مقالات

أ.د.سعد علي الحاج بكري يكتب: الوحدة الاستراتيجية وإدارة الجودة الشاملة

تمضي سلسلة هذه المقالات، بشأن موضوع الجودة في الوحدات الاستراتيجية، هادفة إلى بيان أهمية هذا الموضوع والتوعية بشأن مضمونه، فثقافة الجودة باتت ضرورة للجميع، لأن كل فرد يستطيع الإسهام في بناء الجودة على المستوى الشخصي، وفي إطار المؤسسات، وعلى مستوى المجتمع أيضا. فالجودة في الوحدة الاستراتيجية تعني أداء أفضل، يتضمن فاعلية أعمق، وكفاءة أعلى، ورشاقة ومرونة، وقدرة على المنافسة والتميز. قدمت المقالات السابقة عرضا لأفكار أساسية في موضوع إدارة الجودة، عبر بعد زمني تدريجي. بدأت بأفكار فردريك تيلور Frederick Taylor، الملقب “بأبي الإدارة العلمية”، في تقسيم العمل وتوزيع المهمات، وذلك في مطلع القرن الـ20. ثم انتقلت إلى ولتر شوارت Walter Shewhart صاحب فكرة مراحل “التطوير المستمر”. وبعد ذلك إلى وليم إدواردز ديمنج William Edwards Deming الملقب “بأبي إدارة الجودة”، وصاحب “التوصيات الـ14 الشهيرة” في نحو منتصف القرن الـ20 إضافة إلى أفكار خبراء آخرين أتوا بعد ذلك.
مع تقدم الزمن والوصول إلى الثمانينيات من القرن الـ20 كانت أفكار الجودة قد أخذت في الانتشار حول العالم، وظهر أسلوب يجملها، أو يجمل ما يراه من الأساسيات فيها، ويتطلع إلى تطبيقها وإدارتها على مستوى المؤسسة بشكل متكامل هو “إدارة الجودة الشاملة” Total Quality Management: TQM. ويستند هذا الأسلوب من حيث المبدأ إلى الفكرة التي أطلقها كاورو إيشيكوا Kaoru Ishikawa ، خبير الجودة الياباني في مطلع الخمسينيات من القرن الـ20؛ وهي فكرة “الجودة لكامل المؤسسة” CWQC التي تحدثنا عنها في مقال سابق. لكن التميز هنا يأتي من خلال قيام هذا الأسلوب بوضع توصيات مختارة ومحددة بشأن المتطلبات الرئيسة التي ينبغي على المؤسسة الالتزام بها في إدارة جميع شؤونها. ولهذه المتطلبات ثمانية محاور رئيسة سنجملها في التالي.
يهتم المحور الأول “بتوجهات الإدارة العليا” Leader ship، ويقضي بالتزام هذه الإدارة بتحقيق الجودة، وتحديد “مسؤول” عن تنفيذها يتمتع بالصلاحيات اللازمة بما في ذلك الصلة المباشرة بالإدارة العليا. أما المحور الثاني فيركز على “جاهزية الثروة البشرية” Work force، ويشمل الاهتمام بشؤون التوعية والتعليم والتدريب، لتفعيل إمكانات العاملين وحماسهم، واستخدامهم الوسائل التقنية المناسبة من جهة، إضافة إلى تشكيل فرق عمل منهم تختص بحل المشكلات التي تعيق الجودة عبر مختلف نشاطات المؤسسة من جهة ثانية. ويتجه المحور الثالث نحو موضوع “تقديم الاستجابة الملائمة للعملاء” Customers؛ والمطلوب هنا هو أن يتم تطوير الجودة على أساس مزيد من الاهتمام باحتياجات ومتطلبات جميع العملاء المستهدفين، والسعي إلى تقديم الاستجابة التي ترضيهم وتبني علاقة ثقة متواصلة معهم.
ونأتي إلى المحور الرابع الذي يسعى إلى “تطوير منهجية إجراءات العمل” Processes & Workflow. والمقصود هنا هو العمل على تطوير أداء إجراءات الإدارة وإجراءات الإنتاج في الوحدة الاستراتيجية. ويعود بنا هذا الأمر إلى الخطوات الأربع لطريقة التطوير الدوري لمنهجية إجراءات العمل التي وضعها شوارت Shewhart. وتتضمن هذه الخطوات: التخطيط Plan للتطوير، وتنفيذه تجريبيا Do، واختبار Check مدى نجاحه، ثم اتخاذ القرار Act بشأن تبنيه وتنفيذه. وهكذا يتحقق التطوير بشكل تزايدي متواصل يرتقي بالمؤسسة تدريجيا إلى آفاق جديدة.
يتطلع المحور الخامس إلى منع الأخطاء Error Prevention. ويستند هذا المطلب إلى المبدأ القائل إن “منع الأخطاء أفضل من التفتيش عنها”، وإلى فكرة كروسبي Crosby، المطروحة في مقال سابق، والقاضية “بإزالة الأخطاء Zero-Defect. ويتطلب هذا الأمر الحرص على عدم وجود أي خطأ ابتداء من مرحلة تصميم المنتج أو الخدمة وانتهاء بمرحلة التنفيذ وإيصال النتائج. وفي إطار المحور السابق، الخاص بتطوير منهجية إجراءات العمل، يمكن الكشف عن الأخطاء والعمل على إصلاحها دوريا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العمل على منع الأخطاء، والحرص على ذلك، قد لا يحققان النجاح الكامل المنشود، لكنهما يحققان تطورا في هذا الاتجاه، ويصلان بالأخطاء إلى أقل ما يمكن.
يهتم المحور السادس بمسألة “الإنتاج” Production، ويركز على الحاجة إلى تأمين “وسائل الإنتاج المناسبة” Productivity Tools. ويشمل ذلك الوسائل المرتبطة بمخرجات المؤسسة سواء كانت سلعا أو خدمات. ويؤكد هذا المحور أيضا الحرص على أن تكون الوسائل المستهدفة قادرة على تحقيق إنجاز كمي أعلى وبخصائص جودة أفضل. أما المحور السابع فيستند إلى مبدأ “القياس” Measurement وأهميته في تطوير الأعمال. ويقضي بالعمل على وضع “معايير للتقييم والقياس” Evaluation Measures تعطي مؤشرات للاستدلال على الواقع الراهن، وعلى تحديد خصائص الواقع المستهدف الذي يحقق أهدافا منشودة. ويدخل هذا الأمر في إطار التخطيط للمستقبل، والسعي إلى ردم الفجوة بين ما هو موجود وما هو مأمول.
ونصل إلى المحور الثامن الذي ينظر إلى “الثقافة والبيئة المحيطة” Culture/Environment كموضوع رئيس في إدارة الجودة. والمطلوب هنا هو جودة البيئة المناسبة للتطوير المستمر المنشود. ويرتبط هذا الأمر “بفلسفة كايزن” Kaizen Philosophy، التي أطلقها الياباني مداكي إيماي Madaaki Imai، التي تحدثنا عنها في مقال سابق. وجوهر هذه الفلسفة هو “التطوير أو التحسين المستمر”، ليس فقط عبر الخطوات الأربع الواردة في المحور الرابع، بل عبر مشاركة الجميع في ذلك أيضا. وفي سبيل وضع هذه الفلسفة موضع التنفيذ على أرض الواقع، يجب بناء ثقافة الجودة لدى العاملين وأصحاب العلاقة بالمؤسسة من جهة، وتفعيل بيئة إمكان الاستفادة من آراء الجميع في عملية التحسين المستمر المطلوبة من جهة أخرى.
وهكذا نجد كيف جمعت “إدارة الجودة الشاملة” TQM أفكارا رئيسة في الجودة ودعت إلى تطبيقها على كل المستويات. وقد قامت بمثل ذلك “المنظمة الدولية للمعايير” ISO، عبر أعضائها الذين يشملون مختلف دول العالم؛ وأصدرت عام 1987 توصياتها المعروفة بالرمز ISO 9000، التي يجري تحديثها دوريا كل عدة أعوام، حيث صدرت النسخة الأحدث منها عام 2015. وسنتحدث عن هذه التوصيات في مقال قادم بمشيئة الله، ونلقي الضوء على مدى توافقها مع إدارة الجودة الشاملة، من أجل تعزيز ثقافة الجودة ليس فقط لطرح المعلومات بشأنها، بل للتفكير فيها ومناقشتها، وتوخي الحكمة في تطبيقها.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق