متنوع

ذكريات الذهب في الأزمات الأخيرة.. هل نشهد مستويات قياسية جديدة؟

يكون الذهب هو الاختيار الأول للمستثمرين في أوقات الاضطرابات على كافة الأصعدة، لكن ماذا سيفعل المعدن النفيس في خضم الأزمة القادمة؟.

على مدار التاريخ، أظهر الذهب نفسه – وخاصةً في الأوقات التي تشهد ضعفاً في أداء الاقتصاد – كمخزن جيد للقيمة كونه يظل ذهباً في الأوقات الجيدة والسيئة.

ويتخوف الجميع في الوقت الحالي من حدوث ركود بالاقتصاد العالمي وسط إشارات متزايدة بداية من سوق السندات وحتى النشاط الصناعي وانكماش اقتصادات كبرى مثل ألمانيا.

ودفع القلق من اقتراب أزمة اقتصادية جديدة في العام الحالي، الذهب لتسجيل مستويات غير مسبوقة في نحو 6 سنوات ومستويات قياسية عند تقييمه بـ6 عملات أخرى غير الدولار في بداية شهر أغسطس/آب 2019 بدعم التكالب على حيازة الملاذات الآمنة والابتعاد عن الأصول التي تحتوي على عنصر المخاطرة كالأسهم.

كما أن التوترات التجارية كانت عاملاً دافعاً آخر أثر بشكل إيجابي في أداء المعدن خلال العام الجاري وسط تصعيد الاحتكاكات التجارية بين أكبر اقتصادين بالعالم.

ومع اتجاه صاعد دون توقف كسر المعدن النفيس حاجز الـ1550 دولار للأوقية في شهر أغسطس/آب الماضي، وسط تساؤلات كثيرة هل يجب أن نشتري الذهب في الوقت الحالي؟.

في تصريحات حديثة، نصح المحلل “مارك موباس” مؤسس “موباس كابيتال بارتينير” المستثمرين بشراء معدن الذهب عند أيّ سعر معتبراً أنهم سيحققون عوائد قوية على المدى الطويل.

ويعتقد المحلل الاقتصادي أن تخصيص نحو 10 بالمائة من المحفظة الاستثمارية لصالح الذهب أمر جيد، خاصةً في ظل اتجاه البنوك المركزية لطباعة أموال وسط جهود خفض الفائدة وتخفيف السياسة النقدية.

كما نصح الشريك المؤسس لشركة “موبيوس” المستثمرين بحيازة الذهب مع انخفاض معدلات الفائدة، وأوصى كذلك بتخصيص 10 بالمائة من المحفظة الاستثمارية للمعدن النفيس.

ووفقاً لتقرير التوقعات النصف سنوية والصادر عن المجلس العالمي من الذهب، فإن هناك عوامل داعمة للطلب على الاستثمار في الذهب خلال النصف الثاني من بينها عدم اليقين بالأسواق المالية والسياسة النقدية التيسيرية إضافة إلى النمو الاقتصادي الضعيف.

واعتبر مجلس الذهب أن المعدن النفيس بمثابة أصل يستطيع موازنة المخاطر بشكل أكثر فعالية تمكنه من توفير عوائد طويلة الآجل.

وفي سياق التوقعات المتفائلة، فإن بنك “جولدمان ساكس” يتوقع أن تقفز أسعار الذهب إلى 1600 دولار للأوقية حال استمرار مخاوف النمو والتي قد تكون بسبب الحرب التجارية.

بينما يرى “سيتي جروب” أن الأداء الصاعد للذهب قد يستمر خلال العامين المقبلين، ليصل سعر المعدن لنحو 2000 دولار للمرة الأولى في تاريخه، مستفيداً من خفض معدلات الفائدة والحرب التجارية وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

ماذا حدث في الأزمة الماضية؟

وبالعودة إلى الأزمة الأكثر شهرة في التاريخ الحديث، فإن الذهب بدأ اتجاهاً صعودياً واضحاً منذ منتصف عام 2007، ليكون بالقرب من مستوى 1000 دولار للأوقية في بداية العام التالي، بمكاسب تجاوزت 34 بالمائة.

وكان الاقتصاد العالمي بدأ في إظهار علامات على اتجاه هابط وشيك في عام 2007 قبل أن تندلع الأزمة المالية بشكل مفاجئ مع انهيار بنك “ليمان براذر” يوم 15 سبتمبر/أيلول 2008.

وبعد إشهار البنك الأمريكي إفلاسه، تعرضت بعض فئات الأصول إلى خسائر قوية لتشهد “وول ستريت” أسوأ أداء أسبوعي في الأسبوع المنتهي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2008 وذلك بعدما فقد مؤشر “داو جونز” الصناعي حوالي 18.2 بالمائة أو ما يوازي 1884 نقطة من قيمته.

ومع موجة بيعية كثيفة شهد المؤشر الصناعي خسائر بأكثر من 50 بالمائة من قيمته في غضون 18 شهراً.

وفي المقابل، صعدت تقييمات أصول الملاذات الآمنة بقيادة الذهب وسندات الخزانة الأمريكية حتى بداية تنفيذ برامج تحفيز التيسير الكمي، ليكون عدم استقرار السوق هو القاعدة اليومية بالعودة إلى ذلك التوقيت.

وبالنظر مع ذلك إلى الرسوم البيانية التي توضح أداء الذهب بالعودة إلى الفترة المحيطة بوقوع الأزمة المالية العالمية من يوليو/تموز 2008 وحتى يوليو/تموز 2009، فيمكن ملاحظة عدم وجود إشارة على أن الذهب تحرك بشكل سريع في ذاك الوقت.

وفي الواقع، فإن أسعار الذهب سجلت خسائر خلال الربع الأخير من عام 2008 على خلفية قوة الدولار الأمريكي.

وبحلول شهر فبراير/شباط 2009، وصل سعر أوقية الذهب إلى مستوى 1087 دولار بعد أن تخلله بعض الانخفاضات مع تأجج الوضع بشأن الأزمة المالية العالمية.

ويعني ذلك أن الذهب صعد بنحو 222 دولاراً أو ما يعادل 25.7 بالمائة في الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2008 عندما كان سعر أوقية الذهب يبلغ 865 دولاراً وحتى فبراير/شباط 2009.

ومنذ ذلك الحين، عاد الذهب إلى مساره السابق قبل الأزمة ليكون الاتجاه الصاعد هو السمة الغالبة التي تميز المعدن الأصفر آنذاك.

وتجدر الإشارة إلى أن الذهب استمر في تحقيق مكاسب قوية خلال النصف الثاني من عام 2009 وفي عام 2010 وغالبية عام 2011 مع حقيقة أن المعدن سجل مستوى قياسي مرتفع عند 1895 دولار للأوقية يوم 5 سبتمبر/أيلول عام 2011.

ويأتي أعلى مستوى سجله الذهب في التاريخ استجابة للمخاوف من أن الولايات المتحدة قد تتعثر عن سداد ديونها وأزمة الديون السيادية في منطقة اليورو.

ويشير تقرير نشره مجلس الذهب العالمي عبر مدونته في وقت سابق من هذا العام إلى أن تلك المكاسب لم تكن نتيجة ضعف الدولار الأمريكي ولكنها كانت متوجة بمخاوف المستثمرين والمضاربين من عواقب برامج التيسير الكمي والتحركات السياسية الأخرى في ذلك الوقت.

ولم يكن أداء الذهب جيد فقط بالعملة الأمريكية لكنه كان قوياً كذلك بعملات أخرى مثل اليورو إلا أن المكاسب بالعملة الأوروبية الموحدة برزت في عام 2012 بدلاً من 2011.

ويأتي الإقبال القوي على المعدن النفيس مع تعمق أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو خلال تلك الفترة.

أداء الذهب باليورو منذ يناير/كانون الثاني 2006

لكن مع حلول عام 2013، بدأ الوضع يتحول في ظل استمرار تعافي اقتصاد الولايات المتحدة والاقتصادات الأخرى، ليشهد عمليات جني أرباح وتقليص المراكز الشرائية الطويلة.

واستمرت الخسائر عاماً تلو الآخر حتى عام 2015 قبل أن ينجح الذهب في تسجيل عوائد إيجابية في عامي 2016 و2017، بلغت 8.6 بالمائة و13.7 بالمائة على الترتيب.

لكن المعدن شهد هبوطاً طفيفاً لم يتجاوز 1.5 بالمائة في العام الماضي.

وعاد الذهب منذ أبريل/نيسان 2019 لاتخاذ اتجاه تصاعدي مرة أخرى في تكرار للسيناريو الذي حدث إبان الأزمة المالية العالمية.

وحقق المعدن مكاسب تتجاوز 90 دولاراً خلال الشهر الماضي وحده، ليرفع أرباحه في أول 8 أشهر من العام الحالي إلى 248 دولاراً أو ما يوازي 19.3 بالمائة.

أداء الذهب بالدولار منذ عام 2006 وحتى الآن – (المصدر: ماكروتريندز)

وكانت ضغوط التشديد النقدي في العام الماضي سراً أساسياً وراء خسارة الذهب حوالي 2 بالمائة من قيمته في العام الماضي.

لكن حالة الاضطرابات على كافة الأصعدة التجارية والسياسية والجيوسياسية التي تخيّم على هذا العام بالإضافة لمخاوف الركود الاقتصادي العالمي مع تحول البنوك المركزية نحو تخفيف السياسة النقدية تسببت في تكالب المستثمرين على الأصل الآمن الذي شهد صعوداً قوياً منذ بداية العام.

مكاسب وخسائر الذهب منذ عام 2006 وحتى الآن – (المصدر: ماكروتريندز)

ومن الملاحظ كذلك منذ الأزمة المالية العالمية، أن البنوك المركزية حول العالم عكست اتجاهها المعروف ببيع احتياطات الذهب لتبدأ منذ عام 2010 في تعزيز مشترياتهم من المعدن.

المصدر: مباشر

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق