متنوع

فضلًا فكر ثانية.. هل اقترب الركود بالفعل؟

الاقتصاد العالمي يمر في الوقت الحالي بمرحلة من التباطؤ المتزامن ويمكنني التأكيد بوضوح على أن هذا العام سيكون الأقل من حيث نسب النمو منذ بداية العقد الحالي، وأن 90% على الأقل من الاقتصادات العالمية ستشهد تباطؤًا في النمو، وقد يكون العام المقبل أسوأ”.. هذا ما أكدته رئيسة صندوق النقد الدولي “كريستالينا جيورجيفا”.

معاناة “غير مالية”

وفي الوقت الذي طالبت فيه “جيورجيفا” بعض الدول “المتحفظة”، وفي مقدمتها ألمانيا، بزيادة إنفاقها بغية تقليل احتمالات وقوع ركود أو الحد من آثاره إذا حدث، إلا أن الصندوق أعلن اعتزامه دراسة نسبة النمو المقدرة لعام 2019 عالميًا عند 3.2% لخفضها، على الرغم من أنها بالفعل أدنى نسبة نمو خلال العقد الحالي.

ووفقًا لموقع “ماركت ووتش”، فإن القطاعات “غير المالية” تعاني عالميًا بشدة خلال الفترة الأخيرة من انخفاض الربحية، حيث تراجع الهامش الربحي من 15.2% عام 2015 إلى 10.9% خلال الربع الثالث لعام 2019.

ويتشابه هذا مع ما حدث قبيل الأزمة المالية العالمية، من انخفاض تلك الأرباح تحت مستوى 5% في الوقت الذي ظلت فيه القطاعات المالية تحقق أرباحًا تربو على 20% سنويًا في المتوسط.

وخطورة مثل هذا التراجع أنه يعني تقلص القيمة المضافة التي تسمح بضخ المزيد من الاستثمارات لهذه القطاعات، بما ينذر بدخول القطاعات غير المالية في أزمة نقص سيولة، وإذا واصلت القطاعات المالية النمو فإن ذلك يعد بمثابة الوصفة السحرية للحصول على فقاعة اقتصادية لن تلبث أن تنفجر مسببةً ضرراً كبيراً للاقتصاد.

وعلى الرغم من تلك التحذيرات شديدة اللهجة إلا أن بنك “مورجان ستانلي” يعتبر أن نسبة حدوث ركود خلال العام المُقبل لا تتعدى 11%، وفي الوقت الذي تبلغ فيه نسبة حدوث ركود إحصائيًا 17% بشكل عام يبدو أن تقديرات البنك تؤكد محدودية نسبة حدوث الركود مقارنة حتى بما هو معتاد.

ويستدل “مورجان ستانلي” على ذلك بأنه في كافة حالات الركود والأزمات المالية العالمية السابقة فإن إشارة البدء للأزمات المالية كانت باستمرار (باستثناء أزمة الأسواق الآسيوية قبل عقدين من الزمان) تنطلق من الولايات المتحدة، ومع معدلات النمو الأمريكي الجيدة فإنه يصعب توقع حدوث ركود.

تفاؤل للبنوك

أما بنك “جولدمان ساكس” فيشير في تقرير إلى أن توقعات الركود “مبالغ بها”، ولا يتوقع تخطي احتمالات حدوث ركود خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة نسبة 25-30%، بما يجعل احتمال الاستمرار بعيدًا عن الركود ضعف أو 3 أضعاف التوجه نحوه.

وتقترب تقديرات بنوك عالمية كثيرة، مثل “دانسك بنك” و”سيتي”، من نسب مماثلة لما قدره “جولدمان ساكس”، أو حول نسبة 30%، بما يجعل تقديرات “مورجان ستانلي” تبدو متفائلة للغاية قياسًا بما عداه من البنوك العالمية.

ويشير تقرير لـ”جوجل” أن البحث عن كلمة “ركود” على محركات بحثه كان في قمته في شهر أغسطس الماضي، حيث بلغ خمسة أضعاف أمثاله خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وعلى الرغم من تراجعه في سبتمبر، إلا أن البحث تزايد على كلمات أخرى، مثل تراجع المؤشرات الصناعية الأمريكية على سبيل المثال.

مؤشر محل تساؤل

ويشير استطلاع لمركز “بيو” لدراسات الرأي في الولايات المتحدة إلى أن نصف الأمريكيين يعتقدون بأن الركود سيقع في العام المقبل “لا محالة” والمقلق في الأمر أن النسبة تزداد بين الطبقات الأغنى (أو الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد) عنها في الطبقات الأدنى.

وارتفعت نسبة هؤلاء المتعاملين في أسواق الأسهم الذين يعتقدون في حصول “ركود قريب” من 44% فحسب في بداية العام إلى 50% مع اقتراب نهايته، فيما يعني تفاقم المخاطر بإثارة حالة من الذعر في أسواق الأسهم إذا ضرب الركود بالفعل مع ترقب كثيرين له.

بل ويشير الاستطلاع إلى توجه جديد بين الأمريكيين يتمثل في الاحتفاظ بمبالغ مالية نقدية في البيوت، تحسبًا لوقوع الركود، حيث تصل نسبة الأمريكيين الذين يفعلون هذا إلى 20% منهم، في ظل خشيتهم من تأثيرات سلبية للركود المحتمل على النظام البنكي بشكل يفوق حتى الأزمة المالية العالمية قبل 10 سنوات.

وعلى الرغم من توقعات البنوك العالمية التي تبدو إيجابية، مقارنة بتوقعات صندوق النقد الدولي والمخاوف الشعبية، إلا أن تقرير لـ”فوربس” يؤكد ضرورة عدم اعتماد تلك التقارير من البنوك كمؤشر مُطمئن ومحايد لمدى اقتراب الركود من عدمه، في ظل عدم مصداقية هذه البنوك في هذا الأمر.

ويُمكن الاستدلال على ذلك بتقديرات البنوك العالمية التي وضعت احتمال وقوع ركود بنسبة لا تتخطى 20% في المتوسط قبل وقوع الأزمة المالية العالمية مباشرة، بما يوحي بأن مصلحة تلك البنوك في الحفاظ على أسواق أموال وأسهم منتعشة قد تؤثر على تقديراتها في بعض الأحيان.

مؤشرات للاستدلال

والشاهد هنا أن هناك عددًا من المؤشرات التي يجب الاستدلال بها على قرب الركود بصفة عامة، ومنها مدى اتخاذ البطالة لمنحنى تصاعدي أو تنازلي، ولهذا يرى الكثيرون صعوبة حدوث الركود مع تقلص نسب البطالة في مختلف دول العالم
إلا أنه وفي المقابل فإن تقلص نصيب الفرد من الدخل (الحقيقي) في العديد من الدول بفعل تدهور قيمة العملات بعض المرات أو تفوق نسبة التضخم على نسبة النمو كفيل بإحداث نفس أثر ارتفاع البطالة، حيث يعني بنهاية الأمر نفس الحقيقة: تراجع في قدرة المستهلكين على الإنفاق، بما يؤشر لتراجع في الإنفاق.

ويترافق هذا مع تراجع كافة مؤشرات الصناعة في الدول الرئيسية، مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، فضلا عن تراجع نسبة النمو (ما زالت تتحرك  ولكن بنسب أقل كثيرًا من السابق)، وكذلك انخفاض الزيادة في مبيعات النفط إلى أدنى مستوياتها  منذ عشر سنوات.

وتشير تقديرات “سي.إن.إن” إلى أنه لو كان الاقتصاد “طبيعيا” ولا يواجه كافة تلك المخاوف المرتبطة بالركود فقد كانت التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة كفيلة برفع أسعار النفط بنسبة تفوق 50% عن مستوياته الحالية، رغم محاولات طمأنة الأسواق المختلفة.

وبذكر الشرق الأوسط يجب الإشارة إلى تحذير البنك الدولي من أن المنطقة ستكون الأكثر تأثرًا جراء الركود العالمي، لا سيما مع انخفاض معدلات النمو فيها إلى 0.6% في النصف الأول من العام الماضي ومع اقتصاد عالمي متذبذب وتخيم عليه سحب الركود واضطرابات سياسية وأمنية فإن نسب النمو ستقل مجددًا
ويدرك كثيرون أسباب الركود الاقتصادي المحتمل، فمن الحروب الاقتصادية إلى “بريكسيت”، ومن تحديات تواجه الأسواق الناشئة إلى الأوضاع السياسية المضطربة في أكثر من دولة حول العالم تبدو الأسباب واضحة.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الأسباب ليست بالجديدة، ولكنها في مجملها شهدت تصاعدًا لافتًا خلال الأشهر الأخيرة، وفقًا لـ”إيكونوميست”، كما أن بعضها يبدو “غير متحكم به”، مثل تراجع النمو في الدول الناشئة والصين وأزمة “بريكسيت” على سبيل المثال، ليبدو الاقتصاد في حالة ضبابية غير مسبوقة منذ زمن، وينذر هذا التداخل الشديد في الملفات بركود قريب، حيث تتعدد أسبابه بشكل لافت.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق