متنوع

إدارة النفايات .. سوق ضخمة تقترب من 500 مليار دولار والهيمنة أمريكية

تعد عملية إدارة المخلفات أو النفايات واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، إذ يعد ذلك ضروريا لضمان سلامة الحالة الصحية للمواطنين، والحفاظ على سلامة البيئة، والمظهر العام للمجتمع.
ويقدر مختصون تحدثوا لـ”الاقتصادية”، القيمة الإجمالية للشركات الدولية العاملة في صناعة تدوير النفايات بأكثر قليلا من 100 مليار دولار، من بينها تسع شركات أمريكية تبلغ قيمتها الإجمالية 70 مليار دولار.
وقد شهدت عملية إدارة النفايات تطورات مهمة خاصة خلال الأعوام الأخيرة مع زيادة الوعي العام بأهمية الحفاظ على البيئة.
ومع هذا، ما زال القطاع يواجه تباينا كبيرا بين الدول المتقدمة والناشئة والنامية، وبين المجتمعات العمرانية والمدن الكبرى والمناطق الريفية، كما أن التباين يبدو واضحا بين المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والمناطق ذات الإنتاج الصناعي.
ومن المعلوم أن مفهوم معالجة النفايات وتحمل مسؤوليتها، يختلف بشكل واضح، وفقا لطبيعة المخلفات ذاتها، إذ غالبا ما تتحمل السلطات المحلية والبلديات مسؤولية التعامل مع النفايات غير الضارة أو الخطيرة، بينما يقع في كثير من الأحيان عبء معالجة النفايات الخطيرة أو الضارة الناتجة عن العمليات الصناعية أو التعدينية، على مسؤولية مولدي هذا النوع من النفايات.
وامتد تأثير المدرسة الليبرالية في علم الاقتصاد إلى عالم المخلفات والنفايات، بحيث باتت الشركات الخاصة لاعبا بارزا في هذا المجال، وقد ظهرت شركات ذات طبيعة عالمية عابرة للحدود، تتولى أعباء التعامل مع المخلفات أو النفايات المجتمعية عبر أساليب حديثة، تتضمن سلامة المجتمع بإعادة تدوير النفايات، بما يسمح بتحقيق فائدة اقتصادية منها، تصب في خدمة الاقتصاد الوطني وتحافظ على البيئة في آن واحد.
ويقدر البنك الدولي إجمالي ما يولده سكان الكرة الأرضية من النفايات الصلبة بنحو 2.1 مليار طن سنويا، لكن الخطورة لا تقف عند حدود هذا الرقم الضخم من النفايات، إذ إن الأكثر خطورة هو أن 33 في المائة من تلك النفايات – وفقا لتقديرات متحفظة – لا تتم إداراتها بطريقة آمنة بيئيا.
ورغم أن إجمالي سكان البلدان مرتفعة الدخل لا يمثلون أكثر من 16 في المائة من إجمالي سكان العالم، إلا أنهم يولدون نفايات تقدر بنحو 683 مليون طن أي نحو 34 في المائة من نفايات العالم.
وحول المستقبل، يشير لـ”الاقتصادية”، فيليب سبنسر من مجموعة “بيفا” الدولية لإدارة المخلفات، إلى أنه “مستقبلا سيرتفع إجمالي النفايات العالمية إلى 3.40 مليار طن بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف النمو السكاني خلال الفترة نفسها، ومن المتوقع أن يزداد توليد النفايات اليومية للفرد في البلدان ذات الدخل المرتفع بنسبة 19 في المائة بحلول عام 2050، مقارنة بالبلدان المنخفضة أو المتوسطة الدخل، حيث من المتوقع أن يزداد بنحو 40 في المائة أو أكثر، وبحلول منتصف القرن يتوقع أن تزداد الكمية الإجمالية للنفايات المتولدة في البلدان المنخفضة الدخل بأكثر من ثلاثة أضعاف الكمية الحالية”.
وحول التوزيع الجغرافي لإنتاج النفايات في العالم، يوضح سبنسر أن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ تنتج الجزء الأعظم من النفايات العالمية بنسبة 23 في المائة، بينما لا يتجاوز إنتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 6 في المائة، وتعد القارة السمراء وجنوب آسيا والشرق الأوسط أسرع مناطق العالم إنتاجا للنفايات.
ويحمل هذا المشهد “الثري” فرصة استثمارية ضخمة لعديد من الشركات الدولية الخاصة العاملة في مجال النفايات.
ويقول لـ”الاقتصادية”، كريسب دويل، نائب المدير التنفيذي لشركة “كوفنتا” لإدارة المخلفات، إنه “من المتوقع أن يقفز حجم السوق العالمية لإدارة النفايات من 303.6 مليار دولار عام 2017 إلى 484.9 مليار دولار بحلول عام 2025، ويرجع ذلك لعديد من العوامل من بينها زيادة عدد السكان والعولمة المتزايدة، وزيادة معدلات التصنيع في الاقتصادات الناشئة مثل الهند والبرازيل ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وتطور الصناعات الكيميائية والسيارات والصناعات الطبية وجميعها تولد كمية هائلة من النفايات”.
ويضيف دويل أن “تنامي الوعي لدى الهيئات الحكومية والمواطنين بضرورة تطوير حلول لتفادي إهدار النفايات والاستفادة منها يمثل فرص نمو مربحة للجهات الفاعلة في السوق، ومن المتوقع أن تظهر منطقة آسيا والمحيط الهادئ كسوق مربحة مع أقصى إمكانات النمو، وذلك بسبب ارتفاع معدل التحضر”.
ويقدر دويل القيمة الإجمالية للشركات الدولية العاملة في صناعة تدوير النفايات بأكثر قليلا من 100 مليار دولار، من بينها تسع شركات أمريكية تبلغ قيمتها الإجمالية 70 مليار دولار.
ومع هذا، فإن عددا من الأكاديميين يعتقدون أن هناك حاجة إلى وقفة دولية، فيما يتعلق بصناعة تدوير النفايات ومستقبلها، وترى الدكتورة آنا هاربرت، أستاذة التقنيات الحديثة في جامعة جلاسكو، أنه “من المفاهيم الخاطئة والمتكررة بقوة خاصة في الإعلام، أن التكنولوجيا هي الحل لمشكلة النفايات غير المدارة والمتزايدة، فالتكنولوجيا ليست حلا سحريا، وإنما تعد عاملا ضمن عوامل أخرى متعددة خاصة في إعادة تدوير النفايات الصلبة، وحاليا يتم التخلص من نحو 37 في المائة من النفايات في شكل من أشكال المكبات”.
وحول دور القطاع الخاص في عملية تدوير النفايات، تدعو هاربرت إلى حصر دور المؤسسات الحكومية في هذا المجال في إطار وضع السياسات الرقابية التنظيمية، وتشير إلى أن ثلثي بلدان العالم بات لديه تشريعات وأنظمة تستهدف إدارة النفايات الصلبة.
وتضيف لـ”الاقتصادية”، أن “70 في المائة من خدمات إدارة النفايات تتم مباشرة من قبل الهيئات العامة المحلية، وهي نسبة مرتفعة ويجب تحويل الجزء الأكبر منها للقطاع الخاص، مع ضرورة تقديم الحوافز للشركات الخاصة العاملة في مجال إدارة النفايات، عبر مجموعة منظمة من آليات التمويل، لخفض تكاليف التشغيل، خاصة أن إدارة النفايات تتطلب عمالة مكثفة، حيث تراوح تكاليف النقل وحدها بين 20- 50 دولارا للطن”.
ويدعم لويس كوارد الباحث الاقتصادي في إدارة التنمية المدينة في الحكومة البريطانية وجهة النظر الداعية إلى مزيد من الخصخصة في مجال إدارة النفايات.
ويقول لـ”الاقتصادية” إن “إدارة النفايات هي العنصر الأكبر في ميزانية عديد من الإدارات المحلية، وفي البلدان منخفضة الدخل تمثل نحو 20 في المائة من ميزانية البلديات، ونظرا للعجز المالي في تلك الدول، فإن النفايات تتكدس في مكبات تقليدية، ومع تراكمها وعدم التخلص منها، فإن التأثيرات السلبية الصحية تبدأ في الظهور، ولا شك أن تكلفة عدم معالجة هذه المخلفات وتأثيرها أعلى بكثير من تكلفة وضع أنظمة لإعادة تدويرها عن طريق شركات القطاع الخاص”.
وتطرح قضية تدوير النفايات تحديا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط، إذ يتجاوز معدل إنتاج الفرد من النفايات ما يزيد علة 2 كيلو جرام يوميا، وقد أسهمت عدة عوامل في تفاقم المشكلة، وأبرزها التشريعات غير الفاعلة، وضعف البنية الأساسية الخاصة باستيعاب تلك النفايات، وضعف الوعي الشعبي بخطورة النفايات.
ويشير إس. لويس، الخبير البيئي في الأمم المتحدة، إلى أن التوليد الكثيف للنفايات في الشرق الأوسط مع ضعف المؤسسات العامة والخاصة في هذا المجال، جعل من المخلفات مشكلة مستفحلة في بعض البلدان العربية وتحديدا المدن الكبرى مثل بيروت.
ويضيف لـ”الاقتصادية”، أن “مفهوم الهدر يشكل جزءا ملحوظا في الثقافة العامة لسكان تلك المنطقة من العالم، كما أن الربط بين النفايات والموارد شبه معدوم، سواء في السلوك الفردي أو العام، كما يلاحظ أن التعثر يعود أيضا لغياب خطط استراتيجية في هذا الشأن، مع هزالة القدرات المالية المتاحة للقطاع الخاص وعدم اعتماده على أنماط تكنولوجية حديثة”.
ويستدرك لويس قائلا إنه “لا بد من الدفع بالقطاع الخاص بقوة في هذا المجال الحيوي، فالمؤسسات الحكومية لن تفلح في مواجهة هذا التحدي بمفردها، إلا أن نجاح هذا الاتجاه يتطلب مزيدا من الحوافز لشركات القطاع الخاص، على أن يترافق ذلك بتغيير عام في وجهة نظر المجتمع تجاه تلك القضية”.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق