متنوع

هل الحرب التجارية-الصناعية أصل في الرأسمالية ذات السمات الصينية؟

أصبحت التدابير مثل الرسوم الجمركية والحصص للهروب من الرسوم الجمركية، والالتزامات بالشراء وضوابط التصدير والاستثمار، أمورا طبيعية ضمن مفاهيم وممارسات السياسات التجارية العالمية، اليوم.
توسع السرد أيضا لينتقل من الحرب التجارية إلى حرب السياسة الصناعية – أي الجهود المبذولة لتشجيع بعض قطاعات التكنولوجيا الفائقة، لتصبح مهيمنة عالميا.
حتى الآن، كانت حرب السياسة الصناعية ملحوظة بسبب جوانبها السلبية.
ربما كان الأساس في تلك الحرب، استخدام الولايات المتحدة الأدوات التجارية والمالية والاقتصادية والقانونية والتنظيمية، لإضعاف الشركات العملاقة “الأبطال الوطنيين” الذين تدعمهم الصين.
الدافع وراء ذلك تجاوز الأسباب التجارية والاقتصادية إلى الأمن القومي والشواغل الاستراتيجية.
على وجه الخصوص، انتقلت قوانين التمكين المفضلة لقانون التجارة لعام 1974، ولا سيما (المادة 301) أو قانون التوسع التجاري لعام 1962 (المادة 232)، التي تجيز الضرائب الجمركية أو الرسوم الجمركية المضادة، إلى قانون القوى الاقتصادية الدولية الطارئة IEEPA لعام 1977.
وهناك قانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” CAATSA الأخير لعام 2017، الذي يجيز أشكالا مختلفة من العقوبات ضد الكيانات أو الأنشطة التي تعد مخالفة للأمن القومي الأمريكي أو مصالح السياسة الخارجية.
في إطار هذا السياق، فإن الإجراءات الأمريكية ضد شركة هواوي، وربما غيرها ليست قابلة للحلول الاقتصادية.
تم الضغط على الصين لتغيير نظامها بشكل كاف، حتى تتوقف الولايات المتحدة عن اعتبار كيانات مثل شركة هواوي تهديدات – وهو أمر غير محتمل.
ولتعقيد الأمور أكثر، حددت وزارة الخارجية الأمريكية أخيرا شركات التكنولوجيا الصينية الأخرى، بما في ذلك شركات علي بابا، وتنسنت، وبايدو، إضافة إلى شركتي هواوي، وزد تي إي ZTE كأجزاء من “نظام بيئي خبيث”.
في الآونة الأخيرة، قيل إن محاولة إضعاف المنافسين الأجانب ليست كافية – لأن الرسوم الجمركية من غير المرجح أن تعيد وظائف التصنيع – وأن الولايات المتحدة والغرب يجب أن يسيرا على نهج الصين، وأن ينفذا الجانب “الإيجابي” من السياسة الصناعية: دعم الشركات المحلية للتنافس والانتصار دوليا.
ومع ذلك، ففي السياق الحالي، يتجاوز هذا الدعم النمط القديم المتمثل في اختيار “الأبطال الوطنيين”، ليشمل جميع جهود الحكومة أو المجتمع بأسره.
ولا يشمل ذلك التمويل التنافسي فحسب، بل يشمل أيضا المعاملة القانونية والتنظيمية التفضيلية من قبل الحكومات المركزية والمحلية، بما في ذلك حقوق استخدام الأراضي، وتفويضات لضمان الطلب.
في الأعوام الأخيرة، دأبت الإجراءات التجارية التي يتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، على تحويل دفة نظام التجارة الحرة في العالم إلى نظام للتجارة المدارة، بالتدريج.
الواقع أن الرئيس الأمريكي يركز على النتائج المتحققة من مثل تلك السياسات شبه الحمائية، بدلا من أن تكون قائمة على القواعد.

أمثلة لتسليط الضوء على الخلافات
• خصصت الصين الطيف الترددي للجيل الخامس 5G لمشغلي الاتصالات دون أي تكلفة. على النقيض من ذلك، جمعت ألمانيا 6.5 مليار يورو في مزادات الطيف الترددي للجيل الخامس 5G، بينما جمعت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية FCC مبلغ 2.7 مليار دولار حتى الآن، هذا العام، في الخصوص نفسه.
هذه الميزة من حيث التكلفة، إلى جانب الدعم المقدم من المدن والبلديات، خاصة فيما يتعلق بحقوق استخدام الأراضي، ساعدت مشغلي الاتصالات في الصين على طرح محطات أساسية – تقدر بنحو 172 ألف محطة هذا العام وحده، أكثر من جميع البلدان الغربية مجتمعة.
وهذا ما يضع الصين في المقدمة، في تنفيذ تكنولوجيا الجيل الخامس 5G والاستفادة منها.
• ساعد هذا البرنامج الذي ترعاه الدولة شركة هواوي بشكل كبير على تطوير مجموعة كبيرة من الطلب على منتجات البنية التحتية للجيل الخامس 5G.
ونتيجة لذلك، تمكنت شركة هواوي من تقديم خصومات تراوح بين 20 و30 في المائة على محطاتها الأساسية للفوز بطلبات التصدير، بعد أن شحنت 200 ألف وحدة إلى 50 مشغلا للاتصالات في أوروبا وآسيا بحلول آب (أغسطس) 2019، على الرغم من العقوبات الأمريكية.
• ضمن الذكاء الاصطناعي AI، حيث يجب تدريب الخوارزميات وإتقانها باستخدام حجم ضخم من البيانات، تتمتع الصين بميزة واضحة.
حماية البيانات الشخصية ليست أولوية عالية في سباقها من أجل أن تكون مهيمنة على الصعيد العالمي، كما هو محدد في استراتيجية: “صنع في الصين 2025”.
في المقابل، يخضع مطورو الذكاء الاصطناعي الغربي لقيود بسبب قوانين حماية خصوصية البيانات، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي GDPR.
• في مجال أبحاث وتطوير الخلايا الجذعية الجنينية، يواجه علماء الصين قيودا أخلاقية أقل بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، التي تحظر التمويل الفيدرالي لمثل هذه الأبحاث.
• مع التفويضات والدعم الحكومي، كثير من المدن في الصين تستخدم الحافلات الكهربائية بشكل متزايد.
وبعضها، مثل شنزن وشنغهاي، ستقتصر على تشغيل حافلات كهربائية في أساطيلها فحسب، في الأجل القريب. دفعت فوائد هذه الوفورات في الحجم منتجي السيارات الكهربائية في الصين إلى صدارة المنافسة الدولية.
• حصل منتجو الألواح الشمسية في الصين على دعم حكومي مماثل لكسب هيمنة عالمية.
باختصار، تستلزم السياسات الصناعية الحديثة تطفلا كبيرا من قبل الحكومة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
أنشأ النظام الاجتماعي والاقتصادي في الصين ساحة لعب غير متكافئة لمصلحة الشركات الصينية في منافسة مع نظيراتها الغربية، على الصعيدين المحلي والدولي.
الانخراط في سباق ضد الصين في هذا الفضاء وبهذه الطريقة، يعني أن الغرب يخاطر بأن يصبح أكثر شبها بالصين، وليس العكس، كما كان يتمنى هنري كيسنجر، مهندس التقارب التاريخي ما بين الولايات المتحدة والصين، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.
في حين أن الصين تمارس “الاشتراكية أو الرأسمالية” بخصائص صينية، إلا أن ما يبدو هو أن الغرب يتبنى الآن بالتدريج، ما يمكن تسميته: الرأسمالية بخصائص صينية. وهنا المفارقة.
فإذا نجحت هذه الخطة أو الخلطة، ستكون الصين قد فازت في الحرب الأيديولوجية.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق