البنوك

تنمر معدل الريبو على «الاحتياطي الفيدرالي» .. نقطة نظام

ما الذي حدث؟ هذا سؤال يطرحه كثير من المشاركين في أسواق الأوراق المالية، حول الأحداث التي وقعت هذا الأسبوع، وبالذات انعكاسات الضغوط في سوق الريبو “إعادة الشراء” على قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي “البنك المركزي الأمريكي”، في شأن خفض سعر الفائدة.
على أن الخلط لا يرجع إلى القضية التي كان من المفترض أن تحتل العناوين الرئيسة: إعلان يوم الأربعاء الماضي بشأن أسعار الفائدة.
هذه القصة واضحة إلى حد ما: على الرغم من أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس، إلا أن المسؤولين أشاروا إلى إحجامهم عن خفض أسعار الفائدة، مرة أخرى، في وقت مبكر للغاية.
خاصة في الوقت الذي تشير فيه معدلات نمو الاقتصاد إلى أنها في وضع نهوض قوي. على أن هذا معقول، ويمكن التنبؤ به ويمكن فهمه بسهولة.
بدلا من ذلك، يرتبط التطور الذي يذر بذور الصدمة والارتباك بالمسألة الغامضة المتمثلة في السباكة المالية.
في بداية الأسبوع، ارتفعت معدلات الاقتراض لليلة واحدة في سوق إعادة الشراء أو سوق الريبو، حيث يجري المتداولون صفقات قصيرة الأجل لمبادلة سندات الخزانة مقابل الحصول على السيولة النقدية.
المشكلة لم تكن في الارتفاع في حد ذاته، بل في النسبة وفي سرعة الحدث: فجأة ارتفع العائد إلى 10 في المائة، مقارنة بمستواه الطبيعي البالغ 2 إلى 2.5 في المائة، وهو نطاق سعر الفائدة المفروض من قبل “المركزي الأمريكي”.
لذا فقد انخفضت معدلات الريبو بعد تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك “الذراع التجارية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي”، بضخ 75 مليار دولار في الأسواق لمدة ثلاثة أيام على التوالي.
على أن الظروف لا تزال متوترة. علينا ألا ننسى، أن آخر مرة شهدنا فيها هذا النطاق من التقلبات في معدلات الريبو، كانت خلال الأزمة المالية لعام 2008.
بالتالي هل ينبغي على المستثمرين أن يشعروا بالقلق؟ نعم ولا. أحد الأخبار الجيدة حول أحداث هذا الأسبوع أن تحركات الأسعار لم تندلع بسبب المشكلات نفسها التي وقعت أو تسببت في ذعر 2008، أي الخوف من الانهيار المالي.
بدلا من ذلك، يبدو أن السبب هو “عدم التطابق المؤقت في الطلب على التمويل وتوافر النقد”، كما أوضح بنك جيه بي مورجان لعملائه في مذكرة.
بشكل أكثر تحديدا، تحتاج الشركات الأمريكية في العادة إلى نحو 100 مليار دولار من النقدية لدفع فواتير الضرائب في 15 أيلول (سبتمبر) سنويا، الأمر الذي يستثير عمليات سحب كبيرة من صناديق سوق المال التي تشكل ركيزة متزايدة الأهمية لأسواق الريبو. تزامن هذا التدفق الخارجي هذا العام مع تسوية أسعار الفائدة على سندات خزانة بالغة قيمتها 54 مليار دولار يوم الإثنين الماضي، ما أدى إلى زيادة الطلب على النقدية.
كان من الممكن أن يتفاقم الضغط الناجم عن ذلك بسبب اندفاع إضافي للتمويل بين اللاعبين، الذين تأثروا بالزيادة غير المتوقعة في أسعار النفط بسبب توتر الأوضاع في الشرق الأوسط.
الجانب الآخر من الأخبار الجيدة أن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي يبدون استعدادا للتعويض عن هذه المشكلات المؤقتة، من خلال استخدام “المرونة عند الحاجة”، كما أشار سيمون بوتر، وهو مسؤول كبير في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، العام الماضي. هذا النهج الذكي والمبتكر هو النقيض الآخر لعام 2008 – وهو موضع ترحيب كبير.
إليكم الخبر السيئ: حقيقة أن انقباضا نقديا “مؤقتا” أحدث كثيرا من الدراما المذهلة، تدل على أنه لا مجلس الاحتياطي الفيدرالي ولا المستثمرون يفهمون تماما كيف تترابط تروس الآليات المالية الحديثة.
ويعزى ذلك جزئيا إلى أن “أسواق المال كانت ولا تزال تتغير بسرعة، في استجابة للحوافز التنظيمية والتكنولوجية ونماذج الأعمال”، على حد تعبير بوتر.
عقد من تجارب السياسة النقدية غير العادية ترك النظام مشوها بشكل سيئ.
وهكذا أصبح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الآن بمنزلة طيار يسير طائرة بمحرك تمت إعادته تشكيله بشكل خفي.
لا يعرف الركاب ولا الطيار كيفية تأثير التروس المتحركة في المحرك على أدوات التحكم أثناء موجة من الاضطرابات، وذلك بسبب عدم وجود سوابق تاريخية أو على الأقل، قلة توافرها.
خذ مسألة الاحتياطيات المصرفية. تسبب التسهيل الكمي في وقت سابق من هذا العقد في حدوث انفجار في مستوى الاحتياطيات التي تودعها البنوك الخاصة، على شكل ودائع لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث بلغ ذروته 2.9 تريليون دولار في عام 2014. منذ أن بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي في التراجع عن التسهيلات الكمية قبل عامين، تقلصت تلك الاحتياطيات إلى 1.3 تريليون دولار حتى هذا الصيف.
حتى وقت قريب، ظن مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن هذا المبلغ كاف للحفاظ على سير النظام بسلاسة.
على الرغم من أن تريليون دولار من الاحتياطيات مرتبطة بالمتطلبات التنظيمية والسيولة، إلا أنه يفترض أن “الواقية” المتبقية البالغة 300 مليار دولار، كافية لامتصاص صدمات السوق غير المتوقعة.
كان هذا الحساب دائما تخمينا وليس تفكيرا علميا، نظرا لأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لم يطلق من قبل العنان قط للتسهيل الكمي – أو حاول تفكيكه.
وكما قالت لوري لوجان من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في عام 2017: لن تعلم حقا بنفاد الواقية الاحتياطية إلا عندما ترتفع الأسعار.
أفضل تخمين الآن هو أن 300 مليار دولار ليست كبيرة بما يكفي. تشرح شركة بي إم أو كابيتال ماركتس الوضع بالقول: “مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتعلم أثناء العمل”.
على الرغم من أن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي ربما يقدمون أدوات جديدة لإنشاء واقيات أمان إضافية، إلا أن بنك جيه بي مورجان يخشى من أن “هذا النوع من التقلب لا مجال أمامه سوى الاستمرار” بالنظر إلى جميع التغييرات الهيكلية الجارية.
هذا أمر يثير القلق، لكن النقطة المهمة التي يحتاج إلى فهمها المستثمرون هي ما يلي: كلما زاد دور التسهيل الكمي (والتراجع الجزئي عنه) في تشكيل التمويل العالمي، ازداد خطر أن تخفق تروس الآلة في العمل، بشكل مفاجئ.
لا داعي للشعور بالذعر. في المقابل، على قادة البنوك المركزية – مثل المستثمرين – أن يتعلموا أثناء العمل، على غرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
كما نرجو أن يظلوا متيقظين تماما، لتفادي تكرر هذا الدرس القاسي، مرة أخرى، على الأقل مع موسم سداد شركات أمريكا لفواتير الضرائب، عادة في منتصف أيلول (سبتمبر) من كل عام.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق