البنوك

البنوك المركزية تعيد النظر في كل شيء .. حتى أهمية الدولار

بالنسبة لمحافظي البنوك المركزية العالمية الذين اجتمعوا في جاكسون هول، كان هناك شعور بأن الأمور لن تكون كما كانت في السابق.
جيمس بولارد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، قال لـ “فاينانشيال تايمز” إن العالم المتقدم شهد “تحولا نظاميا” في الظروف الاقتصادية. “هناك شيء ما يحدث، أعتقد أن هذا يتسبب في إعادة التفكير بالكامل في المصرفية المركزية وفي جميع أفكارنا التي نعتز بها حول ما نعتقد أننا نفعله. علينا فقط أن نتوقف عن التفكير في أن الأمور في العام المقبل ستكون طبيعية”.
أسعار الفائدة لن تعود إلى الارتفاع في أي وقت قريب، ويتم التدقيق في دور الدولار سواء باعتباره أصلا آمنا أو وسيلة للتبادل، وأصبح عدم اليقين في التجارة سمة دائمة لصنع السياسات.
أقر صانعو السياسة بأنهم وصلوا إلى نقطة تحول في الطريقة التي ينظرون بها إلى النظام العالمي. لا يمكنهم الاعتماد على الأدوات التي استخدموها قبل الأزمة المالية لتشكيل البيئة الاقتصادية، ولم يعد من الممكن اعتبار الولايات المتحدة جهة فاعلة يمكن التنبؤ بها في السياسة الاقتصادية أو التجارية – على الرغم من عدم وجود بديل في مرمى البصر للدولار الأمريكي.
جاء التجمع في وايومينج في الوقت الذي تعهد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفع الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 250 مليار دولار. تهديده وضع حدا أقصى ليوم صاخب في أسواق المال العالمية، بدأ مع إعلان بكين فرض رسوم جديدة على ما قيمته 75 مليار دولار من الواردات الأمريكية، وشهد على تحفظ جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي قال إنه ليس من مهمة البنك المركزي إدارة السياسة التجارية.
عمليات البيع في السوق التي نتجت عن ذلك تشير إلى أن المستثمرين كانوا يستيقظون على حقيقة أنه لن تكون هناك صفقة بين أكبر اقتصادين في العالم ولن تكون هناك نهاية واضحة للصراع التجاري، بل حالة مستمرة من عدم اليقين.
قال بولارد: “احتسبوا الأسعار على أساس أنه ستكون هناك حالة من عدم اليقين، ستكون هناك تغريدات، وستكون هناك تهديدات ومواجهة لهذه التهديدات. هكذا سيكون الوضع”.
أصبح من الواضح أن هناك تغيرين طويلي الأجل في البيئة الاقتصادية الأساسية. الأول أن البنوك المركزية لن تكون قادرة على العودة إلى السياسات التي اعتمدت عليها قبل الأزمة المالية العالمية. لن ترتفع أسعار الفائدة مرة أخرى إلى 5 في المائة ولن تعود الميزانيات العمومية للبنوك المركزية قريبا إلى الصفر.
هذه المشكلة أسوأ بالنسبة إلى أوروبا واليابان مما هي للولايات المتحدة، لكن نظرا لترابط الاقتصاد العالمي تبقى ذات صلة بجميع أنحاء العالم.
التغير الثاني الذي أكده بولارد أنه بالنسبة للشركات والاحتياطي الفيدرالي والمصرفيين المركزيين العالميين لم تعد الولايات المتحدة موجودة في المفاوضات التجارية. إنها تمر بفترة طويلة من عدم اليقين التجاري، مع عواقب طويلة الأجل على استثمارات الشركات.
وأشار كل من بولارد وروبرت كابلان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، إلى السياسة التجارية لترمب بشأن المكسيك – بدلا من الصين – باعتبارها محركا أساسيا لحالة اللبس هذه. في أيار (مايو)، هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على جارة الولايات المتحدة الجنوبية التي كان قد تفاوض معها بالفعل على اتفاق تجاري جديد لتعديل “نافتا”.
بالنسبة للشركات في منطقة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، التي لديها سلاسل توريد تمتد إلى ما وراء الحدود، قال كابلان إنها “أدركت الأمر وغيرت مواقفها”. أضاف: “يجب أن نهيئ أنفسنا لفهم أننا قد نستيقظ في أي يوم من أيام الأسبوع ونجد مفاجأة تجارية حتى مع الأشخاص الذين لدينا اتفاقات معهم – هذا ليس فقط مع الصين”.
لأول مرة منذ أعوام، وفقا لكابلان، يتعامل المصرفيون المركزيون مع مشكلة لم تسببها السياسة النقدية ـ ولا يمكنها حلها. قال: “نقطة الارتكاز لما يحدث واتجاه الاقتصاد يتمحوران أكثر حول السياسة التجارية”.
وهناك جانب آخر لدور الولايات المتحدة في النظام الاقتصادي العالمي شغل الحضور في جاكسون هول: وضع الدولار في النظام النقدي الدولي.
قال مارك كارني، محافظ “بنك إنجلترا”، إن الولايات المتحدة لا تمثل سوى 10 في المائة من التجارة العالمية و15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لكن الدولار يستخدم لتسعير نصف فواتير التجارة وثلثي إصدار الأوراق المالية العالمية. وهذا أحدث خللا في النظام النقدي العالمي قوض فاعلية صنع السياسات.
موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق لصندوق النقد الدولي وهو الآن في جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي، قال حين كان بمقدور البلدان الأخرى التنبؤ بسلوك الولايات المتحدة، فإنها كانت أكثر استعدادا للتنازل عن السيطرة على النظام النقدي العالمي لواشنطن. لكن هذا النهج يخضع لمزيد من التدقيق. “عندما كان ينظر إلى الولايات المتحدة بوصفها قائدة مسؤولة عن الاقتصاد العالمي، كان هناك قلق أقل”.
سيبنيم كاليملي أوزكان، من جامعة ماريلاند، يرى أن السياسة النقدية للولايات المتحدة دفعت الاستثمار داخل الاقتصادات النامية وخارجها بطرق لا تستطيع بنوكها المركزية السيطرة عليها.
كارني قدم اقتراحا جذريا مفاده أن عملة رقمية يديرها القطاع الخاص أو الدولة يمكن أن تشكل ثقلا عالميا يوازن الدولار. لكنه أقر، وآخرون، بعدم وجود آلية واقعية لفصل الاقتصاد العالمي عن الدولار على المدى القريب.
بعد مغادرتهم جاكسون هول، لم يتبق للمصرفيين المركزيين سوى مساحة صغيرة للتحفيز النقدي من أجل التصدي لتوقعات تجارية قاتمة بشكل متزايد، لا يمكنهم السيطرة عليها.
قال بولارد: “أفضل سياسة هي: التخلص من عدم اليقين السياسي. ثم لن تكون لديك هذه المشكلة”.

المصدر: الاقتصادية

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق