متنوع

نيران «الأمازون» تمتد إلى الاقتصاد العالمي .. اللحوم وفول الصويا كلمة السر

تولى الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو منصبه في الأول من كانون الثاني (يناير) الماضي، بعد حملة انتخابية تضمنت وعودا بتخفيف الحماية التي تفرضها الدولة على أراضي السكان الأصليين والمحميات الطبيعية.
وبرر بولسونارو دعوته تلك بأن حماية الأمازون أدت إلى خنق الاقتصاد البرازيلي، وبرفعها على حد زعمه سيتطور القطاع الزراعي وقطاع التعدين، وترتفع معدلات النمو فيهما، ما يساعد على تحقيق معدلات أعلى لنمو الناتج المحلي الاجمالي.
وقد رفعت الحملة الانتخابية للرئيس بولسونارو حينها شعارا شهيرا “نعم لحماية البيئة شريطة ألا تعيق تقدمنا”. لكن بولسونارو ومنذ أول يوم لتوليه مهام منصبه، اصطدم بشدة بمنظمات وهيئات حماية البيئة المحلية والدولية، ووصل الصدام حده الأقصى بتشكيكه في أرقام صادرة عن المعهد الوطني لأبحاث الفضاء – هيئة حكومية برازيلية رفيعة المستوى – بشأن زيادة مخيفة في أرقام معدلات حرائق الأمازون منذ وصول بولسونارو إلى سدة الحكم، إذ أكد المعهد أن البيانات التي رصدها قمره الصناعي تشير إلى زيادة قدرها 85 في المائة في معدلات الحرائق، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 2018.
وقد أجبر رئيس المعهد على الاستقالة من منصبه نتيجة لما عد اتهامات للرئيس وسياسته البيئية.
ومع اشتعال حرائق الأمازون اتسع نطاق صراع الرئيس البرازيلي مع خصومه، وأخذ منحى دوليا عنيفا مع البلدان الأوروبية وتحديدا فرنسا.
مع هذا يظل السؤال قائما: هل ستبقى حرائق الأمازون ضمن حدود البرازيل وبوليفيا وبارجواي والأرجنتين، أم أن للقضية أبعادا دولية، يمكن أن تنعكس على الاقتصاد الدولي بشكل مباشر؟
الدكتور باركر بيرن الخبير في مجال الدراسات البيئية يؤكد لـ”الاقتصادية” أنه من الصعب للغاية نشوب حرائق طبيعية في الأمازون بسبب الأمطار الغزيرة في تلك المنطقة من العالم، وأن ما يحدث من حرائق في حوض الأمازون يأتي في الأغلب على يد البشر.
ويشير إلى أن الحرائق تمهد غالبا لتطهير الأراضي للزراعة أو تربية الماشية أو قطع الأشجار، وخلال نصف القرن الماضي أزيل نحو 20 في المائة من غابات الأمازون.
ويضيف “إذا أخذنا في الاعتبار أن 60 في المائة من غابات الأمازون تقع في البرازيل، فإن النتائج الاقتصادية السلبية لتلك الحرائق ستنعكس على الاقتصاد البرازيلي في الأساس، ونظرا للدور الذي يلعبه الاقتصاد البرازيلي في اقتصاد أمريكا اللاتينية، فإن تأثير تلك الحرائق في الاقتصاد العالمي، سيأتي من تأثيرها وانعكاساتها السلبية على اقتصاد أمريكا الجنوبية”.
ويعتقد بعض الاقتصاديين أن حرائق الأمازون ستنعكس بشكل ملموس على الإنتاج العالمي من فول الصويا ولحوم الأبقار، كما أن ما يحدث من حرائق في الأمازون يجب فهمه في إطار المنافسة الأمريكية – البرازيلية في إنتاج فول الصويا، والمنافسة الأوروبية – البرازيلية في مجال إنتاج لحوم الأبقار.
ويقول لـ”الاقتصادية” آدم مو أستاذ التجارة الدولية في جامعة ليدز، “ربما تشهد االأعوام المقبلة زيادة ملحوظة في الإنتاج العالمي في كل من فول الصويا ولحوم الأبقار، نتيجة زيادة الإنتاج البرازيلي منهما، إذ غالبا ما تستخدم المناطق المحترقة من غابات الأمازون لزراعة فول الصويا أو مزارع لتربية الماشية”.
ويضيف “ربما يفسر ذلك تدخل الرئيس الفرنسي بقوة على خط حرائق الأمازون، وذلك كرسالة مباشرة للمزارعين الفرنسيين بمساندة حكومتهم له في وجه المنافسة المتوقعة من لحوم الأبقار البرازيلية، إذ تعد البرازيل أكبر مصدر للحوم الأبقار على مستوى العالم ونحو 20 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية من اللحوم يأتي من البرازيل”.
ويؤكد أنه في العام الماضي صدرت البرازيل نحو 1.64 مليون طن من لحوم الأبقار، وحققت أرباحا تقدر بـ6.57 مليار دولار، كما أنها أكبر مصدر عالمي لفول الصويا.
ويشير إلى أن الرئيس البرازيلي يدرك جيدا أن تلك الحرائق يمكن أن تكون لها انعكاسات سلبية على اقتصاد بلاده، حيث تبنت أوروبا فكرة فرض عقوبات تجارية على البرازيل، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع المردود الإيجابي لتلك الحرائق، إذا ما تحولت المناطق المحترقة إلى مساحات زراعية تسهم في زيادة إنتاج البرازيل من اللحوم وفول الصويا، خاصة أن الاتحاد الأوروبي هو ثاني شريك تجاري للبرازيل، التي تعد أكبر مصدر منفرد للمنتجات الزراعية إلى الاتحاد الأوروبي.
وتظهر الدراسات البيئية أن إنتاجية أهم عشرة محاصيل زراعية في العالم انخفضت في المتوسط في جميع أنحاء العالم بسبب المناخ الأكثر دفئا وجفافا.
وتقول لـ”الاقتصادية” كيرا ويندهام الباحثة في جامعة أكسفورد في مجال التغيرات المناخية، “يحتل حوض الأمازون مركز الصدارة في النقاش الدائر حول أسباب الاحترار العالمي وحلوله، فهو يمتد على مساحة تزيد على سبعة ملايين كيلو متر مربع، ويمثل حوض الأمازون أكثر من 40 في المائة من إجمالي مخزون الأمطار المدارية في العالم، و20 في المائة من إمدادات المياه العذبة في الكرة الأرضية، وينظم هطول الأمطار والغطاء السحابي وتيارات المحيطات”.
وتلفت إلى أنه وفقا لتلك المعطيات فإن حرائق الأمازون تؤدي لارتفاع درجة الحرارة والجفاف الشديد، لدرجة أن بعض أنواع النباتات والمزروعات لن تتجدد، وبذلك فإن الحرائق ستؤثر في الاقتصاد الدولي عبر تأثيرها في القدرة الإنتاجية لبعض المحاصيل”.
لكن البعض يربط بين حرائق الأمازون وتأثيرها في الاقتصادي العالمي من خلال تأثيرها في مناخ كوكب الأرض ككل، وذلك من منطلق الترابط القائم في تركيبة المناخ الدولي.
ووفقا لوجهة النظر تلك فإن حرائق الأمازون ستؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الهواء، وتلك الكمية من الضخامة ستلوث مساحات شاسعة من الكرة الأرضية، وتؤثر في الصحة العامة حيث تصل نسبة التركيزات الضارة فيها إلى 20 ضعف المعايير الدولية.
لكن البروفيسور روني برات أستاذ الدراسات المناخية في جامعة أكسفورد ينظر إلى المشهد بصورة مختلفة، ويحمل الرغبة الدولية في تحقيق مزيد من النمو الاقتصادي المسؤولية في حرائق الأمازون.
ويقول لـ”الاقتصادية”، إن ” السؤال لا يجب أن يكون كيف تؤثر حرائق غابات الأمازون في الاقتصاد الدولي، وإنما كيف أدى الاقتصاد الدولي إلى حرق الأمازون”.
ويضيف “اختصار حرائق الأمازون في كونها قضية أخلاقية لطمع البعض، أو حصرها في كونها جريمة متعمدة، يقلص حقيقة الأزمة وجوهرها، بالطبع الحرائق تكشف عن طمع بشري وانحرافات لدى المسؤولين في البرازيل، وضيق أفق في التعامل مع المخاطر البيئية وتأثيرها الضار، ولكن القضية أكبر كثيرا من ذلك، حيث إنها تكشف عن التناقض الراهن بين مفهوم النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، هذا تحديدا هو جوهر المشكلة على الصعيد الدولي”.
ويعتبر البروفيسور روني أن المدرسة الاقتصادية الراهنة تتخذ من معيار النمو معيارا أساسيا وربما وحيدا لقياس درجة التقدم، وحتى المعايير الأخرى التي طرحتها الأمم المتحدة لم تلق الرواج المطلوب.
ويشير إلى أن حصر التقدم في النمو يدفع منطقيا إلى التوسع على حساب البيئة، ومن ثم تصبح إزالة أشجار الغابات أو حرقها لإضافة مزيد من المساحة للأراضي الزراعية أو تربية الماشية خيارا منطقيا لتحقيق مزيد من النمو الاقتصادي، وخيارا منطقيا أيضا وفقا للبروفسير روني من وجهة نظر المدرسة الاقتصادية التقليدية، التي لا تزال تحكم الاقتصاد الدولي على حد تعبيره.
ربما لا يكون لحرائق غابات الأمازون تأثر مباشر وعنيف على الاقتصاد الدولي مثل حرب العملات أو الحرب التجارية على سبيل المثال، لكن لا شك أن تأثيرها أكثر عمقا في مسيرة البشرية ككل، فمن خلال الدورة المناخية وإضعاف القدرة الإنتاجية لبعض المحاصيل، ومن ثم اضطرار بعض الدول إلى سد احتياجاتها الغذائية عن طريق الاستيراد من الخارج، وتأثير ذلك في الميزانيات العامة لها أو التأثير في أسعار بعض المحاصيل عالميا من خلال زيادة الطلب عليها.
وكل ذلك يتطلب مزيدا من الاهتمام الدولي بالبيئة وبحرائق الأمازون قبل أن تمتد نيرانها مباشرة إلى الاقتصاد العالمي وتحرقه معها.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق