أخبار العالم

«تسونامي الركود» يقترب من شواطئ الاقتصاد العالمي .. ومحافظ المستثمرين تتجه للملاذات الآمنة

“للنجاح ألف أب أما الفشل فطفل يتيم لا أب له، وفي أفضل تقدير له أب واحد”.. على ذات المنوال يسير الاستثمار، فكلما انتعش الاقتصاد تعددت مجالات الاستثمار وتنوعت فرصه أمام المستثمرين، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام رؤوس الأموال المحلية والدولية على السواء.
أما إذا تعثر وأصابه الركود، فالجميع يتسابق للقفز من السفينة قبل أن تغرق، والنجاة بكل ما حمل، بحثا عن ملاذ آمن يحتمي به من العاصفة في انتظار انقشاع الغيوم وتحسن الأحوال.
وهو منطق طبيعي يتسق مع الحساسية المفرطة للاستثمارات، خاصة الأجنبية منها، في أوقات الأزمات الاقتصادية.
لكن الكارثة الحقيقية، التي قد تواجه رؤوس الأموال والمستثمرين تقع عندما تتجاوز الأزمة الاقتصادية حدود الدولة وأبعاد الإقليم، ويصبح الاقتصاد العالمي ككل مهددا بالوقوع في براثن الركود، وتصبح منافذ الاستثمار الناجح محدودة ونادرة، وأقل عائدا وأكثر خطورة في أغلب الحالات.
وهنا يمكن الجزم بأن القرار الاستثماري يصبح في مأزق، يتجاوز في كثير من الأحيان قضية غياب القنوات الاستثمارية المضمونة، إلى فكرة الاستثمار ذاتها.
ويعد هذا المشهد وجها واحدا من وجهي العملة، وربما لا يكون الوجه الآخر ذائع الانتشار، وغالبا ما يتم تجاهله أو التقليل من شأنه ومخاطره، لكن لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه. فانخفاض الأرباح في زمن الركود، وتراجع أسعار الفائدة لتحفيز الاقتراض والنمو، يدفع برؤوس الأموال إلى المغامرة، مضاربة تارة واستثمارا في مشاريع عالية المخاطر تارة أخرى، يحركها في ذلك الرغبة في اغتنام الفرصة، والأمل بتحقيق أرباح ضخمة أو ضربة العمر في لحظات القلق والتوتر العام.
وهذا النمط الاستثماري يحمل في طياته كثيرا من المخاطر، ليس فقط لرؤوس الأموال المستثمرة، بل للمنظومة الاقتصادية ككل.
ويبدو أن وضع المستثمرين ورجال الأعمال الدوليين في الوقت الراهن، متأرجح بين وجهي العملة، فالاقتصاد الصيني تراجع معدل نموه في الربع الثاني هذا العام إلى أدنى مستوى في 27 عاما، وقبل أيام حقق معدل نمو 6 في المائة فقط في الربع الثالث ليكون ذلك أدنى معدل نمو للصين في ثلاثة عقود، وأقل من توقعات الخبراء.
ورغم أهميتها للمنظومة الدولية كمصنع للعالم، إلا أن الصين تظل جزءا من مشهد اقتصادي عالمي يتسم بالتوتر وعدم اليقين تجاه الغد القريب، ناهيك عن المستقبل البعيد، فصندوق النقد الدولي أعلن أن الاقتصاد العالمي ينمو بأبطأ وتيرة له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وسيصل معدل النمو العالمي إلى 3 في المائة فقط هذا العام، بانخفاض عن توقعات شهر تموز (يوليو) التي بلغت 3.2 في المائة.
وباتت أمواج الركود تقترب إذا من شواطئ الاقتصاد الدولي، والجميع يتمنى بالطبع ألا تتحول الأمواج الهوجاء إلى تسونامي يجتاح الجميع، ويعيد للذاكرة الأشهر الأولى لأزمة عام 2008 عندما كانت الولايات المتحدة وبلدان غرب أوروبا تضخ أسبوعيا مليارات الدولارات في اقتصاداتها في مسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تفاديا للانهيار.
الوجه الأول للسلوك الاستثماري الحالي على المستوى الدولي، يبدو أنه رد فعل غير متوقع لاتجاه البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة.
فالمنطق الذي ساند الدعوة لتقليص أسعار الفائدة، يكمن في أن هذا الإجراء يشجع المستثمرين على الاقتراض رغبة في التوسع الرأسمالي، إلا أن ما حدث كان العكس تماما.
فانخفاض أسعار الفائدة البنكية، شجع أصحاب رؤوس الأموال على المخاطرة المالية، عبر الاستثمار في قنوات تتسم بالمجازفة.
وعلى الرغم من ترحيب الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بخفض أسعار الفائدة، إلا أنهم حذروا من التكلفة الاقتصادية لتلك الخطوة.
وتشير أحدث التقييمات المالية للبنك الدولي حول خفض الفائدة، إلى أن تلك الخطوة عملت على “تشجيع المستثمرين على المخاطرة بتبني فرص استثمارية لتحقيق عوائد أعلى، ولهذا تظل المخاطر على الاستقرار المالي والنمو مرتفعة على المدى المتوسط”.
منبع الخطر ومخاوفه أن أسعار الفائدة المنخفضة تشجع المستثمرين على الاقتراض، والمخاطرة في مشاريع غير مضمونة، فتعرضهم لخسارة لن يصيبهم بكثير من الضرر، لقدرتهم على تغطية مدفوعات الديون، بينما نجاح تلك المشروعات يعني عمليا تحقيق أرباح مالية ضخمة للغاية.
وفي الحقيقة، فإن بعض أبرز المخاطر الاستثمارية الراهنة، هو أن يؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى بحث صناديق التقاعد وشركات التأمين الدولية عن أصول أكثر خطورة للاستثمار فيها لكنها أيضا أكثر ربحية، ففشل تلك المجازفات قد يسرع من وتيرة الركود الاقتصادي.
وتلك أحد أوجه أنماط تفكير المستثمرين في الأوقات الاقتصادية الصعبة، لكنها بالطبع مشروطة بانخفاض أسعار الفائدة، ولكن ما العمل إذا تواكب الركود الاقتصادي مع ارتفاع أسعار الفائدة البنكية؟
في تلك الظروف يكون الاستثمار في الذهب أبرز الملاذات الآمنة لرؤوس الأموال، وخلال الـ12 شهرا الماضية استيقظت أسعار الذهب نسبيا من ثباتها، الذي طال بعض الوقت، والفضل في ذلك يعود بالطبع للتقلبات في أسواق الأسهم، وعدم اليقين السائد تجاه المستقبل، والشعور العام بأن الاقتصاد العالمي يتجه إلى أوضاع غير إيجابية.
باختصار، بات المعدن الأصفر عنصرا مهما في معركة المستثمرين في الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها في أوقات الأزمات، وتنويع محافظهم الاستثمارية، في اتجاه توليفة مالية أكثر أمنا واستقرارا، حتى إن كانت على حساب معدلات الأرباح.
ولكن لماذا لا يلجأ المستثمرون إلى الدولار الأمريكي كملاذ آمن بدلا عن الذهب؟، ربما يكون السبب في الوقت الراهن، المشكلات السياسية المتعددة التي يواجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع خصومه الديمقراطيين وبعض أعضاء الحزب الجمهوري، أضف لذلك الحروب التجارية التي يشنها ترمب هنا وهناك، وهو ما يوجد حالة من القلق وعدم الارتياح للعملة الأمريكية، كما أن ترمب لديه على المستوى الشخصي موقف متقلب تجاه الدولار القوي، وإن كان يميل إلى الدولار الضعيف على أمل أن يساعد ذلك على زيادة الصادرات الأمريكية.
لكن طوق النجاة الذهبي له تكلفته أيضا، إذ يعمق الأزمة الاقتصادية العالمية ويسرع من وتيرتها، فابتعاد رؤوس الأموال عن أسواق الأسهم لتحقيق الأمان النسبي يضعف القدرة الاستثمارية للشركات، ويدفعها إلى تقليص توسعاتها الرأسمالية، وخفض معدلات التوظيف لديها، مما يأخر من إمكانية النمو الاقتصادي.
وأشار مجلس الذهب العالمي في تقرير له إلى تجاوز التدفقات الاستثمارية في الذهب منذ بداية العام الحالي، وحتى شهر آب (أغسطس) عشرة مليارات دولار، مع نمو أصول صناديق الاستثمار المتداولة عالميا والمدعومة بالذهب بنسبة 8 في المائة هذا العام، وهو ما يشير إلى زيادة التدفقات المالية المتجهة إلى أسواق الذهب.
ويتضح هذا الإقبال من بلوغ أحجام التداول في عقود الذهب طويلة الأجل أعلى مستوياتها على الإطلاق، إذ بلغت نحو 213 مليار دولار يوميا بزيادة قدرها 87 في المائة عن المتوسط اليومي للعام الماضي.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق