متنوع

الرأسمالية بحاجة إلى الشمولية لإنقاذها من وحشيتها الذاتية

لا تبدو على مارتي ليبتون ملامح الثوري الأمريكي. في سن الـ88، نادرا ما يرى من دون بدلة مكوية بعناية وربطة عنق أنيقة.
تفوح من سيرته الذاتية قوة وول ستريت. في عام 1965 شارك في تأسيس شركة واكتل وليبتون وروزن وكاتز، وهي واحدة من أعلى مجموعات المحاماة المختصة في الشركات الأمريكية مكانة وأكثرها ربحا، وهو يشتهر باختراعه في عام 1982 لـ”حبة السم” – وهي آلية قانونية تستخدمها مجالس الشركات لمنع عمليات الاستحواذ.
نجلس على مائدة الغداء في نادي روكفلر سنتر، وهو مكان النخبة في الطابق 65 من مركز روكفلر، حيث يستطيع سماسرة القوة الاقتصادية في مانهاتن تناول الطعام أثناء التحديق في المدينة المزدحمة أدناه.
ويقول لي حينها: “أنا أؤمن بالرأسمالية. أنا أؤمن بنظامنا المالي”.
من الأماكن المرتفعة التي مثل هذا المكان كان ليبتون يخوض معركة مستمرة منذ عقود مع أجزاء من المؤسسة السياسية الأمريكية.
السبب ورقة كتبها في عام 1979 بعنوان “عروض الاستحواذ في مجلس إدارة الشركة المستهدفة”، التي طرحت فكرة ثورية آنذاك: على قادة الشركات والمستثمرين أن يتوقفوا عن التركيز على عوائد المساهمين على المدى القصير، وأن يسعوا بدلا من ذلك وراء القيمة طويلة الأجل: لأصحاب المصالح مثل الموظفين والعملاء والمجتمعات المحلية.
في أوروبا القارية أو اليابان، التي تتبنى منذ فترة طويلة نموذجا من الرأسمالية أكثر تركيزا على أصحاب المصالح، ربما لم تكن فكرة ليبتون مثيرة للجدل إلى هذا الحد.
ومع ذلك أثارت ورقته في الولايات المتحدة هجمات حادة من محامين وأكاديميين ومستثمرين آخرين.
قال ليبتون بضحكة مكتومة حول أدوات روكفلر الفضية: “لا أحد يريد أن يستمع”.
التاريخ يمكن أن يتحرك بطرق غير متوقعة. في الشهر الماضي، أصدر 181 من الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين “بيانا جماعيا حول الغرض من الشركة” تخلى عن التزامهم الطويل بأولوية المساهمين.
بدلا من ذلك، تعهدت المجموعة التي نظمتها “المائدة المستديرة للأعمال” تحت قيادة جيمي دايمون، رئيس بنك جيه بي مورجان: “بالتزام أساسي لجميع أصحاب المصالح لدينا”.
هذه الخطوة أسعدت النشطاء الاجتماعيين والبيئيين. إلا أنها أغضبت بعض الاقتصاديين والمستثمرين، الذين أعلنوا أن الشركات سيقذف بها في معمعة من الفوضى والحيرة القانونية.
اتهم النقاد اليمينيون “المائدة المستديرة للأعمال” بتحطيم رؤية أمريكا لرأسمالية السوق الحرة، بينما اتهم السياسيون اليساريون، مثل بيرني ساندرز، التنفيذيين بالنفاق بالنظر إلى مستويات أجورهم التي تصل إلى عنان السماء.
المعركة تترك كثيرا من الأسئلة معلقة. لماذا تشكك المؤسسة السياسية الأمريكية في الرأسمالية الآن؟
هل يمكن لوول ستريت أن يتبنى رؤية ليبتون التي كانت نوعا من الزندقة في الماضي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يمكن أن يعني هذا بالنسبة للنمو، وللموجة الحالية من الشعبوية؟
يوضح ليبتون: “طرحت أفكاري على أصحاب المصلحة لإنقاذ الرأسمالية – وليس تدميرها. إذا لم نتصرف الآن، فلا أعتقد أن الرأسمالية ستكون موجودة خلال الـ50 عاما المقبلة”.
إذا كنت تريد أن تفهم ما هو على المحك في هذا النقاش، فمن المفيد التفكير في المعنى الأصلي لكلمة “الشركة”.

أصل كلمة شركة
اليوم، هذا يستحضر صورا للميزانية العمومية وهوامش الأرباح. “الشركة” تنشأ فعليا من كلمة مجتمع compagnie التي ترجع إلى القرن الثاني عشر في فرنسا، وقد تعني “صداقة حميمية أو كتيبة من الجنود”، التي تنحدر من الكلمة اللاتينية المتأخرة companio: ” الشخص الذي يتقاسم الأكل معك”.
بمعنى آخر، كانت التجارة مرادفة في البداية للروابط الاجتماعية.
بقي هذا المعنى الأصلي معمولا به لعدة قرون. لذلك عندما كتب آدم سميث، المفكر الاسكتلندي في القرن الـ18، كتبه عن “اليد الخفية”، لم ير أي تناقض بين كتاب “ثروة الأمم” الذي يتحدث عن الأسواق وكتاب “نظرية المشاعر الأخلاقية” الذي يتحدث عن الفلسفة الأخلاقية.
في القرن الـ20 تغير معنى “الشركة”. والسبب ميلتون فريدمان وهو رجل كان على النقيض من ليبتون: أستاذ الاقتصاد الحائز جائزة نوبل.
في عام 1962، نشر فريدمان كتابا بعنوان “الرأسمالية والحرية”، أكد فيه أن الشركة ليست لديها “مسؤولية اجتماعية” تجاه الجمهور أو المجتمع، بل أمام مساهميها فحسب.
أو كما أوضح في مقال نشر في السبعينيات: “في نظام الملكية الحرة الخاص، يكون التنفيذي في الشركة موظفا لدى مالكي الشركة، مسؤوليته الأساسية أمامهم”.
أثار المقال ثورة أوسع. في السياسة، استخدم رونالد ريجان ومارجريت تاتشر النصح من فريدمان لإطلاق سياسات راديكالية في السوق الحرة.
في مجال الشركات، توقفت مجالس الإدارات في الولايات المتحدة وبريطانيا عن افتراض أن على الشركات استثمار الإيرادات في أعمالها (التي كانت شعار الجناح الإداري في أوائل القرن الـ20)، وبدأت في التركيز على مدفوعات أرباح الأسهم للمساهمين.
في الجامعات، أعلن الاقتصاديون مثل يوجين فاما أن الأسواق الحرة هي المحرك الوحيد الصحيح للنمو والقيمة، في حين أصر أساتذة القانون مثل لوسيان بيبشوك على أنه ليس من حق مجالس الشركات أبدا أن تنسخ قرارات المستثمرين، مهما كانت نظرتهم قصيرة المدى.
في وول ستريت، استغل جيش جديد من الممولين والمحامين والاستشاريين النموذج الجديد لإنشاء شركات مزدهرة تدير الأسهم، مع ظهور قطاع تقاعد مشترك جديد وصناديق استثمار.
ثم بدأت موجة من عمليات الاستحواذ العدائي والغارات التي قامت بها الشركات، حيث اقتنص الممولون أسهم الشركات الضعيفة لاستخراج القيمة.
كان هؤلاء المغيرون يعملون تحت علم فريدمان وسميث، والأخير ربما كان يتقلب في قبره من الألم.
في كانون الثاني (يناير) 1979، أطلقت شركة أميركان إكسبريس عرضا عدائيا بقيمة 880 مليون دولار لشراء شركة ماكجرو هيل للمعلومات. تم التعاقد مع ليبتون للدفاع عن شركة ماكجرو هيل.
كانت لحظة حاسمة بالنسبة إلى وول ستريت – وحياة ليبتون المهنية.
ولد ليبتون في حقبة الكساد عام 1931، لعائلة متواضعة من ولاية نيو جيرسي، وعندما شارك في تأسيس شركته القانونية، بدا أنه في وضع لا يؤهله لإحداث هزة واسعة في وول ستريت.
ثم وجد سوقا متخصصة تعمل في تقديم المشورة للشركات التي تتعامل مع المغيرين. كان هذا في جزء منه قرارا يدل على الذكاء في عالم الأعمال، لكن ليبتون كان يحب أيضا أن يقدم نفسه كمدافع عن قيم الأعمال القديمة:
حتى اليوم تستقبل شركته موظفيها “بالمصافحة” وتعمل من مكتب واحد مع 270 محاميا، الذين يتناولون طعام الغداء معا كل يوم ثلاثاء.
إن لديها هيكلا ثابتا للأجور بمعايير وول ستريت، رغم أن الدخل بحسب ما ورد هو في المتوسط أعلى على نحو لا يستهان به من خمسة ملايين دولار لكل شريك.
يقول ليبتون أحيانا: “المال ليس هو السبب وراء عمل الناس هنا”.
عندما نظر ليبتون إلى عرض شركة أميركان إكسبريس العدائي في عام 1979، كان يعلم أن المال كان مهما بالتأكيد.
نظرا لأن عرض شركة أميركان إكسبريس منح المساهمين مكسبا سريعا وفوريا، فإن عقيدة فريدمان كانت تنطوي على أنه يجدر بالمساهمين قبوله.
على أن مجلس إدارة ماكجرو هيل أصر على أن العرض من شأنه أن يحطم القيمة طويلة الأجل للشركة، فهل كانت هناك أي طريقة لوقف هذا؟

توجيه السهام إلى فريدمان
قرر ليبتون أن أفضل طريق له هو مهاجمة فريدمان مباشرة. في مقاله المعنون “عروض الاستحواذ” تساءل عما إذا كان ينبغي “تعريض المصالح طويلة الأجل لنظام الشركات والاقتصاد الأمريكي للخطر، من أجل إفادة المضاربين المهتمين ليس بحيوية واستمرار وجود المؤسسة التجارية، بل لأجل تحقيق ربح سريع من بيع تلك الأسهم؟”.
في النهاية، أسقطت شركة أميركان إكسبريس العرض. وفي عام 1985 أصدرت إحدى المحاكم في ولاية ديلاوير – التي تشكل تمويل الشركات الأمريكية نظرا لأن مقار عدد كبير للغاية من الشركات موجودة في الولاية – أحكاما بشأن قضايا تتعلق بشركة يونكال آند هاوسهولد إنترناشيونال Unocal and Household International التي دعمت جزئيا موقف ليبتون.
أي شعور بالنصر كان قصير الأجل. أصدرت محكمة ولاية ديلاوير حكما مرتبطا بشركة “ريفلون” الذي أيد أولوية المساهمين، وفي عام 1992 أدخلت لجنة الأوراق المالية والبورصات قواعد عززت نشطاء حملة الأسهم.
بدأ المستثمرون المؤسسون في الاستعانة بمصادر خارجية بخصوص قراراتهم التصويتية لخدمات الوكلاء المتخصصة، التي تتمثل مهمتها الوحيدة في زيادة عوائد المساهمين. في عام 1994، عززت إصلاحات صناعة المعاشات أكثر من ذي قبل فكرة سيادة المساهمين.
وهكذا مع بداية القرن الـ21، بدا مفهوم أسبقية المساهمين راسخا أكثر من أي وقت مضى.
ورفض منتقدو ليبتون حملته القوية على أنها مجرد موقف تسويقي لمصلحته الذاتية وأصروا على أن رغبته في الدفاع عن قادة الشركات في جميع الأمور – حتى مع أجورهم التي تصل إلى عنان السماء – هي غير ديمقراطية.
يصر بيبشوك، الذي غالبا ما تبادل كلمات مريرة مع ليبتون، على أن: “حقوق المساهمين ضرورية لمحاسبة المديرين وأعضاء مجلس الإدارة”.
علاوة على ذلك، بدا أن معسكر فريدمان يؤيده التاريخ: لم تنتصر رؤية أمريكا للرأسمالية على الاشتراكية السوفياتية فحسب، بل إنها كذلك أطلقت العنان لنمو أقوى بكثير من النمو في اليابان وأوروبا القارية، التي تحترم أصحاب المصلحة أكثر.
ومع ذلك، كما هو الحال في التاريخ، كانت لحظة انتصار مذهب فريدمان عندما زرعت بذور الشك.
شهدت هذه الأعوام اندلاع طفرة مالية جامحة، مدفوعة بالائتمان الرخيص، وتحرير الأنظمة، وعقد الصفقات والإيمان بأن الأسواق الحرة ستحل جميع المشكلات.
الوفرة الهائلة للأسواق جعلت البعض يشعر بعدم الارتياح، حتى في وول ستريت.
خذ قصة جاي كوين جلبرت وأندرو كاسوي، صاحب مشاريع أمريكي وممول على التوالي.
في التسعينيات، شارك جلبرت في تأسيس شركة ملابس ومعدات كرة السلة تدعى آندي AND1، التي بيعت بمبلغ ضخم لشركة أميركان سبورتينج جودز American Sporting Goods في عام 2005.
بدت الصفقة مثالا كلاسيكيا على النجاح الرأسمالي الأمريكي، لكن جلبرت شعر بالرعب من رؤية أنه بمجرد إتمام الصفقة، أعاد المالكون الجدد هيكلة الشركة لتحقيق عوائد سريعة، ما أضر باستراتيجيتها طويلة الأجل.
هل كان من الممكن منع ذلك؟ ليس بموجب قوانين ولاية ديلاوير، على ما يبدو. تعاون جلبرت مع كاسوي لطرح فكرة جديدة: لماذا لا نوجد بنية قانونية جديدة لحماية أصحاب المصالح؟ وكما يقول كاسوي: “أردنا إعادة تعريف مفهوم الشركة”.
في عام 2006 أطلقا هذا الهيكل القانوني الجديد، الذي أطلق عليه اسم “شركة المنفعة” بتفويض من محاكم ديلاوير، ما أدى إلى إنشاء إطار قانوني للشركات يفرض على المديرين ليس فقط السعي وراء المقاييس المالية (للمساهمين)، بل كذلك الأهداف البيئية والاجتماعية.
كان يبدو أن التوقيت سيئ للغاية. خلال طفرة الائتمان، قلة من تنفيذيي الشركات كانوا يريدون تغيير الأمر الواقع. وبعد أن انفجرت تلك الفقاعة في عام 2008، كان هناك حتى عدد أقل من قبل ممن لديهم الطاقة للاعتراض على الهياكل القانونية.
بحلول عام 2011 كان كاسوي يلاحظ شيئا غريبا: رغم أن عددا قليلا نسبيا من الشركات الكبيرة حولت نفسها فعليا إلى شركات منفعة، إلا أن كثيرا منها بدأ يتبنى مقاييس شركة المنفعة من أجل تقييم أدائها بشأن العوامل غير النقدية. يتذكر كاسوي: “تنبهت الشركات فجأة وأخذت تنظر إلى الطرق التي تقيس بها أنفسها”.
لماذا؟ أحد الأسباب كان أن الأزمة المالية لعام 2008 أضعفت الإيمان في الأسواق الحرة التي لا قيود عليها.

المخاطر البيئية
سبب آخر كان أن الشركات والمستثمرين أخذوا يدركون أن المخاطر البيئية يمكن أن تؤثر في أعمالهم ومحافظهم، لكن عاملا ثالثا كان السياسة: أزمة عام 2008 أطلقت غضبا شعبيا ضد نخبة الأعمال والنخبة السياسية في أمريكا.
وفي حين أن معظم التنفيذيين افترضوا في البداية أن هذا الغضب سيختفي تدريجيا حين ينتهي الركود، إلا أن العكس هو الذي حصل: حتى بعد أن استؤنف الانتعاش، زادت مشاعر الاستياء.
جزء من هذا الغضب تركز على قضايا مثل الهجرة والعولمة، فأدرك الرؤساء التنفيذيون أنهم في وضع ضعيف أيضا.
أخذت البيانات تظهر بما يشير إلى أن عقودا من أولوية المساهمين – على نحو لا يثير الاستغراب – جعلت اليد العاملة تخسر بصورة كبيرة أمام رأس المال (أي المستثمرين) والتنفيذيين.
بحلول عام 2007 كانت أجور التنفيذيين أعلى بـ345.9 مرة من الأجر المتوسط للعامل، بعد أن كانت أعلى بـ29.7 مرة في عام 1978 – وتراجعت حصة اليد العاملة في إجمالي الناتج الاقتصادي في أمريكا (أي الأجور) باستمرار خلال الفترة نفسها، حتى في الوقت الذي ازدهرت فيه أرباح الشركات.
في الوقت نفسه، بلغت المدفوعات إلى المستثمرين أرقاما عالية: اليوم مدفوعات أرباح الأسهم وصافي إصدارات حقوق الملكية لدى الشركات تساوي نحو 100 في المائة من الأرباح بعد الضرائب؛ في عام 1978 كانت هذه المدفوعات تشكل نسبة 24 في المائة فقط، على اعتبار أنه كان يتم استثمار النقدية الاحتياطية أو تدفع إلى العمال.

تفضيل الاشتراكية
لم يكن هناك من يعترض على ذلك أثناء الطفرة. أزمة عام 2008 أثارت إعادة تقييم لقصة النجاح الأمريكية: استطلاع عام 2017 أشار إلى أن 44 في المائة من جيل الألفية يفضل الاشتراكية على الرأسمالية.
تدافع التنفيذيون والممولون في وول ستريت بحثا عن طرق للدفاع عن أنفسهم. لين روتشيلد، وهي تنفيذية سابقة في الاتصالات متزوجة من عميد أسرة معروفة في المصرفية الأوروبية، هي مثال على ذلك.
في عام 2014 أنشأت منتدى اسمه “الرأسمالية الشمولية”، يضم في عضويته أسماء لامعة – من الأمير تشارلز إلى ستيف شفارتزمان إلى كريستين لاجارد – للدفاع عن رؤية للأعمال تدور حول أصحاب المصالح.
قبل ذلك بعقد، كان يمكن لهذا العنوان أن يبدو وكأنه تناقض لفظي. روتشيلد ضمت الصفوف مع شركة إرنست آند يونج، وفازت بالتأييد من مديري الأصول المدعومين بـ30 تريليون دولار من ورائهم.
تقول روتشيلد: “الناس الذين يقولون إن النظام مختل ليسوا مخطئين. لو لم تكن لدينا الرأسمالية الشمولية، فعلينا بالتأكيد أن نتوقع أن تستبدل الرأسمالية بشيء أسوأ منها بكثير”.
كما ظهرت أيضا مبادرات أخرى – تحمل أسماء تدل على الصلاح مثل “قوة الرئيس التنفيذي لعمل الخير”.
ثم بدأ عامل آخر في تغيير روح العصر: أصبح من الواضح بشكل متزايد أن تغير المناخ يمكن أن يعيث فسادا في بعض عمليات الشركات، ومحافظ المستثمرين، على المدى الطويل.
في كانون الثاني (يناير) من عام 2018، أعلن لاري فينك، رئيس “بلاك روك” أنه: “من أجل الازدهار مع مرور الوقت، لا يجب على كل شركة تحقيق الأداء المالي فحسب، بل أيضا إظهار كيف تسهم في المجتمع بشكل إيجابي، وإفادة جميع أصحاب المصلحة فيها”.
تعالت أصوات النقاد اليساريين بأن هذا نفاق، وأشار بعض المستثمرين إلى أن شركة بلاك روك نفسها أسهمت في أزمة الرأسمالية، لأنها كانت تروج للصناديق السلبية (أو الاستثمار القائم على الكمبيوتر).
مع ذلك، الحجم الضخم لشركة بلاك روك جعل من الصعب على المستثمرين الآخرين تجاهل هذا الاتجاه.
يتذكر أحد الرؤساء التنفيذيين في وول ستريت: “فجأة كان الجميع يقول إن الرأسمالية فشلت. بدأنا نشعر بالقلق بشأن وظائفنا”.
في هذه الأيام، عندما يتفكر ليبتون في حالة عالم الشركات، يشعر أنه تبين صواب موقفه جزئيا. يقول متحمسا، “مذكرة منظمة المائدة المستديرة للأعمال هي نقطة تحول حقيقية”.
ما يجعله متحمسا بالقدر نفسه هو الانفجار في نشاط المال والشركات الذي يدعم الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة.
هذه الفكرة بالتأكيد ليست جديدة: المستثمرون ذوو الاتجاه الاجتماعي (مثل الراهبات أو صناديق التقاعد السويدية) يستخدمون التمويل منذ فترة طويلة لتعزيز الصالح الاجتماعي.
في الأعوام الأخيرة، تحوّلت الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة من كونها صناعة منزلية صغيرة إلى مسعى رئيسي بقيمة 31 تريليون دولار، وذلك وفقا للتعريفات الأوسع.
يزعم النقاد أن كثيرا من هذه الأعمال المتعلقة بالأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة غير محددة ومجزأة وغامضة بشكل خطير جدا، بحيث إنها تخفي عديدا من الخطايا الأخلاقية.
يرد المتفائلون بأن هذه الانتقادات كانت موجودة في المراحل المبكرة من موجات الابتكار المالي الأخرى أيضا، إلى أن نضجت تلك القطاعات.
تقول ماريسا درو، الرئيسة التنفيذية لقسم الاستشارات التأثيرية والتمويل في بنك كريدي سويس، “الوضع بخصوص الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة يبدو مماثلا لما رأيته في الأيام الأولى من التمويل بالرفع المالي”.
في كلتا الحالتين، تماما كما سعت مجموعة من المحاسبين والمحامين فيما مضى لتحويل عقيدة فريدمان إلى خطة عمل – ورسوم دسمة – بدأ الآن سباق لإيجاد إطار عمل أكثر احترافية للأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة أيضا.
“نعثر على طرق لقياس مشكلات أصحاب المصالح في الحسابات”، كما يقول رونالد كوهين متحمسا، وهو أحد الأشخاص البارزين في مجال رأس المال المغامر البريطاني، الذي يعمل مع أساتذة من جامعة هارفارد لإصلاح الأنظمة المحاسبية.
حتى وسط هذا “النجاح” الظاهر، لا يزال ليبتون يشعر بالقلق بشأن حدوث رد فعل عنيف.
مجلس المستثمرين المؤسسين، على سبيل المثال، انتقد مذكرة منظمة المائدة المستديرة للأعمال، محذرا أن “المساءلة أمام الجميع تعني المساءلة أمام لا أحد”. ورفضها لويجي زينجاليس، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، أيضا باعتبارها “في أفضل الأحوال هي تسويق مضلل، وفي أسوأ الأحوال انتزاع خطير للسلطة” من قبل الرؤساء التنفيذيين المفرطين في الثقة. علاوة على ذلك، في حين أن قلة في عالم الأعمال يمكن أن تنتقد علنا المنظمة، إلا أن البعض يخشى أن يؤدي ذلك إلى مزيد من القوانين التنظيمية من قبل الحكومات.
يجادل أحد الرؤساء التنفيذيين البارزين بأنه “أمر مثير للسخرية – هذه ليست الطريقة التي من المفترض أن تعمل فيها الرأسمالية”.
الأمر الأكثر إثارة للقلق حتى من ذلك، بنظر ليبتون، هو الخطر المتمثل في أن السياسيين اليساريين يمكن أن يذهبوا أبعد من ذلك بكثير.
في بريطانيا، اقترح جيرمي كوربين زعيم حزب العمال أخيرا إنشاء “صندوق ملكية شاملة” يمنح فيها العمال حصصا إلزامية في الشركات الكبيرة.
شخصيات أمريكية مثل إليزابيث وارن تضغط أيضا من أجل إصلاح الشركات المؤيد للعمال، وبالنسبة إلى ليبتون الدروس واضحة.
كتب ليبتون رسالة إلى مجلس المستثمرين المؤسسين يقول فيها: “الإخفاق في إدراك التهديدات الوجودية مثل عدم المساواة والتغير المناخي، ليس نحو الشركات فحسب، بل كذلك نحو مديري الأصول والمستثمرين المؤسسين وجميع أصحاب المصالح، سيؤدي لا محالة إلى تشريعات تعمل على تنظيم الشركات والمستثمرين أيضا. أولوية المساهمين كانت فكرة سيئة أصلا. البديل هو دولة مصالح قطاعات الأعمال على شكل قوانين مثل “قانون الرأسمالية الخاضعة للمساءلة” من السيناتور وارين.
أنصار فريدمان – ومجلس المستثمرين المؤسسين – يعترضون على ذلك. من وجهة نظرهم، ليبتون هو الذي يضعف الرأسمالية.
في الوقت نفسه، المنتقدون مثل وراين ربما يرفضون المعركة على أساس أنها مجرد قتال بين نخب أنانية تستبعد العمال.
على أي حال، الشيء الوحيد الواضح وضوح الشمس هو أنه لن يكون هناك حل للإشكال خلال وقت قريب. يضحك ليبتون بهدوء ويقول: “سأواصل القتال خلال ما بقي لي من العمر”. أهلا بكم إلى الأعوام الـ50 المقبلة.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق