سوق رأس المال

اندفاع السندات العالمية يعيد كتابة قواعد إدارة الأموال

انخفاض قيمة أسواق السندات العالمية هذا الشهر بواقع تريليون دولار يعيد إحياء أحد أكبر المناقشات في مجال التمويل: هل اندفاع السندات وصل إلى نهايته أخيرا؟
لعقود من الزمن، الطريق الوحيد لأسعار السندات كان إلى الأعلى، حتى أنه وصل إلى مستويات قياسية مذهلة في الأشهر الأخيرة. بحلول نهاية آب (أغسطس) كان يتم تداول ما يقارب 17 تريليون دولار من السندات، أي نحو ثلث الإجمالي العالمي، بمثل هذه الأسعار المرتفعة بحيث كان المستثمرون يضمنون الخسارة إذا احتفظوا بها إلى أن يحين تاريخ الاستحقاق، ما يعيد كتابة قواعد إدارة الأموال.
الاندفاع الذي تزايد أخيرا بسبب التوترات بشأن التأثير الاقتصادي للحروب التجارية والتوقعات الجامحة للتحفيز من البنوك المركزية، يعني أن المقترضين كانوا قادرين على جلب السندات إلى السوق بتكلفة ضئيلة أو حتى سلبية، حيث كانوا يستغلون مساعي المستثمرين الذين كانوا يركضون وراء الأصول الآمنة.
لكن في الأسبوع الماضي، هذا الجنون المستعر تعرض لضربة حادة نادرة. العائد على مؤشر بلومبيرج باركليز المتعدد – مقياس سوق السندات الأوسع الذي يتعقب سندات تزيد قيمتها الإجمالية على 58 تريليون دولار – صعد بشكل حاد هذا الشهر، مرتفعا من مستوى منخفض بلغ 1.4 في المائة إلى 1.65 في المائة في نهاية الأسبوع.
من حيث القيمة بالدولارات هذا يترجم إلى خسارة سوق السندات العالمية أكثر من تريليون دولار من القيمة خلال 10عشر جلسات تداول فقط. كما يعني أيضا أن مجموعة السندات ذات العوائد السلبية تقلصت بما يزيد على ثلاثة تريليونات دولار. تظل السندات بأسعار مرتفعة تاريخيا حتى الآن، لكن التراجع يشير إلى أن عددا من القوى التي تدفع المستثمرين القلقين إلى الأصول الآمنة الرئيسية في العالم بولغ فيها.
قال جيرشون ديستنفيلد، الرئيس المشارك للدخل الثابت في شركة إدارة الأصول أليانس بيرنشتاين: “لا يوجد شك في أن أوروبا علمتنا أنه إذا كان لدينا ركود، فلن يكون هناك حد أدنى فعلا (في أسعار الفائدة). لكن إذا تجنبنا الأسوأ، فربما تكون أسعار الفائدة منخفضة دون الحد”. التحركات كانت حادة. عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام قفزت من مستوى منخفض بلغ 1.46 في المائة في آب (أغسطس) إلى 1.82 في المائة، وارتفعت عوائد سندات الحكومة الألمانية من سالب 0.71 في المائة إلى سالب 0.49 في المائة، وعوائد السندات البريطانية لأجل عشرة أعوام من 0.41 في المائة إلى 0.68 في المائة.
حتى تكاليف الاقتراض المعيارية في اليابان – التي علقت في عيوب سياسة “السيطرة على منحنى العائد” من البنك المركزي – ارتفعت من سالب 0.29 في المائة إلى سالب 0.15 في المائة.
كان المؤشر المتعدد قد خسر بالأصل 1.4 في المائة في أيلول (سبتمبر). إذا استمرت، فسيكون هذا أسوأ خسارة شهرية منذ أكثر من عام، والتراجع الشهري الـ13 الأكبر خلال العقد الماضي.
الأسواق الأوروبية ازداد شعورها بأن الاندفاع، رغم أنه ليس على وشك الانعكاس، بدأ يفقد زخمه. الأسبوع الماضي خفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة على الودائع حتى بشكل أعمق بكثير إلى أقل من صفر وأعاد تشغيل برنامجه لشراء السندات في محاولة جديدة لرفع التضخم العنيد. لكن العوائد على السندات في المنطقة لم تتراجع أكثر من قبل.
كتب محللو “رويال بانك أوف كندا” RBC في مذكرة حديثة: “منذ اجتماع البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي، يبدو أن سرد السوق يتغير، ونحن نميل للاتفاق مع هذا التحول. ونوصي بعدم محاربة زيادة العوائد”.
يبدو المستثمرون الآن أكثر انفتاحا للاعتقاد بأن الاقتصاد العالمي سيتفادى الركود. يمكن أن يشير المتفائلون إلى مبيعات التجزئة الأمريكية المبهجة، أو إلى التحول الإيجابي في المعنويات الاقتصادية الألمانية، ويجادلون بأن الحجج الأكثر تطرفا لصالح السوق الهابطة في المملكة المتحدة وإيطاليا تبدو الآن أقل احتمالا إلى حد ما. هذا كله يصل في مجموعه إلى آفاق مشرقة تلحق الضرر بسوق السندات، بحسب RBC.
في مذكرتهم، جادل خبراء الاستراتيجية في المصرف الكندي بأن “كل هذه الحجج كانت مقبولة في الوقت الذي كانت فيه السوق تعمل في حالة ذهنية سلبية خلال آب (أغسطس). بالتالي، من المحتمل أن هناك قدرا كبيرا من تعديل المراكز لا يزال يجب أن يحدث بمجرد اجتماع لجان تخصيص الأصول”.
إعلان الصين عن مجموعة تغييرات في السياسة في بداية الشهر يمثل نقطة تحول لسرد سوق السندات في الصيف، الذي “تجاوز الحدود” على الأقل جزئيا بسبب عوامل فنية مثل تحوط سندات القروض العقارية، وذلك وفقا لآشيش شاه، كبير الإداريين الاستثماريين المشارك للدخل الثابت في شركة جولدمان ساكس لإدارة الأصول.
بدوره نصح البنك الفرنسي “سوسييتيه جنرال” العملاء بتخفيف تعرضهم للدخل الثابت استجابة لما يرى أنها رهانات “قوية بشكل مفرط” على حجم التسهيل النقدي الوشيك من البنوك المركزية الرئيسية.
مع ذلك، يحجم محللون ومستثمرون عن القول إن اندفاع سوق السندات طويل الأجل بلغ منتهاه، بالنظر إلى القوى الزلزالية التي تعمل على تحريكه. التضخم – وهو العامل السلبي الذي يؤثر في السوق – يبقى خطرا غير محتمل. وعلى الرغم من أنه قد يتم تجنب الركود العالمي، إلا أن هناك علامات قليلة بشكل مخيب للآمال على حدوث انتعاش دائم.
نهاية موجة اندفاع السندات المستمر لثلاثة عقود تم رصدها في بعض الأحيان، لكن بالنظر إلى طول التوسع العالمي لفترة ما بعد الأزمة والتوترات التجارية التي لا تزال مستمرة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، يبقى المستثمرون مقتنعون بأن الانخفاض الهائل في عوائد السندات لم يحدث حتى الآن.
قال ديستنفيلد: “علينا أن ندرك أن العوائد تتبع لكثير من الأشياء (…) لا يزال هناك قدر هائل من عدم اليقين عندما يتعلق الأمر بالنمو الاقتصادي والعوامل السياسية والسياسة التجارية”.
لا تزال هناك عوامل فنية تدعم سوق الدخل الثابت، مثل الرغبة العشوائية تقريبا من المستثمرين المؤسسين على المدى الطويل الذين من المحتمل أن يستغلوا أي ارتفاع في العوائد.
قالت صوفي هوينه، خبيرة استراتيجية الأصول المتعددة في “سوسييتيه جنرال”: “عليك أن تنظر إلى من هم المشترون. صناديق التقاعد وشركات التأمين ليس لديها خيار، وهذا لن يتغير غدا. سنظل نحصل على التدفقات”.
قبل أن يصبح من الممكن القول إن عوائد السندات العالمية وصلت إلى أدنى مستوى لها، يجب أن يرى المستثمرون الاقتصاد وهو يصاب بضعف لا يستهان به، وموجات بيع كبيرة في الأسواق، وتبني الاحتياطي الفيدرالي لدورة كاملة من خفض أسعار الفائدة، كما قالت بريا ميسرا، رئيسة استراتيجية أسعار الفائدة العالمية في البنك الاستثماري “تي دي سيكيوريتيز” TD Securities. “نحن لسنا قريبين بأي حال من الحد الأدنى من أسعار الفائدة”.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق