سوق رأس المال

سوق السندات.. ساعة الركود بدأت عدها التنازلي

خلال خريف عام 2007، دخل مدير سندات من ولاية كاليفورنيا إلى مكتب “فاينانشيال تايمز” في نيويورك حاملا معه تحذيرا في الوقت المناسب، بعد رحلة برية طويلة عبر ولايات في الجنوب الغربي كانت سوق الإسكان فيها آنذاك فوق قيمتها الحقيقية.
في الآونة الأخيرة أعرب مستثمرون أنهوا للتو بعثات تقصي حقائق في الصين وهونج كونج عن مخاوفهم من وجود تحول كبير خلف دخان التوترات التجارية – وهو تغيير يساعد على توفير سياق للارتفاع الهائل الذي شهدته أسعار السندات العالمية خلال الشهر الماضي.
المزاج السائد في أسواق السندات الحكومية يعكس توقعات متشائمة للاقتصاد العالمي والحاجة إلى امتلاك تأمين ضد صدمة أكبر لمحافظ الاستثمار. الصخب الذي شهدته سوق الديون الحكومية طويلة الأجل الشهر الماضي يوحي بأن المشترين يعتقدون أن ساعة الركود بدأت عدها التنازلي إيذانا بقرب يوم الحساب، مثلما كان الحال في 2007.
تاريخيا يستغرق الركود وقتا طويلا للظهور، عادة نحو 18 شهرا، عندما ترسل أسواق السندات عوائد السندات لأجل عشرة أعوام و30 عاما إلى مستويات أدنى من المعدلات التي حددتها البنوك المركزية، وأدنى كذلك من عوائد السندات الحكومية لأجل عامين.
من المؤكد أن الحرب التجارية المتصاعدة تقلق كثيرين، خاصة أنها تشير إلى أن حقبة طويلة من التعاون العالمي آخذة في التلاشي. تم التأكيد على هذه النقطة من خلال عدم صدور بيان رسمي عن اجتماع الدول السبع الكبرى في نهاية الأسبوع الماضي، وهي المرة الأولى التي لا يصدر فيها مثل هذا البيان.
لكن تداعيات المواجهة المطولة بشأن التجارة لا تبرر الانهيار الذي شهدته عائدات السندات خلال الشهر الماضي، أو الارتفاع السريع في أسعار الذهب.
مثلا، أحد المقاييس لتوقعات النمو في المستقبل هو العوائد الحقيقية المعدلة حسب التضخم. هنا، مقياس الأعوام العشرة في الولايات المتحدة سلبي، بل انخفض الأسبوع الماضي دون أدنى مستوياته في عام 2016، حين أثارت مخاوف النمو العالمي نفورا واضحا من اتخاذ المخاطر.
غالبا ما تتفوق الأسواق على العوامل الأساسية، لكن باعتبارها بيت مقاصة لمعاملات لا تعد ولا تحصى من جميع أنحاء العالم، فإنها ترسل رسالة قيمة، ما يعني أن التحركات المتطرفة تستدعي اهتماما وثيقا.
ما تعنيه أسواق السندات والذهب الآن يتجاوز الرواية الشعبية المتمثلة في حرب تجارية تعمل على تجزئة الصناعات التحويلية العالمية وتزعزع سلاسل الإمداد المعقدة.
إنها تبعث برسالة أكثر إثارة للقلق: الصين التي تنمو الآن بأبطأ وتيرة لها منذ ثلاثة عقود، لن تساعد على الإنقاذ مثلما فعلت في عامي 2009 و2015 عندما أثارت موجة صاعدة عالمية أخرى من خلال إنفاق كبير. هذه المرة مختلفة، بكين تواجه تحديات هيكلية في الوقت الذي تعمل فيه على فطم البلاد عن النمو الذي تقوده الصادرات والبنية التحتية.
في الواقع تكلفة الفترة السابقة من الإنفاق الكبير من المالية العامة وفورة الائتمان والتهديد بموجة انكماشية من خلال تراجع الرنمينبي هو ما يثير قلق كثير من المستثمرين ويفسر جزئيا الاندفاع الكبير الشهر الماضي نحو الملاذات – خاصة عندما ينظرون إلى الشركات الصينية المثقلة بالديون ومنطقة آسيا بشكل عام.
في الآونة الأخيرة أصدرت “ماكينزي آند كو” دراسة عن مستويات الضغط على الميزانيات العمومية للشركات شملت أكثر من 23 ألف شركة في 11 سوقا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
كانت النتائج بعيدة عن كونها مطمئنة، إذ خلصت شركة الاستشارات العالمية إلى القول: “في عام 2017 كان لدى أستراليا، وبر الصين الرئيسي، وهونج كونج (…) والهند، وإندونيسيا أكثر من 25 في المائة من الديون طويلة الأجل التي تحتفظ بها شركات تقل فيها نسبة تغطية الفائدة عن 1.5، وقد زادت هذه النسبة بشكل جوهري منذ عام 2007”.
عندما تنفق الشركات قدرا كبيرا من الأرباح لخدمة ديونها، تكون الظروف الاقتصادية الأوسع عرضة لأي نوع من الصدمات.
وبشكل أكثر تحديدا، تحاول الصين في الأعوام الأخيرة ترويض قطاع مصرفية الظل الضخم لديها، وهي جهود ساعدت لأول مرة منذ عقد في تهدئة هذا القطاع المعتم الذي يبلغ حجمه 9.1 تريليون دولار، لكن من الآثار الجانبية أن عجز الشركات يرتفع.
على الرغم من أن “ماكينزي” تلاحظ أن “نسبة كبيرة من الإقراض في بر الصين الرئيسي لا تزال مقومة بالعملة المحلية”، ما يجنب هؤلاء المقترضين ألم الدولار الأمريكي القوي، تضيف الشركة الاستشارية: “لا تزال مخاطر التخلف مرتفعة، خاصة من الشركات التي في وضع مالي ضعيف”.
في الآونة الأخيرة عززت الصين وضع الائتمان في اقتصادها بعد قص أجنحة مصرفية الظل، ومع تخفيف كثير من البنوك المركزية الأخرى السياسات الخاصة بها، دعم هذا رأيا في أوساط بعض المراقبين مفاده أن انتعاشا سيحدث في النشاط العالمي مطلع العام المقبل.
هذا يشير إلى أن الوضع الحالي للسندات الحكومية ذات العوائد المنخفضة والسلبية، في كثير من الحالات، ضعيف ولديه مجال للانعكاس، لكن لفترة وجيزة فقط. غير أن الرأي طويل المدى من الملاذات العالمية بأن احتمال أن تعمل الصين على تحفيز موجة صاعدة أخرى، عالمية ومتزامنة، قد ولى.
لا يقتصر الأمر على أن المشترين للديون السيادية العالمية والذهب يلقون بظلال من الشك على تكرار الصين ما فعلته سابقا، بل يشككون في قدرة البنوك المركزية، فضلا عن تحفيز مالي يدور نقاش حوله في أوروبا والولايات المتحدة، على منع فترة طويلة من العوائد وتوقعات التضخم البطيئة.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق