متنوع

هل بالفعل تتحول الصين من اقتصاد “الكم” إلى “الكيف”؟

على الرغم مما ألحقته الحروب التجارية من ضرر، إلا أن الاقتصاد الصيني تمكن في النهاية من تحقيق معدلات نمو فاقت التوقعات، على الرغم من تباطئه مقترباً من 6%، إلا أن الاقتصاد بدا “متماسكًا” حيث تلافى خسائر متوقعة أكبر بكثير مما تكبده على أرض الواقع.

تغييرات هيكلية

ولعل السبب وراء ذلك هو سلسلة من التغييرات الهيكلية في الاقتصاد الصيني، التي سمحت له بأن يصمد في مواجهة العقوبات الأمريكية التي تضر بعلاقة الصين مع شريكها التجاري الأكبر، بما يجعل الضرر كبيراً للغاية خاصة مع ميل الميزان التجاري لصالح الصين.

ويمكن القول إن صمود الصين نتيجة السياسات التي أقرتها الدولة الشيوعية في سبعينيات القرن الماضي، بالانتقال التدريجي من الاقتصاد المُدار مركزيًا إلى اقتصاد تتمتع فيه الدولة بدور لكنه أقل حجمًا من الاقتصاد الخاص.

وكان التركيز الصيني المبدئي على الكم على حساب الكيف ضارًا للغاية ببكين، بل وبغيرها، حيث تشير دراسة لمنظمة العمل الدولية إلى أن نسبة كبيرة من البطالة في الدول النامية، تصل إلى 35% من نسبة البطالة في دول أمريكا اللاتينية، ترجع إلى إنتاج بكين “الرخيص والضخم”، بينما عانت الصين نفسها من استنزاف مواردها الطبيعية بصورة كبيرة.

وتشير دراسة للأمم المتحدة أنه بعد 10 سنوات من إقرار الصين لسياساتها في التحول الاقتصادي، وتحديدًا في عام 1985 تمكنت بكين من مضاعفة ربحيتها من التجارة الخارجية بنسبة وصلت إلى أربعة أضعاف (من 3% إلى 12%) بما يوحي بتطور عظيم في هذا الإطار.

تحول تدريجي

ومع استمرار توغل القطاع الخاص، واستمرار الشركات الحكومية في لعب دور رئيس، بدت الصين في موضع يسمح لها بالانتقال التدريجي من الاقتصاد الكمي إلى الكيفي، أو بالأحرى في الجمع بينهما (بما جعل آثار الإنتاج الرخيص والضخم مستمرة على الدول النامية).

وعلى سبيل نمت الصادرات الصينية من 2.41 تريليون دولار عام 2017 إلى  2.48 تريليون دولار عام 2018، وفقًا لبيانات منظمة التجارة العالمية، أي أن نسبة النمو وصلت إلى قرابة 3%، وذلك على الرغم من تراجع الصادرات من حيث الكم بنسبة 0.5% بما يؤكد ارتفاع القيمة المضافة للمنتجات الصينية.

ويتفق ذلك مع استعراض تطور قائمة الصادرات الصينية، حيث بدأت بالهدايا التذكارية والأجهزة الكهربائية ضئيلة السعر متدنية الجودة والتجهيزات المكتبية ومنتجات البلاستيك، لتتوسع وتشمل السيارات، التي ارتفعت جودتها تدريجيًا، والجوالات وبعض الأجهزة التكنولوجية الحديثة مثل أجهزة الرؤية ثلاثية الأبعاد.

والشاهد أن الحروب الاقتصادية تبدو كما لو كانت تدفع الصين للمزيد من التطوير فيما تقدمه، ولعل ذلك يبرز في اضطرار شركة “هواوي” لتقديم نظام تشغيلها الخاص لمواجهة العقوبات الأمريكية، وإعلان الحزب الحاكم نفسه نيته تسريع وتيرة تنفيذ “طريق الحرير” التي تتضمن بالأساس خطة للانتقال لإنتاج الكيف بدلًا من الكم.

من الاختيار للاضطرار

وتشير دراسة لجامعة “يل” إلى أن تسمية الصين بـ”مصنع العالم” لا تحمل أية مبالغة، في ظل تقديرات تشير إلى إنتاج 60% من الرقائق الإلكترونية في الصين، فضلًا عن المنتجات الصناعية التي تتفوق فيها بكين تقليديًا مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية الصغيرة، بما يوحي بأن “مصنع العالم” يتطور بوضوح.

ولعل هذا هو ما دفع  “ماكنزي” إلى التحذير من قدرة الصين على “التحول السريع جدًا” إلى اقتصاد الكيف بدلًا من اقتصاد الكم، في ظل إنتاج المصانع الصينية لكافة أجزاء المنتجات الإلكترونية المعقدة، بما يجعلها في حاجة فقط لتجميع الأخيرة، مثلما حدث مع “هواوي” في مراحلها الأولى التي استفادت من وجود موردين قريبين يسهل التفاهم معهم.

وتشير دورية “ساوث شاينا” الصينية (المقربة من الحزب الحاكم) إلى أن الصين اتخذت قرارًا لا رجعة فيه بخصوص زيادة القيمة المضافة لمنتجاتها والانتقال من الكم إلى الكيف، لتبدو الضغوط الأمريكية في هذا الصدد بمثابة “تحفيز” لبكين على ضرورة الإسراع بخطتها التي كان من المنتظر الانتهاء منها بحلول 2030 لتصبح خطة عاجلة واجبة الانتهاء خلال 3-5 أعوام.

ويبدو مما سبق أن القرار الصيني السابق- الحالي بتغيير طبيعة الإنتاج أصبح “اضطراريًا” وليس خيارًا ليبقى السؤال عما إذا كانت بكين ستنجح في إحداث هذا التغير أم لا؟

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق