متنوع

بدون النفط.. كيف كان سيبدو مستقبل أغنى دول أوروبا؟

في النرويج يتم تعليم الأطفال في المدرسة أن بلادهم كانت واحدة من أكثر بلدان أوروبا فقراً في عام 1905 عندما قام النرويجيون في خطوة أحادية الجانب بحل اتحادهم الملكي مع السويد وإعلانهم الاستقلال التام. ولكنها اليوم تقف في مصاف أغنى دول العالم، وهي أكثر ثراء من بروندي -أكثر دول العالم فقراً- بمقدار 496 مرة، وفقاً لبيانات البنك الدولي.

يعتقد الكثيرون أن ثروات النرويج الطبيعية -بما في ذلك الأخشاب والطاقة الكهرومائية والثروة السمكية وقبل ذلك كله النفط والغاز الطبيعي- هي التي حولت الدولة الإسكندنافية من دولة معدمة إلى واحدة من أكثر دول العالم ثراءً. ولكن هل هذا صحيح؟

سبب ثراء النرويج

في الحقيقة يوجد لدى الاقتصاديين والمختصين بالعلوم السياسية العديد من النظريات المختلفة حول ما يجعل الدول غنية أو فقيرة. وواحدة من أشهر هذه النظريات هي النظرية القائلة بأن الفقر يميل للانتشار في المناطق المدارية بسبب الأمراض المدارية وانخفاض الإنتاجية الزراعية، بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى.

لكن يبقى السؤال: ما الذي جعل دولة كالنرويج أكثر ثراءً من غيرها؟ بالنسبة لبعض الاقتصاديين، إن الأسباب الكامنة وراء صعود النرويج لتصبح واحدة من أغنى دول العالم واضحة وضوح الشمس، وكل ما يحتاج إليه من يريد التعرف عليها هو النظر ناحية بحر الشمال، حيث ترقد ثروات البلاد من النفط والغاز.
منذ اكتشافها للنفط لأول مرة في عام 1969 بالقرب من سواحلها المطلة على بحر الشمال جنت النرويج مليارات الدولارات، والتي احتفظت بالجزء الأكبر منها في صندوقها السيادي -الأكبر من نوعه في العالم- بغرض حفظ حق الأجيال القادمة في هذه الثروة. وتبلغ القيمة السوقية لذلك الصندوق حالياً ما يزيد على التريليون دولار.

هذه بالتأكيد ثروة لا يمكن تجاهل دورها أو تأثيرها في إيصال النرويج إلى ما هي عليه اليوم. ومع ذلك حين ننظر إلى جيران النرويج من بلدان الشمال الأوروبي الذين لا يمتلكون ما تمتلكه النرويج من ثروات نفطية نجد أنها أيضاً تحتل مواقع متقدمة في ترتيب أفضل دول العالم من حيث مستويات المعيشة.

لذلك نبقى عند نفس السؤال: هل النفط حقاً هو سر نجاح النرويج؟ كيف كان سيبدو حاضر ومستقبل النرويج لو لم تعثر على النفط، أو لو كانت المنطقة التي اكتشف فيها النفط ببحر الشمال تعود ملكيتها لدولة أخرى غير النرويج؟

العامل الحاسم

يقول أستاذ التاريخ الاقتصادي النرويجي “هيلج ريجفيك” إنه من المستحيل تقريباً معرفة كيف كان سيبدو شكل النرويج من دون أموال النفط، ولكنه في الوقت نفسه أكد أن ثروة البلاد البشرية المتعلمة تعليماً عالي الجودة كفيلة بوضع النرويج في مكانة متقدمة حتى بدون النفط.

في المقابل يرى أستاذ التاريخ الاقتصادي بالمدرسة النرويجية للاقتصاد “أولا جريتن” أن النرويج كانت ستصبح دولة ثرية حتى بدون النفط، ولكن لم تكن لتكون بنفس الثراء الذي تتمتع به اليوم، مستنداً إلى القيمة التي يخلقها اقتصاد البلاد بعيداً عن عائدات النفط. برأيه أن النرويج لو لم تعثر على النفط لكانت في وضع اقتصادي مكافئ لذلك الذي تتمتع به الدنمارك والسويد اليوم.
بالنفط أو من دونه كانت النرويج ستصبح في مستوى معيشي لا يقل عن جيرانها في شمال أوروبا، تماماً كما هو الحال مع أيرلندا والمملكة المتحدة. ففي عام 1900 كان الأيرلنديون أقل حظاً من البريطانيين، ولكن اليوم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي في أيرلندا نظيره في الدولة الأم على الرغم من أن أيرلندا لا تمتلك أي موارد طبيعية مهمة باستثناء الأراضي الزراعية.

بنفس الطريقة تمكنت كل من الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والسويد -وهي الدول التي فقدت ما يقرب من ربع سكانها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر جراء الهجرة- من الخروج من الفقر والصعود إلى مصاف الدول المتقدمة بحلول عام 2000. وعلى الرغم من استفادة تلك الدول من ثرواتها الطبيعية بدرجات متفاوتة إلا أن العامل الحاسم في كل قصص الصعود هذه هو الناس أو العنصر البشري.

النفط أم الثروة البشرية؟

النرويج كان لديها دائماً موارد طبيعية. فقبل النفط والغاز كانت هناك الثروة السمكية والطاقة الكهرومائية وقبلهما كانت هناك الأخشاب، ورغم ذلك لم يستطع النرويجيون تحقيق الاستفادة القصوى من تلك الموارد إلا بعد استثمارهم في العنصر البشري وظهور العمالة المتعلمة.

لذلك لم يكن من المفاجئ أن يشير تقرير رأس المال البشري لعام 2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن النرويج تعد أفضل دول العالم في الاستثمار برأس المال البشري وتعليم سكانها. ولم يكن من المفاجئ أيضاً أن يأتي بعد النرويج في الترتيب كلٌّ من فنلندا وسويسرا في حين حل كلٌّ من الدنمارك والسويد في المرتبتين الخامسة والثامنة على التوالي.

ببساطة كان رأس المال البشري هو القوة الرئيسية وراء التحول الاقتصادي الذي شهدته النرويج، في حين كانت الموارد الطبيعية عاملاً ثانوياً. فرأس المال البشري القوي يمكنه أن يحدث تنمية اقتصادية ترفع من مستويات المعيشة حتى في غياب الموارد الطبيعية كما هو الحال في بلدان مثل اليابان وسنغافورة.

في المقابل، لا يمكن للموارد الطبيعية وحدها أن تخلق تنمية اقتصادية مستدامة من دون رأس المال البشري اللازم لتسخير تلك الموارد وتحقيق الاستفادة القصوى منها، بل قد تتحول تلك الموارد في غياب رأس المال البشري إلى لعنة كما هو الحال في بلد مثل الكونغو.

المصدر: ارقام

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق