البورصات

ما القوى الخفية التي تحرك سوق الأسهم السعودي؟

في الدقيقة الأولى من افتتاح تداولات الحادي عشر من أكتوبر 2008 خسر سوق الأسهم السعودي 7% من قيمته بعد أن تراجع بنحو 450 نقطة دفعة واحدة. جميع قطاعات السوق الـ15 تأثرت بذلك التراجع لدرجة أن شاشة الأسعار بدت للمستثمرين حمراء كالدم.

قبل ذلك التاريخ بشهر وتحديداً في سبتمبر من نفس العام فقد مؤشر السوق 15% من قيمته، وهي الخسارة التي تبعتها في أكتوبر خسارة أخرى قدرها 26% من قيمة المؤشر. ومقارنة مع نهاية عام 2007 خسر سوق الأسهم 45 % من قيمته بحلول 11 أكتوبر 2008، أي في غضون فترة لا تزيد على عشرة أشهر.

لغز! .. بين سوق الأسهم والاقتصاد

المفارقة هي أن كل هذه الدراما التي شهدها سوق الأسهم حدثت بينما كان يعيش الاقتصاد السعودي واحدة من أفضل سنواته على الإطلاق. ووفقا لبيانات مؤسسة النقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد بنسبة 6.25% عام 2008، وذلك ارتفاعًا من 1.85% في عام 2007.

توضح هذه الأرقام أن الاقتصاد المحلي حين وقعت الأزمة المالية العالمية الأخيرة كان في حالة صحية جيدة جداً بالمقارنة مع الكثير من الاقتصادات في العالم، ورغم ذلك تأثر سوق الأسهم المحلي أكثر من غيره بتداعيات تلك الأزمة لدرجة أنه فقد 49% من قيمته خلال الأشهر الـ12 المنتهية في فبراير 2009 ولكن لماذا؟

ببساطة لم تكن أساسيات الاقتصاد أو الأسهم هي ما يحرك السوق بل المزاج العام للمشاركين فيه. ففي ذلك الوقت كان المستثمرون الأفراد يستحوذون على 90% من قيمة التداول بالسوق، وهؤلاء كان المحرك الرئيسي لقراراتهم الاستثمارية هو مزاجهم السوقي (Market Sentiment) أو حالتهم المعنوية، والتي تأثرت حينها بانخفاض أسعار النفط وتراجع سوق الأسهم الأمريكي.

العامل إكس

قد يتساءل البعض لماذا تذكر هذه الفترة؟ ببساطة هي محاولة لتوضيح أهمية وماهية عاملين رئيسيين يساهمان في تحريك السوق وتحديد الأسعار وهما المزاج الجمعي للمستثمرين أو معنوياتهم والأساسيات،

تفترض النظرية المالية التقليدية أن السوق يتسم بالكفاءة وأن جميع المستثمرين يتصرفون بطريقة عقلانية وأن أسعار الأسهم تعكس بكفاءة جميع المعلومات المتاحة في السوق، ومن ثم لا يمكن للأسعار أن تتأثر بالحالة المزاجية أو المعنوية للمستثمرين.

ولكن هذه النظرية تفشل في تفسير التراجع الكبير الذي شهده سوق الأسهم السعودي في 2008 رغم أن الوضع المالي للشركات المدرجة به (عددها 124 شركة في ذلك الوقت) لم يكن بذلك السوء. وقبل ذلك فشلت في تفسير أسباب انهيار سوق الأسهم الأمريكي في أكتوبر 1987 حين خسر مؤشر داو جونز الصناعي 22% من قيمته وهو انخفاض أكبر بكثير مما يمكن تفسيره بالتغيرات التي طرأت على الاقتصاد الأمريكي في ذلك الوقت.

بعبارة أخرى، لم تكن حالة الأساسيات هي المسؤولة عن الانهيار. فالتغيرات التي شهدتها أرباح الشركات وأسعار الفائدة خلال عام 1987 كانت غير قادرة على تفسير ارتفاع السوق إلى مستوى قياسي، وكذلك عجزت عن تبرير تحطمه لاحقاً.

إذن الأساسيات ليست وحدها هي من يحرك السوق بل يوجد عامل آخر. هذا العامل هو معنويات المستثمرين أو مزاجهم العام والذي يمكن تعريفه بأنه الحالة الشعورية التي تسيطر على المستثمرين تجاه أحد الأسهم أو تجاه السوق بالكامل.

والأساسيات هي أحد العوامل المؤثرة في معنويات المستثمرين ولكنها ليست العامل الأوحد، فمن بين العوامل التي تؤثر أيضاً في الحالة المزاجية للمستثمرين ودرجة تحمسهم للسهم هي الشائعات والاتجاهات الرائجة وسلوك القطيع وكذلك التغطية الإعلامية.

كيف يتصرف المستثمر الذكي؟

وبما أن معنويات المستثمرين هي أحد العوامل التي تحرك أسعار الأسهم، فيجب على المستثمر الذكي أن يفهمها ويستغلها لصالحه أو على الأقل يتجنب ضررها. وهذا ما وضحه كل من “أندريه شلايفر” أستاذ الاقتصاد بجامعة “هارفارد” في ورقة بحثية مشتركة نشرها في عام 1997 تحت عنوان “نموذج لمعنويات المستثمر”.

في تلك الورقة أشار “شلايفر” إلى أن المستثمر الحكيم والذكي هو من يتجنب الأسهم التي يتدافع عليها المستثمرون العاطفيون لأنها مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، بالإضافة إلى أن أسعارها لا تعكس قيمتها الجوهرية التي تصبح صعبة القياس لأن تأثير الأساسيات على الأسعار يتراجع حين يكون المزاج العام للمستثمرين بالسوق مع أو ضد السهم بشكل واضح.

الآن نأتي للسؤال الثاني والمتعلق بالأساسيات. هناك أساسيات الشركة وهناك أساسيات الاقتصاد.

بالنسبة لأساسيات الشركة يمكن القول إنها ببساطة الخصائص التي تظهرها البيانات المالية للشركة والتي توضح مواطن القوة الأساسية لديها. مثل الميزة التنافسية ومعدل نمو الأرباح والإيرادات والحصة السوقية وكفاءة الإدارة. هذه الأشياء هي المقاييس الحقيقية للإمكانات المستقبلية لأي شركة. والوضع المثالي هو أن يعكس سعر السهم بدقة حالة تلك الأساسيات بعيداً عن أي مؤثرات خارجية، ولكن هذا لا يحدث.

أما عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد فكلمة “أساسيات” تشير في هذه الحالة إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل معدل النمو الاقتصادي ومعدل التضخم ومعدل البطالة ونسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي، وجميعها مؤشرات تدل على مدى متانة الاقتصاد. والتغيرات التي تشهدها أساسيات الاقتصاد تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الشركات وبالتبعية على أسعار الأسهم.

السوق السعودي .. مختلف؟

هناك نمط شهير من التعليقات ربما لاحظه كثير من القراء يدور حول فكرة أن سوق الأسهم السعودي فريد من نوعه وأن ما ينطبق على كل أسواق العالم لا ينطبق عليه، وبالتالي لا جدوى من الموضوعات التي تحاول من خلالها “أرقام” نقل تجارب وخبرات المستثمرين في مختلف الأسواق أو حتى تلك التي تتحدث خلالها من منطلق أكاديمي.

بالفعل إن السوق السعودي مختلف عن غيره من الأسواق العالمية من حيث التطور والقيمة الرأسمالية ودرجة السيولة وتركيبة المشاركين فيه (من المستثمرين الأفراد والمؤسساتيين) وثقافة ووعي جمهور المتداولين وعدد الأدوات الاستثمارية المتاحة، ولكن في نفس الوقت لا يمكن لأحد أن ينكر أن الطريقة أو الميكانيزم التي يربح بها المستثمرون الأموال في السوق الفيتنامي والصيني والأمريكي والروسي وغيرها من أسواق العالم هي ذاتها التي يمكن أن يربح بها المستثمرون في السوق السعودي.

انتبه وركز جيداً في العبارة التالية:  لا يمكن نفي وجود أي تلاعب أو ممارسات غير قانونية قد تؤثر على أسعار بعض الأسهم كلية، لأن هذا ادعاء غير منطقي، فإذا كانت مثل هذه الممارسات (باختلاف حجمها ودرجة انتشارها) موجودة في أكثر أسواق العالم تقدما فليس من المستغرب أن توجد بدرجة من الدرجات بالسوق السعودي.

ولكن الفكرة هي أن بعض المستثمرين يتبنى نظرية المؤامرة حول كيفية عمل السوق وطبيعة القوى المحركة له وهو ما يجعله يرفض مثلاً أي حديث حول أصول واستراتيجيات الاستثمار بالأسهم لأنها في رأيه عوامل غير مؤثرة في الأسعار، وفي نفس الوقت تسيطر عليه فكرة أن عوامل مجهولة غير مفهومة هي ما تحرك كل شيء.

ولماذا تذهب بعيداً؟ صدر التقرير تحدث حول معنويات المستثمرين أو مزاجهم العام باعتبارها أحد أهم العوامل التي تحرك أسعار الأسهم إلى جانب الأساسيات. السؤال الآن هل هذا ينطبق على السوق السعودي أم أنه بدع من الأسواق؟

أجابت عن هذا السؤال الدكتورة “بسمة التويجري” من جامعة الملك سعود في ورقة بحثية نشرتها في ديسمبر 2016 تحت عنوان “معنويات المستثمرين وعوائد سوق الأسهم في سوق الأسهم السعودي” والتي قامت خلالها بفحص العلاقة بين عوائد الاستثمار بالأسهم وبين الحالة المعنوية للمستثمرين استناداً إلى بيانات تخص الفترة ما بين عامي 2010 و2015.

وخلصت الورقة إلى أن هناك بالفعل علاقة بين معنويات المستثمرين وبين العوائد الإجمالية للسوق. فحين يسيطر التفاؤل على جمهور المستثمرين ترتفع عوائد السوق، بينما حين يسود التشاؤم تتأثر العوائد بشكل سلبي. وهذا طبعاً بغض النظر عن حالة الأساسيات. هل تصدق أن هناك دراسات تخص السوق الأمريكي وصلت إلى نفس الاستنتاج؟

الفكرة باختصار هي أن القفز مباشرة إلى نظرية المؤامرة وتبنيها هو في الحقيقة استسهال من شخص لا يدرك أن الاستثمار بالأسهم حرفة كأي حرفة أخرى لها أصول وقواعد، وكلما كنت ماهراً في استيعاب تلك الأصول والقواعد أصبحت قادراً على تحقيق نتائج جيدة.

لكن إذا تبنيت نظرية أن السوق السعودي استثناءً وتحركه قوى خفية فلن تكلف نفسك عناء التعلم والتجربة

وفي الختام نود أن نؤكد على الاعتزاز الشديد بتعليقات ومشاركات القراء الكرام التي نستفيد منها كثيراً وكان لها الفضل في التطور النوعي الذي يشهده المحتوى باستمرار، ولذلك نحرص على التفاعل معها بقدر الإمكان.

المصدر: ارقام

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق