البنوك

قناعة متزايدة .. السياسة النقدية فشلت في حل مشكلة النمو

خلال الأعوام الثمانية التي قضاها في رئاسة البنك المركزي الأوروبي، اكتسب ماريو دارجي سمعة بأنه يحصل على ما يريد. في الوقت الذي سيطلق فيه جولة جديدة من التحفيز النقدي الأسبوع المقبل، يراهن المستثمرون بشدة على أن هذا الإيطالي يمكنه تجميع صف أي زملاء مترددين للمرة الأخيرة.
السندات الحكومية في منطقة اليورو حققت ارتفاعا غير مسبوق في الصيف، حيث انخفضت العائدات إلى أدنى مستوياتها في جميع أنحاء اتحاد العملة الموحدة. حتى بعد موجة بيع عالمية قوية يوم الخميس، على أمل حدوث إنجاز في المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، تم تداول السندات الألمانية بجميع تواريخ الاستحقاق بعوائد سلبية، ما يعني أن المستثمرين يدفعون إلى برلين كي تقترض لمدة تصل إلى 30 عاما.
راكم المستثمرون السندات جزئيا لأنهم يتوقعون إحياء البنك المركزي الأوروبي برنامج التسهيل الكمي الخاص بشراء السندات. ويتوقعون أن تكون الجولة الجديدة من البرنامج كبيرة.
ريتشارد بارويل، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في “بي إن بي باريبا لإدارة الأصول”، قال: “برنامج التسهيل الكمي إلى ما لا نهاية هو ما تريده السوق. أعتقد أن الناس اشتروا هذه السندات لأنهم يتوقعون أن يكونوا قادرين على بيعها إلى البنك المركزي”.
تصاعدت التوقعات على الرغم من أن كثيرا من زملاء دراجي في البنوك المركزية الأخرى في منطقة اليورو أعربوا في الأيام الأخيرة عن شكوكهم بشأن الحاجة إلى مزيد من برنامج التسهيل الكمي. ويشتمل المشككون على المشتبه بهم المعتادين، مثل مسؤولي البنك المركزي الألماني والبنك المركزي الهولندي، الذين عارضوا بشكل متكرر برنامج شراء السندات السابق من البنك المركزي الأوروبي الذي بلغت قيمته 2.6 تريليون يورو، الذي انتهى في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. لكن فرانسوا فيليروي دي جالهو، ليس متشددا معروفا. فقد أثار محافظ البنك المركزي الفرنسي تساؤلات عندما وصف مزيدا من عمليات شراء السندات بأنها “مسألة تجب مناقشتها”.
قد يضطر دراجي إلى التسوية، إما عن طريق إطلاق برنامج صغير محدود المدة لشراء السندات في اجتماع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس، وإما من خلال ترك القرار بشأن مزيد من برنامج التسهيل الكمي لخليفته، كريستين لاجارد. هذا قد يكون صدمة سيئة للمستثمرين.
قال بارويل: “سيبدو أنهم قيدوا سلطته. يمكنك أن ترى نوبة غضب في السوق بمجرد أن تستقر أهمية ذلك في الأذهان”.
إضافة إلى خفض أسعار الفائدة بما لا يقل عن 0.1 نقطة مئوية – الأمر الذي سيؤدي إلى خفض سعر فائدة البنك المركزي الأوروبي على الودائع إلى سالب 0.5 في المائة – تحتسب الأسواق 40 مليار يورو شهريا من عمليات شراء السندات، بحسب ستيفانو دي دوميزيو، من شركة أبسولوت استراتيجي للأبحاث.
لتحقيق هذا المعدل من شراء السندات على مدى أكثر من بضعة أشهر، قد يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى إعادة كتابة قواعده بشأن حجم سوق السندات التي هو على استعداد لشرائها. في الوقت الحالي، لا يمكنه امتلاك أكثر من ثلث سندات أي بلد، وهو قريب من الحدود في ألمانيا وفنلندا والبرتغال.
زيادة الحد إلى 40 أو حتى 50 في المائة من شأنه تخفيف تلك المآزق، لكنه قد يكون أيضا مثيرا للجدل، من خلال تسليم البنك المركزي الأوروبي دورا محوريا أكثر بكثير إذا عجز أي بلد في منطقة اليورو عن سداد ديونه واحتاج إلى التفاوض مع الدائنين بشأن إعادة هيكلة الديون.
برنامج تسهيل كمي أصغر – بنحو 20 مليار يورو من عمليات الشراء على مدى ستة أشهر – قد يسمح للبنك المركزي الأوروبي بتجنب الموضوع، لكنه قد يترك الأسواق في حالة شك من التزامه بمزيد من التحفيز.
قالت سيما شاه، كبيرة خبراء الاستراتيجية في “برينسبال جلوبال إنفسترز”: “هناك خطر واضح في احتمال حدوث خيبة أمل. إذا لم يكن هناك نقاش أو ذكر لحدود البلد المصدر للسندات، ستنظر السوق إلى ذلك بشكل سلبي للغاية”.
مع ذلك، لا يتوقع كثير من المستثمرين أن تطول مدة أي نكسة، على اعتبار أن ارتفاع السندات دلالة على مخاوف عميقة بشأن النمو العالمي ويتجاوز توقعات عمليات شراء السندات من البنك المركزي الأوروبي.
كريس إيجو، كبير الإداريين الاستثماريين للدخل الثابت في “أكسا إنفيستمنت مانيجرز”، اعتبر أن “حركة السعر قوية جدا لدرجة أننا في مرحلة ما سنرى نوعا من صدمة السندات”. وأضاف: “لست متأكدا من أن أي شيء قد يفعله البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يعكس الاتجاه في أسواق السندات لفترة طويلة. هذا يعود إلى العوامل الهيكلية المتجذرة، مثل التركيبات السكانية وإرث الأزمة المالية”.
مع برنامج تسهيل كمي محسن، أو من دونه، يظل كثير من المستثمرين سعداء بالاحتفاظ بالسندات ذات العوائد السلبية على أساس أن الانتعاش في النمو أو التضخم السنوي، الذي يبلغ الآن 1 في المائة، يبدو بعيدا. قالت شاه: “تشير حالة الاقتصاد بالتأكيد إلى أن أسعار الفائدة ستبقى سلبية لفترة طويلة جدا”.
هذه الازدواجية تجاه برنامج شراء السندات هي إحدى العلامات الدالة على نقص الثقة المتزايد بالسياسة النقدية بوصفها حلا لمشكلة النمو العالمي – سواء في الأسواق أو داخل البنوك المركزية نفسها. بنك كندا والبنك الاحتياطي الأسترالي والبنك المركزي السويدي كلها قاومت توقعات المستثمرين بمزيد من التسهيل خلال الأسبوع الماضي.
في منطقة اليورو، يشعر صناع السياسة بقلق متزايد من أن خفض أسعار الفائدة أكثر دون الصفر يمكن أن يكون ضرره أكبر من نفعه، من خلال إلحاق الضرر بهوامش الأرباح في المصارف، أو حتى من خلال تشجيع المستثمرين على تخزين الأوراق النقدية في القبو بدلا من الخضوع لأسعار الفائدة السلبية.
رهان أسواق السندات على مزيد من برنامج التسهيل الكمي هو أيضا رهان على فشل السياسة النهائي في رفع التضخم. قال إيجو: “لا تزال البنوك المركزية تقول إنها تحاول تحقيق تضخم بنسبة 2 في المائة. لكن السوق تخلت عن التفكير في أنها ستحقق كثيرا من النجاح”.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق