البنوك

البنوك المركزية فقدت كثيرا من نفوذها

في الوقت الذي يجتمع فيه كبار مصرفيي البنوك المركزية هذا الأسبوع في جاكسون هول، وايومنج، تنتظر الأسواق المالية ووسائل الإعلام بقلق مؤشرات تتعلق باتجاه السياسة في المستقبل. موضوع هذا العام هو “تحديات السياسة النقدية”، ووسط تباطؤ النمو العالمي يكون الحديث عن تخفيضات أسعار الفائدة وتوجيه مستقبلي أوضح.
في أيلول (سبتمبر) ربما يلتزم البنك المركزي الأوروبي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون الصفر بعد عام 2020. بعض الاقتصاديين يعتقدون أن لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا يجب أن تقدم توقعات واضحة بشأن أسعار الفائدة، انعكاسا لممارسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. كثيرون يأملون في أن يكون خفض أسعار الفائدة الأخير من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بنسبة 0.25 في المائة هو الأول من بين كثير من التخفيضات. هاروهيكو كورودا، محافظ بنك اليابان، يواجه دعوات لاتخاذ إجراءات لمواجهة التضخم المنخفض العنيد. مزيد من التسهيل الكمي ممكن.
بالنظر إلى حالة عدم اليقين، فإن الكلمات المحددة التي يتم التحدث بها في جاكسون هول هذا العام ستكون ممحصة بعناية فائقة. لكن، في الواقع، ما يمكن للمصارف المركزية أن تفعله بمفردها لم يعد مهما للغاية.
كان من الواضح منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أنه عندما تكون أسعار الفائدة قصيرة وطويلة الأجل منخفضة للغاية بالفعل، فإن إجراء مزيد من التخفيضات لا يحدث فرقا كبيرا في النشاط الاقتصادي الحقيقي. إذا خفض بنك إنجلترا المركزي الآن أسعار فائدته من 0.75 في المائة إلى 0.5 في المائة، فسيكون التأثير في الاستهلاك بسيطا. ولأن الشركات الألمانية الكبرى يمكنها بالفعل اقتراض أموال أجلها عشر سنوات بأسعار فائدة أقل من 0.5 في المائة، واستخدام التسهيل الكمي لتخفيض ذلك إلى ـ مثلا ـ 0.4 في المائة، فإن الأمر بالكاد سيشكل أي فارق في خططها الاستثمارية. بدلا من ذلك، ربما تؤدي المبالغة في دفع سياسة أسعار الفائدة نحو منطقة سلبية إلى الحد من النمو، من خلال الحد من ربحية المصارف وعمليات الإقراض.
محاولات البنوك المركزية لإدارة التوقعات هي كذلك غير فعالة. عندما تظهر عائدات السندات الألمانية أن المستثمرين يتوقعون أسعار فائدة سلبية للبنك المركزي الأوروبي لمدة عقد، فإن الوعد بأنهم لن يرفعوا حتى عام 2021 لا يمكن أن يحدث أكثر من تأثير بسيط.
على الرغم من كل هذا، لا تزال هناك سلسلة من التعليقات الاقتصادية مكرسة للتنبؤ بتحولات طفيفة في سياسة البنوك المركزية، ولا يزال محافظو البنوك المركزية قلقون بشأن فعالية اتصالاتهم. ثمة عاملان يفسران هذا الفصل بين الأهمية الاقتصادية وتركيز النقاش الاقتصادي.
العامل الأول هو أنه على الرغم من أن التغييرات الطفيفة في سعر الفائدة ليست مهمة بالنسبة إلى المستهلكين والشركات إلا بقدر قليل، يظل توقعها بشكل صحيح أمرا مهما بالنسبة إلى كثير من مديري الأصول وصناديق التحوط الكبيرة والمصارف الاستثمارية وعملائهم المستثمرين. لذلك مراقبة البنك المركزي هي شغل كثير من الاقتصاديين المحترفين. إعلانات البنك المركزي، مع قدرتها على تحريك الأسواق ودراما التوقعات المؤكدة أو المحبطة، هي أيضا تحدث ضجة إعلامية.
بالنسبة إلى المستثمرين الماليين “الرسائل المختلطة” من محافظي البنوك المركزية يمكن أن تحول مكاسب المضاربة المحتملة إلى خسائر محرجة. عندما اتهم عضو في لجنة الاختيار التابعة لمجلس العموم البريطاني مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، بأنه “صديق حميم لا يمكن الاعتماد عليه”، فإن ذلك كان مصدرا لعناوين جيدة. لكن في عصر انخفاض أسعار الفائدة من الناحية الهيكلية، فإن عدم اليقين بشأن توقيت التغيرات المستقبلية الصغيرة ليس بتلك الأهمية.
التخفيف النقدي يمكن أن يكون له تأثير تحفيزي كبير إذا أدت تغيرات أسعار الفائدة إلى انخفاض قيمة العملة. لكن هذه لعبة محصلتها صفر لكل الأطراف. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يريد دولارا ضعيفا، بينما الصين تسمح لقيمة الرنمينبي بالانخفاض للتعويض عن تأثير التعريفات التي فرضها. لا يمكن لسياسة سعر الصرف أن تحفز كلا الاقتصادين.
العامل الثاني هو الخوف مما يلي إذا أصبحت السياسة النقدية عاجزة؛ إما أن لا نكون قادرين بعد ذلك على فعل شيء لتعويض فترات الركود المحتملة، وإما أن يكون على السياسة المالية أن تتحمل الضغط. لكن ارتفاع العجز المالي يعني ارتفاع الدين العام، ما لم يتم تمويله بأموال البنك المركزي، ويبدو أن هذا الأخير يهدد استقلال البنك المركزي. لذا، خوفا من العثور على شيء أسوأ، يتمسك محافظو البنوك المركزية بالأمل في أن بعض المشكلات المعقدة في السياسة النقدية في نهاية المطاف ستكون فعالة.
مع ذلك، العجز المالي الكبير وأشكال التمويل النقدي هي بالفعل محركات رئيسة للنمو العالمي. في ربيع عام 2016 كانت هناك مخاوف من أن البنوك المركزية تعاني “نقصا في الذخيرة”. لكن بسبب التخفيضات الضريبية التي أقدمت عليها إدارة ترمب عام 2017، ارتفع العجز المالي الأمريكي إلى 4.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي اليوم. العجز المالي في الصين نما من 2.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015 إلى 6 في المائة عام 2019، بتمويل بنك الشعب الصيني للمصارف الحكومية لشراء سندات عامة. اليابان واجهت عجزا كبيرا على مدار عقد من الزمان، تزامن تماما مع مشتريات بنك اليابان للسندات الحكومية، التي لن يتم بيعها أبدا للقطاع الخاص. وعلى الرغم من تمسك ألمانيا بمسار السلامة المالية، إلا أن نموها اعتمد على الصادرات إلى منتهكي قانون الإنفاق.
إنها منطقة اليورو التي تواجه الآن الخطر الأكبر. بالنسبة للولايات المتحدة سعر الفائدة على أموال مجلس الاحتياطي الفيدرالي يراوح الآن بين 2 و2.25 في المائة، بالتالي لا يزال بالإمكان خفض ما يكفي لإحداث بعض الفرق – وإذا استمر الاقتصاد في التباطؤ، فإن إدارة ترمب ستطلق العنان لزيادة الإنفاق، أو مزيد من التخفيضات الضريبية. في الوقت نفسه، ستواصل الصين واليابان إدارة عجز مالي كبير بتمويل غير مباشر من قبل بنكيهما المركزيين. أما في المملكة المتحدة، بصفتها اقتصادا أصغر، فإن انخفاض قيمة سعر الصرف يعد خيارا أقوى مقارنة بالبلدان الأخرى.
لكن إذا ظل الطلب العالمي وصادرات منطقة اليورو ضعيفين – واستمر المتشددون في عرقلة نسخة أوروبية من التخفيف المالي المصحوبة بشراء البنوك المركزية لسندات حكومية – فلا يوجد إجراء مناسب يمكن للبنك المركزي الأوروبي أن يتخذه ليحقق أكثر من فرق بسيط في نمو منطقة اليورو. الحقيقة هي أن محافظي البنوك المركزية، وحدهم، ليسوا بتلك الأهمية بعد الآن.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق