وحول الصناعة التي تعمل بها، حتى لو قررنا في النهاية عدم الاستثمار فيها أصلاً.

الفكرة ببساطة هي أنه بمجرد أن يتراكم لدينا قدر معين من المعرفة فإن أي إضافة لتلك القاعدة تزيد من قيمتها بشكل كبير.

في كتابه الصادر في عام 2007 يحكي المستثمر ورجل الأعمال الهندي الأمريكي “موهنيش بابراي” كيف أن معرفته بصناعة شحن النفط -التي اكتسبها أثناء دراسة أسهم لم يستثمر فيها في النهاية- ساعدته على إيجاد صفقة أخرى مربحة.

يقول “بابراي”: “لم أكن أعرف أي شيء عن صناعة شحن النفط، لكنني كنت مهتماً بمعرفة المزيد عن شركة تسمى “نايتسبريدج” كانت تحقق أرباحاً فلكية في ذلك الوقت. ولكن بعد البحث والتدقيق قررت عدم الاستثمار فيها بعد أن اكتشفت أن هذه الأرباح غير مستدامة.”

يتابع ” بابراي” قائلاً: لم أستثمر في تلك الشركة ولكنني أصبحت أفهم أكثر في تلك الصناعة، وهي المعرفة التي مكنتني في عام 2001 من اقتناص فرصة استثمارية في شركة تعمل في نفس المجال تسمى “فرنت لاين”.

حقق “بابراي” مكاسب إجمالية بلغت 55% على استثماره بتلك الشركة.

لذلك لا تنزعج إذا قضيت أسابيع وأشهراً في دراسة شركات قبل أن تقرر رفضها في النهاية لعدم عثورك على مبتغاك، لأنك بشكل ما اكتسبت معرفة تتراكم مع مرور الوقت، ستمكنك في النهاية من التعرف على أفضل الفرص على نحو أسرع من الجميع. وعندما يحدث ذلك تذكر “تأثير متى”.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق