البنوك

بيانات التمويل الحديث تكشف حقائق غير مريحة

ما الذي يحدث بحق في جزر كايمان؟ هذا سؤال يطرح غالبا فيما يتعلق بضريبة الشركات. هذا الأسبوع، مثلا، دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى وضع حد للثغرات التي تسمح للشركات العالمية بخفض فواتيرها الضريبية في أماكن مثل الأقاليم البريطانية الواقعة فيما وراء البحار.
فيما تحتد النقاشات بشأن ذلك، هناك جانب آخر من جوانب العولمة يستحق مزيدا من النقاش: التدفقات المالية المرتبطة بمراكز خارج الحدود، خاصة بين المصارف والكيانات غير المصرفية. حتى وقت قريب بدا هذا النشاط لغزا ملفوفا داخل أحجية بالنسبة إلى المستثمرين. نعم، نشر المنظمون منذ وقت طويل بيانات عن الأنشطة المحلية للمصارف الخاضعة للتنظيم. لكن كانت هناك معلومات قليلة متاحة بشأن التدفقات المالية في الكيانات غير المصرفية، خاصة عندما كانت تتمركز في مواقع خارجية غامضة.
لقد بدأ ذلك يتغير. أحد الأسباب أن مجلس الاستقرار المالي، وهو كيان مقره في مدينة بازل، تم إنشاؤه في أعقاب أزمة 2008، ينشر الآن بيانات عن الكيانات غير المصرفية (أو “مصرفية الظل”، كما هي معروفة عامة) منذ ما يقارب عقدا من الزمان. في الشهر الماضي بدأ بنك التسويات الدولية أيضا نشر بيانات بشأن التدفقات المالية عبر الحدود بين المصارف والكيانات غير المصرفية – حتى بالنسبة للمراكز الخارجية الغامضة.
هذه أخبار جيدة جدا، لأن مجموعتي البيانات سلطتا قليلا من الضوء على واقع التمويل في القرن الـ21. بحث مجلس الاستقرار المالي، مثلا، يظهر أن عالم الكيانات غير المصرفية نما في الأعوام الأخيرة، في الوقت الذي تجاوز فيه النشاط الكيانات المنظمة. “حصة الوسطاء من الكيانات غير المصرفية من إجمالي أصول النظام المالي زادت من 31 في المائة إلى 36 في المائة” في الفترة بين عامي 2007 و2017، وفقا لتقرير من معهد الدراسات العليا لإدارة الأعمال، استند فيه إلى بيانات من مجلس الاستقرار المالي.
في الوقت نفسه، تظهر بيانات بنك التسويات الدولية أن تعاملات المصارف عبر الحدود مع الكيانات غير المصرفية تتضخم أيضا. أحد الأسباب أن المصارف تمول الحكومات بشكل متزايد (عن طريق شراء سنداتها). لكن تعرضها للشركات غير المالية آخذ في الارتفاع بشكل ملحوظ، سواء الشركات التابعة المحلية أو الخارجية. يلاحظ بنك التسويات الدولية إن”المصارف تقرض مبالغ كبيرة للشركات غير المالية الموجودة في المراكز المالية (…) (مع تقديم) ائتمان إلى أذرع تمويل الشركات متعددة الجنسيات الموجودة هناك”، مضيفا أن مطالبات المصارف بشأن الشركات غير المالية في جزر كايمان أكبر منها في إيطاليا. (نعم، في الواقع).
الإقراض عبر الحدود من جانب المصارف للمؤسسات المالية غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، ارتفع كذلك من 4.8 تريليون دولار في عام 2016 إلى 6.6 تريليون دولار في عام 2019. الأمر الأكثر لفتا للنظر أن هذه المؤسسات غير المصرفية أصبحت بهدوء “مصادر مهمة للتمويل عبر الحدود بالنسبة للمصارف، ولا سيما في العملات الدولية”، حسبما ذكر بنك التسويات الدولية.
مع ذلك، هذه المراكز المالية الخارجية تؤدي دورا: نحو 20 في المائة من تمويل المصارف عبر الحدود يتم توفيره من كيانات موجودة في جزر كايمان، وهي نسبة لا تتجاوزها إلا تلك الموجودة في الولايات المتحدة، في حين أن الكيانات الموجودة في لوكسمبورج وجزر كايمان تعد حاسمة في أسواق اليورو. أو حسبما يستنتج بنك التسويات الدولية “مراكز المصارف لدى (الكيانات غير المصرفية) تتركز في عدد قليل من البلدان، ولا سيما المراكز المالية”.
هل يجب أن نقلق بشأن ذلك؟ ليس في المدى القصير، ربما. في النهاية، تميل الكيانات غير المصرفية التي تتعامل معها المصارف في المراكز الخارجية إلى أن تكون شركات تابعة لجهات إدارة الأصول، أو الشركات نفسها التي تتعامل معها داخل أسواقها المحلية. ولا يوجد دليل على أن هذه التعاملات تشكل تهديدات كبيرة الآن.
لكن هناك ثلاث قضايا أطول أجلا يجب على المستثمرين والسياسيين التفكير فيها. أولا، من المثير للقلق بشكل واضح أن مصرفية الظل تتضخم، بالنظر إلى أنها لعبت دورا رئيسيا في الأزمة المالية عام 2008. في النهاية، لا نعرف أين ستضرب الأزمة التالية، لكن حسبما يلاحظ تقرير معهد الدراسات العليا لإدارة الأعمال “إن كان في الماضي أي دليل للتنبؤ بالمستقبل، يمكننا أن نكون على يقين من أن الكيانات التي تؤدي وظائف المصارف، لكنها خارج المحيط التنظيمي، ستلعب دورا مهما”.
ثانيا، من المثير للقلق كذلك أن المعاملات عبر الحدود بين المصارف والكيانات غير المصرفية تبدو مركزة للغاية حول المراكز المالية الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالتمويل بالدولار. ربما تكون هذه نقطة ضعف إذا عمت الاضطرابات في أسواق العملات.
ثالثا، الجهود التي يبذلها كل من بنك التسويات الدولية ومجلس الاستقرار المالي لإنتاج بيانات أفضل عن التمويل الحديث تحتاج إلى دعم من السياسيين وإلى توسيع نطاقها (خاصة أن البيانات لا تزال تعاني وجود ثغرات). ليست شركات التكنولوجيا وحدها التي تشارك في ألعاب المراجحة عبر الحدود؛ بيانات بنك التسويات الدولية تشير إلى أن المراجحة متفشية في عالم المال والأعمال الحديث.
نحن بحاجة إلى تسليط الضوء على ذلك إذا كنا نريد بناء نظام مؤسسي أكثر عدلا ومرونة. وربما تكون جزر كايمان نقطة انطلاق للبدء في تحقيق ذلك.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق