متنوع

تراجع الاستثمار الأجنبي العابر للحدود في المناطق الاقتصادية الخاصة

تعد المناطق الاقتصادية الخاصة إحدى الظواهر الاقتصادية التي برزت في الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين حتى الآن، مرت تلك المناطق بعديد من مراحل التطور، واكتسب الاقتصاد الدولي خبرات واسعة بشأنها وبكيفية إنشائها وتطويرها.
لأعوام طويلة ارتبطت المناطق الاقتصادية الخاصة بالرغبة الدائمة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أن المناخ الراهن للتجارة العالمية والاستثمار يبدو سلبيا.
ورغم أن عديدا من السياسات الصناعية خلال الأعوام الأخيرة، سواء في الاقتصادات النامية أو المتقدمة، اعتمدت في نجاحها بدرجة كبيرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أنها تواجه حاليا صعوبات حقيقية تجعل تلك السياسات تحت ضغوط عنيفة ومحل تساؤلات كثيرة.
وفي ظل تلك الأجواء تثار علامات استفهام حول العلاقة المفترضة بين المناطق الاقتصادية الخاصة والاستثمار الأجنبي المباشر، فالاتجاه العام للاستثمارات الأجنبية المباشرة يشهد انخفاضا فيما يتعلق بالاستثمار المنتج العابر للحدود.
في هذا السياق، يصف لـ”الاقتصادية”، ديكي مير الخبير الاستثماري الوضع الراهن قائلا، إن “الطلب على الاستثمار قوي مثل أي وقت مضى، لكن العرض يتضاءل والأسواق أقل ودية مقارنة بفترات سابقة”.
ومع هذا يرى بعض الخبراء أن هذا الوضع يبرر النمو الملحوظ لما يعرف بالمناطق الاقتصادية الخاصة، بصفتها أدوات رئيسة فاعلة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر بهدف التنمية.
ووفقا لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، تم تطوير أكثر من ألف منطقة اقتصادية خاصة خلال الأعوام الخمسة الماضية، ليصل إجمالي عدد المناطق الاقتصادية الخاصة في العالم إلى ما يقارب 5400 منطقة في 147 دولة، إضافة إلى ما لا يقل عن 500 منطقة أخرى في طور الإعداد في الأعوام المقبلة.
وتبدي الدكتورة كاثرين جريس الاستشارية في منظمة التجارة الدولية، ملاحظة جديرة بالاهتمام عند تحليل أهمية تلك المناطق الاقتصادية الخاصة، وتقول لـ”الاقتصادية”، إن “هناك عديدا من المناطق الاقتصادية الخاصة التي لعبت دورا رئيسا في التحول الهيكلي لاقتصادات الدول التي أنشأتها، فحفزت التحديث التصنيعي، لكن أيضا علينا أن نأخذ في الحسبان الإخفاقات والفشل في جذب المستثمرين، ونظرا للتكلفة الضخمة لتلك المناطق فإن الإخفاق له تكلفة اقتصادية مرتفعة للغاية”.
ولم تصدر بعد بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا للعام الجاري، لكن بيانات العام الماضي تكشف أنها واصلت انخفاضها، إذ تراجعت 13 في المائة، ليصل إجمالي الاستثمار العالمي المباشر في 2018 إلى 1.3 تريليون دولار.
وحول أسباب ذلك، يشير مارتن دنفر الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا إلى أن “عديدا من الشركات الدولية الأمريكية تجنب إعادة استثمار الأرباح المحققة من مشاريعها في الاقتصادات الأخرى، خاصة خلال الربعين الأول والثاني من العام الماضي، للاستفادة من الإصلاحات الضريبية التي قامت بها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نهاية 2017″.
وقد امتد تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أيضا إلى الاقتصادات المتقدمة، إذ هبط إلى أدنى مستوى له منذ عام 2004، وانخفض بنسبة 27 في المائة.
ففي أوروبا على سبيل المثال تراجعت التدفقات إلى النصف لتصل إلى أقل من 200 مليار دولار، كما تقلصت أيضا في الولايات المتحدة 9 في المائة لتبلغ 252 مليار دولار.
بينما ظلت معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية مستقرة تقريبا، فارتفعت بنسب لا تتجاوز 2 في المائة، ومع هذا فإن حصة الدول النامية من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة قفزت إلى رقم قياسي يصل إلى 54 في المائة.
وحول أسباب هذا التحسن بالنسبة لقدرة الاقتصادات النامية على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يوضح الدكتور هنري وليم أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة أكسفورد أن” الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القارة الإفريقية ارتفعت 11 في المائة لتصل إلى 46 مليار دولار، وتركز أغلبها في البحث عن المعادن خاصة في جنوب إفريقيا، كما أن دول آسيا خاصة النامية منها جذبت كثيرا من الاستثمارات المباشرة وزادت نسبة الاستثمار المباشر فيها بنحو 4 في المائة، لتكشف بذلك عن ديناميكية اقتصادية في إطار التطور”.
ومع هذا، تبدو التوقعات الخاصة بالعام الجاري أكثر تفاؤلا من العام الماضي ولكن بنسب بسيطة، فمن المتوقع أن يشهد الاستثمار الأجنبي المباشر انتعاشا في الاقتصادات المتقدمة، فالتأثير الناجم عن عمليات الإصلاح الضريبي خاصة في الولايات المتحدة يتلاشى، إلا أن إجمالي التحسن في الاستثمار الأجنبي المباشر لن يتجاوز 10 في المائة في 2019 ليصل إلى 1.5 تريليون دولار.
ويوضح لـ”الاقتصادية”، بيل برايس الخبير الاستثماري لعدد من صناديق التحوط البريطانية، أن “متوسط الزيادة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة دوليا هذا العام سيكون أقل من المتوسط العام خلال الفترات السابقة، فقبل عام 2000 كان معدل النمو السنوي نحو 20 في المائة، ما يؤكد أن الاتجاه العام للاستثمارات الأجنبية المباشرة ضعيف”.
وفي ظل هذا الوضع المتسم بإحجام الاستثمارات الأجنبية المباشرة عن التدفق الكثيف والسلس في الاقتصاد العالمي، تبرز أهمية المناطق الاقتصادية الخاصة كونها نقاطا اقتصادية تحظى باستثناءات وامتيازات جذابة للمستثمرين الأجانب.
وفي الواقع، فإن التعاون الدولي في مجال إنشاء المناطق الخاصة أمر شائع، فكثيرا ما يتم بناء مثل تلك المناطق في الاقتصادات النامية من خلال الشراكة الثنائية أو تأتي جزءا من برامج التعاون الإنمائي.
وحاليا فإن مناطق التنمية الإقليمية، والمناطق العابرة للحدود التي تمتد بين دولتين أو ثلاث أصبحت سمة من سمات التعاون الاقتصادي الإقليمي.
وحول دور المناطق الاقتصادية الخاصة وعلاقتها بالاستثمارات الأجنبية المباشرة يقول لـ”الاقتصادية”، نايجل سميث الباحث الاقتصادي المختص بقضايا التعاون الإقليمي إن “عديدا من المناطق الاقتصادية الخاصة الحديثة تعمل على التركيز على نوع محدد من الصناعات الجاذبة مثل التكنولوجيا الفائقة، والخدمات المالية، والسياحة، وهي بذلك تختلف عن نظيرتها التقليدية التي كانت تركز غالبا على أنشطة التصنيع الكثيف من أجل التجارة وزيادة معدلات التوظيف”.
ويضيف سميث أن “المناطق الاقتصادية الخاصة يمكن أن تجذب الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة شريطة أن تنجح في بناء روابط مع الاقتصاد الأوسع”.
في هذا الإطار، يشير سميث إلى عدد من النقاط التي يعدها ضرورية لضمان نجاح المناطق الاقتصادية الخاصة في جذب الاستثمارات الأجنبية، أبرزها من وجهة نظره وجود تصميم استراتيجي للإطار الاقتصادي لتلك المناطق، يتسم بالواقعية وبتكامله مع برامج التنمية الاقتصادية، حيث لا تصبح تلك المناطق بمعزل عن السياسات العامة سواء في مجال الاستثمار أو التجارة أو الضرائب، كما يجب أن تبنى على أسس تنافسية وفقا للمزايا والقدرات المتاحة.
ولهذا يعد الإطار التنظيمي القوي والمؤسسات الفاعلة عاملين حاسمين لنجاح تجربة المناطق الخاصة، ولضمان اتساقها مع أهداف التنمية المستدامة في الدول التي تتبنى هذا النوع من الأفكار الاقتصادية.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق