مقالات

أ.د.سعد علي الحاج بكري يكتب: الذكاء الاصطناعي .. قضايا تستحق الاهتمام

ليس الذكاء الاصطناعي اصطناعيا تماما. هو اصطناعي لأن الآلة هي التي تنفذه. لكنه في جوهره ليس كذلك لأن مرجعيته هي الذكاء الطبيعي للإنسان. فالآلة في تنفيذها لهذا الذكاء تقوم بمحاكاة ذكاء الإنسان، وأسلوبه في التفكير والتعلم، واستخلاص النتائج. ولعل هذا ما دعا يان لوكين Yann LeCun، مدير بحوث الذكاء الاصطناعي في “فيسبوك” Facebook إلى القول: “ذكاؤنا هو ما يميزنا كبشر، والذكاء الاصطناعي امتداد لهذه الميزة”.
ولعل ما يكسب الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة تفوقه على الذكاء الطبيعي في أداء إجراءات التفكير واستخلاص النتائج. فهو ببساطة يستخدم التقنية الرقمية التي تمكنه من استيعاب كميات كبيرة من المعلومات، ومعالجتها ونقلها بسرعة هائلة، ناهيك أيضا عن عدم الكلل والملل والنسيان الذي يمكن أن يصيب الإنسان، ولا يصيب الآلة. لكن يبقى للذكاء الطبيعي للإنسان نواح خاصة غير قابلة للمحاكاة والتنفيذ آليا، تتمثل في إطلاق العنان للخيال والأفكار الجديدة، والتميز في الإبداع والابتكار في شتى مجالات الحياة.
يمثل الذكاء الاصطناعي في الوقت الحاضر “تحديا عالميا جديدا”، على الجميع العمل على الاستجابة له، ليس برد الفعل فقط، بل بالفعل أيضا. وسنطرح فيما يلي أربع قضايا رئيسة متكاملة حول الموضوع، يؤمل أخذها في الاعتبار في التعامل مع توجهات المستقبل بشأنه. تهتم أولى هذه القضايا بالحاجة إلى التعرف على مجالات الذكاء الاصطناعي وأدواته وآفاق تطبيقاته. وتمثل هذه القضية مطلبا رئيسا للجاهزية للقضية الثانية التي تؤكد ضرورة الاهتمام بهذا الذكاء واستيعاب علومه ونقل تقنياته والعمل على تصنيعها، بل تطويرها والابتكار فيها أيضا، والمؤسسات المسؤولة عن ذلك. أما القضية الثالثة فتعنى بموضوع استخدام هذا الذكاء والاستفادة من تميزه في الأداء في مختلف المجالات، مع التنبه إلى حقيقة أن هذا الاستخدام ينافس الإنسان، لأنه يحل محله في كثير من الوظائف التي يقوم بها. ونصل إلى القضية الرابعة التي تكمل ما سبق، عبر الاهتمام بمسألتي “التنافس والتعاون” على تطوير هذا الذكاء، وتفعيل الاستفادة منه على أفضل وجه ممكن.
إذا بدأنا بقضية مجالات الذكاء الاصطناعي، نجد أنه يمكن النظر إليها عبر ثلاثة محاور رئيسة. أول هذه المحاور هو محور “إلكترونيات الذكاء الاصطناعي”، ويرتبط هذا المحور بالصناعات الإلكترونية المتقدمة التي تحتاج إلى بنية أساسية خاصة، ومن المفيد النظر فيها، وأخذ العمل على بنائها في الاعتبار على مدى الأعوام المقبلة. لكن تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من مثل هذه الإلكترونيات غالبا ما تكون متوافرة، ويمكن الحصول عليها، بما يسمح بالتركيز أولا على المحور الثاني الخاص “بالخوارزميات الذكية”.
يهتم المحور الثاني “بخوارزميات” إجراءات التفكير الآلي وتعلم الآلة. والبنية الأساسية اللازمة لها هي الإنسان المختص القادر على الإبداع والابتكار، وتقديم معطيات متميزة. ويتطلب ذلك تأهيل هذا الإنسان وتوفير الفرص اللازمة له. ثم هناك المحور الثالث المرتبط “بالتطبيقات” التي تمثل ميادين عمل الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن النظر إليها من خلال توجيه المحورين السابقين نحو منجزات تطبيقية تحمل قيمة مفيدة قابلة للتسويق، وقادرة على المنافسة، سواء في الاستجابة للمتطلبات القائمة، أو في ريادة تستلهم “متطلبات كامنة” وتستجيب لها.
ونأتي إلى الاهتمام بمجالات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات المسؤولة عن ذلك. تأتي المؤسسات التعليمية في المقدمة، فعلى هذه المؤسسات أن تقدم برامج تعليمية تؤدي إلى توعية الجميع بهذا الذكاء أيا كانت تخصصاتهم أو مستوياتهم الدراسية؛ وتضع برامج أخرى تركز على التخصص الدقيق والتأهيل المهني في مختلف مجالاته وتطبيقاته من جهة أخرى. ويمتد الأمر أيضا إلى المؤسسات البحثية التي يجب أن تسعى إلى الإبداع والابتكار في مجالات هذا الذكاء وتطبيقاته؛ إضافة إلى نقل منجزاتها المعرفية إلى مؤسسات إنتاجية مختصة. ويبرز هنا دور مثل هذه المؤسسات التي يفترض أن تسعى إلى تقديم منتجات مفيدة قابلة للتسويق ليس محليا فقط، بل دوليا أيضا.
ونأتي إلى قضية استخدام الذكاء الاصطناعي. ففي هذا الاستخدام أداء أفضل وإنتاجية أعلى في مختلف الوظائف التي يمكن لهذا الاستخدام القيام بها؛ حيث يزيد ذلك من القدرة على المنافسة والإسهام في التنمية. لكن هذا الاستخدام يسبب أيضا إحلال الآلة محل الإنسان في وظائف كثيرة، ما يزيد من “بطالة الإنسان”، ويؤدي بالتالي إلى مشكلات اجتماعية. والحل هنا هو العمل على إيجاد نماذج عمل جديدة توظف الذكاء الاصطناعي في الأعمال المناسبة له؛ وتستخدم أيضا الإنسان وذكاءه الطبيعي فيما يناسبه، ضمن إطار مشترك يحقق متطلبات هذه النماذج. ويعلمنا التاريخ أن تجدد التقنية كان دائما يقود إلى “نماذج عمل جديدة”، تستغني عن دور الإنسان في بعض الأعمال، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب واسعا أمام وظائف جديدة غير مسبوقة.
ونصل أخيرا إلى قضية “التنافس والتعاون”. فنظرا للأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، يبرز التنافس بين المؤسسات على امتلاك زمامه؛ كما يظهر التعاون أيضا، خصوصا بين المؤسسات التي تؤدي أعمالا متكاملة، أو تبحث عن حلول لمشكلات مشتركة. ولكل من “التنافس والتعاون”، مجال واسع المدى ومتعدد المستويات. هناك “التنافس والتعاون المعرفي” في شؤون التعليم والبحث العلمي والتطوير، وهناك “التنافس والتعاون المهني” في شؤون الإنتاج والاستخدام؛ ثم هناك أيضا “التنافس والتعاون التجاري والتسويقي للمنتجات المختلفة”؛ وغير ذلك. و”للتنافس والتعاون” مستويات عدة تتضمن: المستوى الشخصي؛ ومستوى المؤسسات؛ إضافة إلى مستوى الأوطان. ولا شك أن “التنافس والتعاون”، في هذا المجال الحيوي الجديد، يحتاجان إلى بيئة أخلاقية، تستند إلى تشريعات مناسبة يلتزم بها الجميع.
يمثل الذكاء الاصطناعي توجها مستقبليا نحو عالم جديد، يفرضه التقدم العلمي الذي يشهده العالم، ولا يكفي النظر إليه بعيون المشاهد، وإنما يحتاج إلى عيون المخطط والمبدع والمبتكر ورائد الأعمال، وكل المتطلعين إلى مستقبل يستطيعون الإسهام في صنعه. قطار الذكاء الاصطناعي يسير ولا ينتظر أحدا، ولا بد لنا من مكان متميز فيه، يفعل التنمية ويعزز استدامتها، في عالم يحمل خصائص غير مسبوقة.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق