البنوك

الفائدة السلبية والتسهيل الكمي .. هل هما ترياق التضخم العنيد؟

قرار ماريو دراجي استئناف جهود التحفيز الاقتصادي للبنك المركزي الأوروبي أثار انتقادات شديدة وكشف انقسامات عميقة بين القيادات العليا في المؤسسة.
إعلان يوم الخميس أن البنك المركزي سيخفض أسعار الفائدة أكثر لتصبح في المنطقة السلبية ويستأنف برنامج التسهيل الكمي لشراء السندات بقيمة 2.6 تريليون يورو، قوبل بحالة من الغضب من أولئك الذين يقولون إن هذه التدابير عاقبت المدخرين الحذرين في الوقت الذي غذت فيه فقاعات أصول محتملة في الإسكان وأسواق الأسهم والسندات.
إحدى الصحف الألمانية اتهمت دراجي بأنه “كونت دراجيلا” الذي “يمتص حساباتنا المصرفية حتى تصبح فارغة”. والأهم من ذلك بالنسبة لمستقبل صنع السياسة في الكتلة، كانت هناك مقاومة داخل مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي نفسه.
ما يصل إلى تسعة من أعضاء المجلس البالغ عددهم 25 عضوا – الهيئة الرئيسية لتحديد سعر الفائدة في البنك المركزي الأوروبي – عارضوا حزمة التحفيز في اجتماع يوم الخميس، حسبما قال مسؤول كبير في البنك المركزي الأوروبي.
قال دراجي للصحافيين إن هناك “أغلبية واضحة” مؤيدة لقرار الحزمة. وأضاف أن “درجة كافية من التسهيل النقدي” كانت ضرورية من أجل “التقريب المستدام والمستمر للتضخم إلى مستويات أقل، لكن قريبة، من 2 في المائة على المدى المتوسط”.
يوم الجمعة، انتقد كلاس نوت أحد أعضاء المجلس، ورئيس البنك المركزي الهولندي، هذه السياسة ووصفها بأنها “غير متناسبة” وقال إنه يشك في فاعليتها. المعارضة العلنية أمر نادر الحدوث في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي الذي يفضل اتخاذ قرارته بالإجماع.
في بيان على موقع البنك المركزي الهولندي قال نوت: “هذه الحزمة الكبيرة من التدابير، ولا سيما إعادة تشغيل (برنامج شراء الأصول)، لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية”.
يوم الجمعة أيضا، سئل روبرت هولزمان محافظ البنك المركزي النمساوي – وهو عضو آخر في المجلس – عما إذا كان البنك المركزي الأوروبي قد ارتكب خطأ، فقال لتلفزيون بلومبيرج: “أنا متأكد من أن هذه الفكرة خطرت في ذهن بعض الأشخاص وهي بالتأكيد خطرت في بالي”.
صحيفة “بيلد تسايتونج” الألمانية عكست عدم ثقة الأمة الراسخ بالسياسة النقدية الفضفاضة لدراجي عندما كتبت أن “رعب المدخرين الألمان مستمر”. ويعد ينس فيدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، أحد أكثر الأعضاء تشددا في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي.
فيدمان شخصيا أخبر “بيلد تسايتونج” يوم الجمعة أنه يعتقد أن دراجي “تجاوز الحدود”، بينما وعد بضمان عدم وجود تأخير غير ضروري في رفع أسعار الفائدة مرة أخرى.
قال: “إن الوضع الاقتصادي ليس سيئا للغاية، فالأجور تنمو بقوة، وشبح الانكماش – أي استمرار تقلص الأسعار والأجور – لا يمكن رؤيته في أي مكان”.
هذا الرأي عبرت عنه جميع الأطياف السياسية في ألمانيا.
هانز ميشيلباخ، عضو في البرلمان عن حزب يمين الوسط، الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وهو منتقد منذ فترة طويلة لسياسة دراجي، قال: “البنك المركزي الأوروبي يعطي جرعة أعلى من الدواء نفسه الذي لم ينجح في الماضي”.
“(الأموال الرخيصة وشراء السندات) لا تشجع سوى المضاربة، ورفض الإصلاحات، وسياسة مالية غير سليمة”. وأضاف: “لكن ما نحتاج إليه لتحفيز النمو في منطقة اليورو بكاملها هو الإصلاحات الهيكلية وسعر الفائدة الذي يتماشى مع السوق، الأمر الذي يقلل أيضا من المخاطر”.
فابيو دي ماسي، عضو برلمان بارز في حزب دي لينك، اليساري المتشدد، قال: “الزيادة في أسعار الفائدة السلبية على المصارف لن تحقق شيئا ولن تفرض عمليات إقراض مصرفية أكبر”.
المعارضة لبدء عملية التسهيل الكمي مرة أخرى جاءت أيضا من أعضاء أكثر اعتدالا في مجلس البنك المركزي الأوروبي.
أثار كل من فرانسوا فيليروي دي جالهاو، محافظ البنك المركزي الفرنسي، وبينوا كورى، عضو المجلس التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي، مخاوف في اجتماع يوم الخميس من أن مزيدا من عمليات شراء السندات لن تؤثر كثيرا في تقليل أسعار الفائدة المنخفضة بالفعل، وذلك وفقا لمسؤولين في البنك المركزي الأوروبي. وكلاهما رفض التعليق.
البنك المركزي الأوروبي أخفق كذلك في إيجاد مستمع متعاطف بين المستثمرين. فقد كان يأمل في فرض ضغط نزولي على عوائد السندات بتغيير توجيهه بشأن المدة التي ستستغرقها أسعار الفائدة قبل أن تبدأ في الارتفاع مرة أخرى. لكن الأسواق المالية لم تستجب.
سندات الخزانة الألمانية لأجل عامين عانت أكبر عمليات بيع منذ نحو أربعة أعوام، فيما ارتفعت العوائد نحو 14 نقطة أساس، في حركة وصفها استراتيجيو “دويتشه بانك” بأنها “صادمة جدا”.
المؤشر المرجعي لعائد السندات الألمانية لأجل عشرة أعوام ارتفع إلى أعلى مستوى له خلال ستة أسابيع عند سالب 0.45 في المائة، في حين بلغت عائدات السندات السيادية الفرنسية والهولندية أعلى مستوياتها خلال ستة أسابيع.
إيلجا بارتش، رئيسة البحوث الاقتصادية والأسواق في شركة بلاك روك، قالت إن البنك المركزي الأوروبي تجاوز توقعات السوق في عدد من المجالات. لكنها أضافت أن “خفض أسعار الفائدة على الودائع كان أقل مما توقعه مراقبو البنك المركزي الأوروبي، كما أن الوتيرة الشهرية لشراء الأصول كانت أقل من الإجماع”.
نظام التدرج في البنك المركزي الأوروبي – الذي تم تطبيقه لحماية المصارف من الآثار الجانبية المدمرة لأسعار الفائدة السلبية – ربما يكون قد أسهم في زيادة العوائد، لأن المصارف ربما تضع الآن نسبة أقل من احتياطياتها الفائضة في سندات قصيرة الأجل.
بعض كبار مسؤولي البنك المركزي الأوروبي جادلوا في اجتماع يوم الخميس بأن بدء التسهيلات الكمية من جديد يمكن أن يأتي بنتائج عكسية من خلال تقليل توقعات السوق التي تشير إلى مزيد من تخفيضات أسعار الفائدة، وبالتالي رفع عوائد السندات قصيرة الأجل، ما يقلل من فعالية الحزمة بمجملها.
آخرون يخشون أن ذحيرة البنك المركزي آخذة في النفاد لأن سياساته لها تأثير متناقص، حيث أصبحت أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة بالفعل.
قال نوت إن اقتصاد منطقة اليورو ببساطة لا يعاني بما يكفي لتبرير الاستخدام لمثل هذه التدابير السياسية غير التقليدية. “شروط التمويل للمستهلكين والشركات والحكومات تعد ميسرة للغاية ولا تشكل أي عائق أمام العرض الائتماني أو الاستهلاك أو الاستثمار”.
كذلك حذر نوت من أن “هناك علامات متزايدة على ندرة الأصول منخفضة المخاطر، والتسعير المتغير في الأسواق المالية، والسلوك المفرط الباحث عن المخاطر في أسواق الإسكان”.
هذا يترك عددا متزايدا من الناس يتساءلون عما إذا كانت أسعار الفائدة السلبية والتسهيل الكمي هي التدابير السياسية الصحيحة لمعالجة التضخم المنخفض العنيد.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق