الطاقة

«التخزين» أكبر عقبة أمام توسع الطاقة المتجددة

لا تمل ولا تكل وسائل الإعلام الدولية في الحديث عن قضايا الطاقة العالمية والتحديات التي تواجهها. فقضايا الطاقة مثلها في ذلك مثل عدد من الموضوعات الكونية التي تتجاوز مناقشتها والبحث فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية، إنما تطرح للنقاش عبر أفق أشمل وأبعاد أوسع يربطها بالوجود الإنساني وتطور الحضارة البشرية بمفهومها الكلي.
فلا يمكن تخيل بقاء النموذج الحضاري السائد حاليا، بل يصعب الجزم ببقائه، علاوة على تطوره ومضيه إلى الأمام مستقبلا، إذ لن تفلح البشرية في التصدي لمشكلات الطاقة الراهنة ونمط استهلاكها والعمل على إيجاد مصادر أكثر ديمومة لإنتاجها.
من هنا تأتي أهمية الحديث عن قضايا الطاقة، تحديدا “المتجددة”، باعتبارها تضمن للبشرية مصدرا طويل الأمد من الطاقة، يسمح للإنسانية بمواصلة تقدمها إلى الأمام.
بطبيعة الحال تطرح الطاقة المتجددة نفسها كثيرا من الأسئلة المشروعة حول الأشكال المختلفة لها وتكلفتها الاقتصادية والفاعلية والكفاءة التي تتمتع بها، ومدى قدرة الاقتصاد العالمي في الاعتماد عليها لمواصلة مسيرته التنموية، وقدرتها على تغطية الاحتياجات المختلفة للمجتمعات الإنسانية في ظل تفاوت معدلات النمو في تلك المجتمعات.
عشرات من الأسئلة يطرحها الحديث عن الطاقة المتجددة. وبخلاف ما يصوره البعض بوجود إجماع عالمي بشأن تلك القضية، فإن الطاقة المتجددة مثلها مثل جميع القضايا المصيرية، تواجه خلافا بين الاقتصاديين حول حقيقة ما حققته من تقدم، وجدواها الاقتصادية، وتكلفتها المالية.
الدكتور جون آدمز أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة كامبريدج يعتقد أن هناك عديدا من المبالغات الإعلامية فيما يتعلق بالسرعة التي تحققها البشرية في مجال انتشار الطاقة المتجددة، مشيرا إلى أن الاعتماد على الوقود الأحفوري سيواصل البقاء لعقود طويلة مقبلة.
ويقول لـ”الاقتصادية”، “ربما تعد قضية التكلفة الاقتصادية للتحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة العامل الحاسم في تحديد مسار ومصير عملية التحول تلك، فالطاقة المتجددة لا تزال أعلى تكلفة من الطاقة المتولدة من الوقود الأحفوري تحديدا النفط”.
ويضيف “كما يجب أن نأخذ في الحسبان أن الهيكل العالمي لاستهلاك الطاقة من حيث المعدات والتقنية لا يزال يعتمد في الأساس على الوقود الأحفوري سواء الفحم أو النفط أو الغاز، وعملية تغيير هذا الهيكل أمر مكلف كثيرا، ويصعب في كثير من الأحيان على الأفراد أو الدول القيام بذلك لارتفاع التكلفة، كما أن أنصار هذا النوع من الطاقة لا يأخذون في الحسبان تكلفة الفرصة البديلة عند حساب تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة”.
ويؤكد أن الطاقة المتجددة بما في ذلك طاقة الرياح والطاقة المائية والشمسية لم تقدم العام الماضي أكثر من 12 في المائة من احتياجات الطاقة في العالم، وتركزت في عدد محدود من دول العالم خاصة الدول الغنية، لذلك يصعب القول إنها باتت على أرض الواقع خيارا يحظى بإجماع البشرية، أو إنها تمثل حلا سحريا بديلا.
ويشير إلى أن الطاقة المتجددة تواجه مشكلة التخزين وهو ما يغيب في مجالات الطاقة التقليدية، مبينا أن مشكلة التخزين تلك تجعل من الصعب على الاقتصادات النامية اعتماد أنظمة طاقة متجددة بالكامل، وحتى مع تحسن قدرات البطاريات والتخزين بالنسبة إلى الطاقة المتجددة.
وتوقع أن يكون النموذج المقبل في استخدام الطاقة والأكثر منطقية عدم التحول التام إلى الطاقة المتجددة، إنما استخدام مزيج من مصادر الطاقة التقليدية إلى جانب الطاقة المتجددة، وبنسب تختلف من بلد إلى آخر، وفقا لدرجة النمو الاقتصادي والثراء وقدرة المجتمع على تحمل التكلفة الاقتصادية لهذا المزيج.
بطبيعة الحال لا يقبل أنصار الطاقة المتجددة وجهة النظر تلك، ويشيرون إلى بعض التحليلات الحديثة التي تشير إلى أن تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية تتناقص بسرعة كبيرة، وأنها أرخص من الفحم الآن.
ويشير هؤلاء إلى أن تكلفة إنتاج ميجا واط/ ساعة من الكهرباء تبلغ نحو 50 دولارا للطاقة الشمسية مقارنة بـ102 دولار لكل ميجا واط/ ساعة من الكهرباء المنتجة عن طريق الفحم.
ويقول المدافعون عن الطاقة المتجددة “إن الانخفاض السريع في تكلفة الطاقة الشمسية، علامة على أن العالم قد يكون على وشك مشاهدة تغيير كبير في أنماط استخدام الطاقة في الحياة اليومية، وسط توقعات أن يؤدي انخفاض الأسعار إلى تحفيز التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة”، ويكشف تقرير صدر حديثا للأمم المتحدة أن قطاع الطاقة الشمسية جذب استثمارات بقيمة 160.8 مليار دولار عام 2017 بزيادة 18 في المائة عن عام 2016.
مع هذا فإن البعض يشير إلى أنه في الوقت الذي تصبح فيه الطاقة الشمسية أرخص، فإنه لا يؤخذ في الحسبان عادة بعض التكاليف الخارجية، التي تؤدي إضافتها إلى اختلاف النتيجة النهائية، عند احتساب إجمالي التكاليف، فمثلا تخزين الطاقة الشمسية لاستخدامها في الأيام الملبدة بالغيوم، هي واحدة من العقبات الكبيرة التي تحول دون الاعتماد على الطاقة الشمسية على نطاق واسع، خاصة في دول شمال غرب أوروبا الثرية وكندا، ما يرفع من التكلفة النهائية للاستخدام.
بينما لا تعاني مصادر الكهرباء المتولدة من الوقود الأحفوري من المشكلة نفسها على سبيل المثال.
وبالطبع فإن مشكلة التخزين تلك تجعل من الصعب على الاقتصادات النامية اعتماد أنظمة طاقة متجددة بالكامل.
لكن الباحثة الاقتصادية هالو ديمن إحدى أبرز المدافعات عن ضرورة التحول إلى الطاقة المتجددة، تشير إلى أن الآفاق الاستثمارية في الطاقة المتجددة ستكون أحد عوامل الجذب الرئيسة لتحول الاقتصاد العالمي بشكل متزايد وسريع إلى استخدامها.
وتقول لـ”الاقتصادية”، “بالنسبة إلى الشركات – خاصة ذات الطابع الدولي – سيكون الأكثر ربحية التحول إلى الطاقة المتجددة، فتقرير الوكالة الدولية للطاقة يشير إلى إمكانية العالم تثبيت أكثر من تريليون واط من الطاقة المتجددة بين عامي 2018 – 2023 أي أكثر من قدرة التوليد الحالية للاتحاد الأوروبي ككل”.
وتضيف “بالتوازي مع انخفاض تكلفة بناء منشآت مولدة للطاقة المتجددة، تراجع سعر الطاقة المتجددة بشكل كبير، ما يجعلها بديلا أكثر تنافسية للوقود الأحفوري. فمنذ عام 2012 انخفضت تكلفة توليد طاقة الرياح البرية بنسبة 41 في المائة لتبلغ 50 دولارا لكل ميجا واط / ساعة، وانخفضت تكلفة إنتاج الرياح البحرية بنسبة 64 في المائة لتصل إلى 89 دولارا لكل ميجاواط / ساعة، وبالنسبة إلى توليد الطاقة الشمسية تراجعت التكلفة بنسبة 70 في المائة إلى 57 دولارا لكل ميجا واط / ساعة”.
وحول القدرة التخزينية لا ينفي المهندس أرثر لويس المختص الفني في شركة بريتش غاز، أن تلك مشكلة رئيسة تضعف عملية التحول إلى الطاقة المتجددة.
ويؤكد أن التخزين الأفضل يعني أن الطاقة الكهربائية المتولدة يمكن الحفاظ عليها بكمية كافية عندما لا تكون الشمس مشرقة أو الرياح لا تهب، مبينا أنه بحلول عام 2030 من المتوقع أن تكون البطاريات الموفرة للطاقة المتجددة أرخص بنسبة 67 في المائة مقارنة بالأسعار الحالية.
وسيرتبط هذا من وجهة نظره بتقنيات مثل تخزين الطاقة ومحطات طاقة افتراضية، واستجابة الطلب، التي يمكن أن تساعد على تهدئة الطبيعة المتقطعة للطاقة المتجددة وتوفر توصيلا أكثر اتساقا للطاقة.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق