أخبار العالم

المسافرون أكبر الخاسرين من الصراع الأمريكي – الأوروبي في قطاع الطيران

قبل أيام أعطت منظمة التجارة العالمية الضوء الأخضر للولايات المتحدة، لفرض رسوم جمركية على بضائع مستوردة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.5 مليار دولار.
يعد القرار أحدث فصل في معركة دامت 15 عاما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بشأن الدعم غير المشروع لمصنعي طائرات إيرباص وبوينج، أكبر شركات إنتاج الطائرات في العالم.
يرى خبراء اقتصاديون أن هذا الحكم سيفتح الباب أمام دخول شركات أخرى إلى حلبة المنافسة في سوق الطيران العالمية مع مراجعة ثغرات أدت إلى ممارسات احتكارية بين أكبر غريمين في القطاع، مؤكدين عدم وجود رابح في هذه المعركة، وأن الخاسر الأكبر من الإجراءات الانتقامية بين الجانبين الأمريكي والأوروبي سيكون المسافرين، الذين سيتحملون فاتورة التعريفات الانتقامية، ما قد ينعكس على أسعار التذاكر وتراجع طلبيات الشركات من الطائرات.
أول رد فعل من قبل المسؤولين الأمريكيين بشأن قرار منظمة التجارة، تمثل في تصريحات لهم بأنهم سيفرضون رسوما جمركية بنسبة 10 في المائة على طائرات إيرباص.
ورغم ما يمثله القرار الأمريكي من إزعاج للجانب الأوروبي، إلا أنه يبدو إزعاجا مؤقتا لن يدوم طويلا، فأغلب التوقعات تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي سيوجه ضربة ما إلى شركة بوينج قريبا.
تشير منظمة التجارة إلى أن شركة بوينج الأمريكية تلقت هي الأخرى إعفاءات ضريبية غير مشروعة وأموالا عن طريق الأبحاث الحكومية، وستصدر المنظمة الدولية العام المقبل حكما يجيز للمفوضية الأوروبية تطبيق تعريفات انتقامية على “بوينج”.
في هذا الإطار، يقول لـ”الاقتصادية”، المهندس نيل براس مدير قسم المبيعات في شركة “إيزي جيت”، “إن الحروب التجارية مدمرة، ونتائجها مريرة، لكن البعض يخرج منها رابحا والبعض الآخر يخرج محملا بخسائر ضخمة، لكن وفقا لحكم منظمة التجارة بشأن المساعدات غير القانونية التي حصلت عليها كل من “بوينج و”إيرباص” فإن كلا الطرفين سيخرج خاسرا من تلك المعركة، وربما يفتح هذا الحكم ثغرة في احتكار “إيرباص” و”بوينج” صناعة الطائرات العالمية”.
يبدو من الناحية الواقعية، أن حكم منظمة التجارة العالمية طرح تساؤلات حول إمكانية تراجع قطاع الطيران العالمي نتيجة احتدام الصراع الأمريكي – الأوروبي في هذا المجال.
فالمساعدات غير القانونية مثلت بالنسبة إلى عديد من الاقتصاديين نوعا من أنواع التدخل الحكومي في أداء الأسواق، وهو ما لا يعد عادلا أو متفقا مع قواعد التجارة الحرة التي تدافع عنها منظمة التجارة العالمية.
تعتقد الدكتورة تريسي جورج أستاذة التجارة الدولية في جامعة شيفيلد أنه من الضروري أخذ فكرة المساعدات غير القانونية في صناعة الطيران ضمن سياقها الأعم المرتبط بالصناعة ذاتها.
وتضيف لـ”الاقتصادية”، أن “الطيران صناعة ذات طابع استراتيجي، ومرتبطة في جزء كبير منها بالصناعات العسكرية، لهذا ترتبط بشكل كبير ودائم بالأبحاث الحكومية وتستفيد منها، فنحو 23 في المائة من إيرادات شركة بوينج تأتي على سبيل المثال من مبيعات متصلة بجوانب عسكرية، وتصل تلك النسبة إلى 17 في المائة في “إيرباص”، كما أن الإنتاج الكبير في كل من “بوينج” و”إيرباص”، يجعل من الصعب على الشركتين أن تجدا أسواقا لإنتاجهما من دون مساعدة الحكومات”.
مع هذا، يعتقد البعض أن قرار منظمة التجارة – الذي يبدو للوهلة الأولى كأنه يصب في مصلحة الإدارة الأمريكية – يجب النظر إليه بكثير من التأني، ففرض التعريفات الجمركية سيرفع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين.
وحول هذا التطور، يؤكد نيل براس أن “شركات الطيران الأمريكية أدركت منذ اللحظة الأولى الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها، فمجموعة من شركات الطيران الأمريكية أعلنت أن رفع التعريفة الجمركية 10 في المائة قرار غير مسبوق”، مشيرين إلى أن ذلك سيؤثر سلبا في صناعة الطيران التجارية في الولايات المتحدة وكذلك في الاقتصاد الكلي.
وربما يعود ذلك إلى أن شركات الطيران تشتري الطائرات قبل أعوام، وفي بعض الأحيان تطلب نماذج لا تزال قيد التطوير، وسيكون من الصعب عليها للغاية تحويل العقود من “إيرباص” إلى “بوينج” بعد ارتفاع أسعار “إيرباص”، لهذا ستقوم بتحويل التكلفة إلى المستهلك.
يتضح ذلك من البيان الذي أصدرته الخطوط الجوية الأمريكية دلتا، التي طلبت 170 طائرة “إيرباص” لتجديد أسطولها، إذ أعلنت أن رفع التعريفة الجمركية الأمريكية سيلحق أضرارا جسيمة بشركات الطيران في الولايات المتحدة، وملايين الأمريكيين الذين يعملون لديها والمسافرين.
الأكثر من ذلك، أن البعض يعرب عن خشيته من أن يذهب الصراع إلى أبعد من ذلك، ويرى سيمون دريك الباحث الاقتصادي أن الأمر سيتجاوز صناعة الطيران، بحيث يمكن أن يلحق أضرارا أكبر بالعلاقة التجارية البالغة 1.3 تريليون دولار بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ما يضر الجميع.
ويضيف لـ”الاقتصادية”، أنه “يمكن للمحادثات حول صفقة تجارة حرة جديدة بين الأوروبيين والولايات المتحدة أن تمنى بالفشل، كما أن الجهود الأمريكية – الأوروبية المشتركة للضغط على الصين لتحسين ممارستها التجارية أو إصلاح النظام التجاري العالمي، يمكن أن تتراجع، كما أن التوترات بين الحلفاء على ضفتي الأطلسي ستزداد”.
مع هذا، يظل السؤال المطروح حاليا، حول كيفية تأثير حكم منظمة التجارة في شركتي إيرباص وبوينج؟
هنا يمكننا القول إن شركة إيرباص حتى عام 1987 عندما أطلقت الطائرة من طراز A320، لم تكن تتمتع بهياكل إنتاج مربحة وتحصل على دعم أوروبي كبير، لكن الشركة أفلحت في تطوير نفسها لتقف الآن منافسا لـ”بوينج” الأمريكية.
أوسكار سميث الخبير في مجال الطيران والطيار السابق، يعبر عن خشيته من أن يكون لضريبة الـ10 في المائة التي ستفرضها الولايات المتحدة على شركة إيرباص تأثير سلبي في مستقبل الناقل الجوي الأوروبي.
يوضح سميث لـ”الاقتصادية”، أن نسبة الـ10 في المائة قد لا تبدو كبيرة، لكن عندما نتحدث عن طائرة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، فإن الأمر يختلف.. فجزء كبير من إنتاج “إيرباص” يوجه إلى الولايات المتحدة، ووفقا لآخر إحصاء، فإن شركات الطيران الأمريكية استخدمت 876 طائرة إيرباص، وبالتالي فإن 10 في المائة زيادة في أسعار “إيرباص” ستمثل كارثة للشركات التي تستخدم تلك الطائرات، ما قد يدفعها إلى تأجيل طلبياتها أو حتى إلغاء أوامر الطلب تماما.
ويشير سميث إلى أنه “إذا أخذنا في الحسبان أن لدى شركات الطيران الأمريكية نحو 900 طلب مستحق من شركة إيرباص، وأن سلسلة التوريد الخاصة بطائرات إيرباص في الولايات المتحدة يقودها نحو 275 ألف موظف في 40 ولاية، كما أنها توظف بشكل مباشر أربعة آلاف موظف أمريكي، فإن تعرض “إيرباص” لأي هزة نتيجة التعريفة الأمريكية، سيقلص الطلبات الأمريكية على طائراتها، ولن يمر تأثير ذلك في القوى العاملة في الولايات المتحدة مرور الكرام”.
لكن، هل يعني تعرض “إيرباص” للمتاعب أن شركة بوينج ستخرج منتصرة؟ يعتقد البعض أن “بوينج” ستخرج فائزة إلى حين، فعدد طلبيات “بوينج” في الاتحاد الأوروبي يبلغ أكثر قليلا من 50 في المائة من طلبيات “إيرباص” في الولايات المتحدة، إذ يقدر عدد طائرات بوينج التي تطلبها شركات طيران أوروبية بنحو 589 طائرة.
لكن هذا النصر – من وجهة نظر آدم موربورج الخبير الاستثماري – يعد انتصارا مؤقتا، وسريعا ما سيتلاشى، بل ربما تخرج منه شركة بوينج وهي في وضع أسوأ.
يضيف موربورج لـ”الاقتصادية”، أنه “بكل المعايير سيكون انتصارا مؤقتا، ربما لن يكمل عاما أو أقل، فبمجرد إصدار منظمة التجارة قرارا بشأن أحقية الجانب الأوروبي في فرض رسوم جمركية على الولايات المتحدة نتيجة المساعدات غير القانونية المقدمة إلى شركة بوينج، فلن يكون للفوز الأمريكي أي معنى، بل يمكن أن تكون خسائر “بوينج” المستقبلية أكثر من خسائر “إيرباص” حاليا”.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق