البنوك

البنوك المركزية تعيد النظر في أدوارها

قبل 16 عاما، خاض بن برنانكي، الذي كان آنذاك محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في الفكرة الغامضة حول استقلالية البنك المركزي.
خلال رحلة إلى اليابان، أخبر مضيفيه أنه “في مواجهة التضخم (…) ميزة البنك المركزي المستقل تتمثل في قدرته على قول لا للحكومة”.
لكنه أعلن فيما بعد أن الوضع يتغير “مع الانكماش المطول”، الذي كانت اليابان في خضمه، بحيث تصبح هناك حاجة إلى “موقف أكثر تعاونا” من قبل البنك المركزي مع الحكومة. وذكر: “أن وجود تعاون أكبر لبعض الوقت (…) مع السلطة المالية لا يتعارض مع استقلالية البنك المركزي بأي حال من الأحوال”.
يجدر التفكير في هذه الكلمات مجددا في عام 2019 – لكن ليس في اليابان فقط. خلال العقد الماضي، كان برنانكي بطل استقلالية البنك المركزي الغربي. عندما شغل منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2014، دافع بحماس كبير عن استقلالية البنك المركزي الأمريكي.
في الشهر الماضي أعلنت “عصابة الأربع” المكونة من رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين – برنانكي، وجانيت ييلين، وألان جرينسبان، وبول فولكر – أنهم “متحدون في الاقتناع بضرورة السماح للاحتياطي الفيدرالي ورئيسه بالعمل بشكل مستقل”. يعود هذا الموقف إلى الهجمات الأخيرة التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على خليفتهم، جاي باول. (أحدث مثال: الآن، ترمب يصف باول والمحافظين الآخرين بأنهم “حمقى” لعدم خفضهم أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر).
مع ذلك، هناك مفارقة كبيرة هنا. حتى في الوقت الذي يسارع فيه محافظو البنوك المركزية إلى إعلان استقلاليتهم، يدور جدل في الأوساط المالية حول الأفكار التي أثارها برنانكي في خطاب عام 2003. وهذا لا يعني أن الاحتياطي الفيدرالي سيرضخ تلقائيا لمطالب ترمب بشأن أسعار الفائدة.
السبب في ذلك هو أن القضية التي على المحك ليست ما يثير غضب الرئيس – أسعار الفائدة الرسمية – بل “تعاون أكبر” من جانب برنانكي في مجالات السياسة الحاسمة الأخرى.
يحتاج المستثمرون إلى مراقبة هذا الجدال، خاصة إذا بدأ العالم في العودة إلى ركود جديد. للتعرف على ذلك، يجدر الاطلاع على اقتراح طرحه الأسبوع الماضي فيليب هيلدبراند، محافظ البنك المركزي السويسري السابق، الذي يعمل الآن في “بلاك روك” BlackRock. بعبارات صريحة على نحو غير معتاد، يشير هيلدبراند إلى أن سياسة البنك المركزي أصبحت الآن منهكة للغاية وضعيفة – في عالم أصبحت فيه سندات بقيمة 17 تريليون دولار تحمل الآن عوائد سلبية، فإن ذلك يعني أنه “في فترة الركود المقبلة، ستكون هناك حاجة إلى إطار سياسة مختلف”.
من وجهة نظر هيلدبراند، سيتضمن ذلك جهودا “لوضع أموال البنك المركزي في أيدي المنفقين من القطاعين العام والخاص بدلا من الاعتماد على حوافز أسعار الفائدة المنخفضة”. ويشير إلى أن هذا النوع من الإعانات المباشرة، أو الدعم المالي “سيتطلب بالتأكيد تنسيقا أوثق بين السلطتين المالية والنقدية”. مثل هذه الخطة لا تتوافق مع الاستقلالية التامة.
للوقوف على تلميح آخر يدل على الروح المتغيرة للعصر، دعونا نلقي نظرة على مذكرة صدرت قبل أربعة أشهر من قبل راي داليو، مؤسس صندوق التحوط “بريدجووتر”، بعنوان “حان الوقت لننظر بعناية أكبر في ’السياسة النقدية 3‘ و’النظرية النقدية الحديثة‘”. بنى داليو مسيرته المهنية باعتباره رأسماليا سريع الانفعال وتاجرا حرا. لكنه يعتقد أيضا أن البنوك المركزية استنفدت الآن الأدوات النقدية التقليدية إلى درجة أننا سنرى “سلسلة متواصلة من السياسات النقدية والمالية المنسقة” في فترة التراجع التالية.
قد يتخذ هذا الأمر شكل “أموال الهليكوبتر”، بمعنى أن البنك المركزي يؤيد توزيع النقد عبر الإنفاق العام أو التخفيض الضريبي. مع ذلك، فإن داليو يستعد أيضا للاعتماد المحتمل للنظرية النقدية الحديثة – وهي مفهوم جديد وضعه خبراء الاقتصاد اليساريون (في الغالب) لزيادة الطلب ودفع التضخم إلى هدف محدد مسبقا يتم تمويله من قبل بنك مركزي غير نشط اضطر للحفاظ على أسعار الفائدة عند الصفر. ويحذر قائلا: “نحن نتجه إلى تنسيق السياسة المالية والنقدية وهو شكل لم نشهده من قبل في حياتنا”.
لا ينبغي أن يصدم هذا التوقع المؤرخين. لاحظت دراسة صادرة عام 2013 من قبل الاقتصاديين، بول مكوللي وزولتان بوزار، أن التاريخ يظهر أن “الهيمنة المالية واستقلالية البنك المركزي تأتيان في دورات طويلة الأجل” – واستقلالية البنوك المركزية أمر حديث إلى حد ما.
سيخيف هذا الأمر بعض صانعي السياسة والمستثمرين، بالنظر إلى أن استقلالية البنك المركزي كانت ركيزة أساسية للاستقرار المالي. حسبما يقر داليو، في عالم شعبوي من غير الواضح ما إذا كانت الهياكل الحكومية الحالية ستكون قادرة على تقديم هذا التعاون بسلاسة، بالسهولة التي أشار إليها برنانكي في عام 2003. أنا أؤيد ذلك أيضا. لكن ربما يتعين على برنانكي تحديث ورقته وتقديم بعض النصائح الملموسة.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق