مقالات

فواز العلمي يكتب: «المحتوى المحلي» .. هيئة تثلج الصدر

في يوم الأربعاء الماضي عقدت هيئة المشتريات الحكومية والمحتوى المحلي في مدينة الرياض ورشة عمل رفيعة المستوى لتعريفنا بأهدافها ونتائج أعمالها. لأول مرة في تاريخنا الحديث تبادر هيئة حكومية ناشئة بطرح خطط عملية طموحة، بعيدة عن أكوام الدراسات ودهاليز الاستشارات، مناشدة كل أجهزتنا الحكومية لمساندتها ودعم خطواتها لتعزيز قيمة المحتوى المحلي في جميع القطاعات، وتأسيس الشراكات الاستراتيجية في مختلف الأنشطة، مساهمة منها في رفع نسبة الناتج المحلي الإجمالي وتنويع مصادر دخلنا.
هذه الهيئة أثلجت صدورنا وحققت أحلامنا بتحديد أهداف رفع القيمة المضافة المحلية الرامية إلى تقليص وارداتنا وتوفير فرص العمل لأجيالنا وزيادة إيراداتنا غير النفطية من 27 في المائة خلال العام الجاري إلى 69 في المائة عام 2030. ولأن هذه العوائد الصافية التي تسعى إليها الهيئة، تدعم اقتصادنا التنافسي الذي يحتل اليوم المرتبة الأولى في العالم العربي، والمركز الـ18 بين دول مجموعة العشرين، والمرتبة الـ28 عالميا ضمن قائمة أغنى دول العالم، فقد تم قبل عامين إنشاء شركة الصناعات العسكرية لزيادة المحتوى المحلي من 2 إلى 50 في المائة خلال العقد المقبل، وتبع ذلك إعلان وزارة الصحة برنامج زيادة المحتوى المحلي في صناعة الأدوية إلى 10 في المائة سنويا.
وقبل عدة أعوام بادر كل من شركة أرامكو السعودية وشركة سابك بتأسيس برامجهما المميزة لزيادة المحتوى المحلي. كانت “أرامكو” سباقة في إطلاق برنامج “اكتفاء” لتعزيز القيمة المضافة في قطاع مشتريات الشركة، ليسجل هذا البرنامج خلال الأشهر السبعة الأولى مستويات غير مسبوقة في المحتوى المحلي فاقت 60 مليار ريال.
وفي المقابل رفعت شركة سابك مساهماتها في تنمية قطاعاتها المحلية، حيث تمكنت خلال العام الماضي من زيادة إجمالي قيمة شراء المواد المصنعة المحلية لتصل إلى 2.6 مليار ريال بما يعادل 35 في المائة من إجمالي مشتريات الشركة في العام نفسه، بزيادة قدرها 143 في المائة منذ انطلاق نشاطات الشركة في تطوير المحتوى الصناعي المحلي. كما بلغ إجمالي قيمة عقود الخدمات المحلية في الشركة 7.8 مليار ريال، ما يشكل نسبة 86 في المائة من إجمالي مشتريات الخدمات في الشركة، لترتفع قيمة الشراء المحلي للمواد والخدمات المحلية إلى 10.4 مليار ريال حيث تعادل 64 في المائة من مشتريات الشركة السنوية.
ونظرا لأن المحتوى المحلي جاء لتعزيز مكانتنا الصناعية والإنتاجية، أخذت المملكة على عاتقها مضاعفة جهودها لرفع نسبة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي من المستوى الراهن 3.8 في المائة إلى المعدل العالمي 5.7 في المائة. وهذا سيؤدي إلى زيادة حجم الاستثمارات المباشرة بنسبة 133 في المائة، لتصل قيمتها الإجمالية إلى 2.3 تريليون ريال، وترتفع نسبتها إلى 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام الثلاثة المقبلة. لذا فإن مضاعفة قيمة المحتوى المحلي ستسهم في زيادة حصة صادراتنا غير النفطية لناتجنا المحلي من 16 إلى 50 في المائة، خاصة أن الشركات الاستراتيجية التي أطلقتها الهيئة ستؤدي إلى جذب مزيد من الاستثمارات من خلال إتاحة الفرص المميزة للمستثمرين وتحقيق أهداف استثماراتهم.
وتأكيدا لسعيها في استغلال نعمة موقعها الجغرافي المميز الذي يمر عبره 13 في المائة من التجارة العالمية، بادرت المملكة بتطوير موقعها اللوجيستي ليكون محفزا لانطلاقة اقتصادية معرفية حديثة تسعى لدعم الصناعة والصادرات، وترسيخ الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 في المائة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وزيادة قيمة محتواه المحلي بنسبة 300 في المائة كي تزداد إيرادات الدولة غير النفطية من 163 مليارا إلى تريليون ريال بحلول 2020.
ولتحقيق هذه الأهداف بادرت المملكة في العام الماضي إلى استغلال نظرية التكامل الاقتصادي مع الدول المتقدمة في الذكاء الاصطناعي، فأبرمت خلال العام الجاري عشرات الاتفاقيات مع أمريكا والصين واليابان وروسيا لدمج المزايا التنافسية لهذه الدول مع المزايا النسبية السعودية، ما يحقق النجاح في رفع مستوى المحتوى المحلي وزيادة الدخل الصافي لاقتصادنا وكسب الأسواق العالمية لمصلحة صادراتنا. وهذا بدوره يؤدي إلى توفير المعدلات العالية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية معا.
ولكون القطاع الخاص بجميع أطيافه يعد العمود الفقري لاقتصاد المملكة لأنه يوفر أكثر من 77 في المائة من فرص العمل، وتزيد ثرواته واستثماراته على نحو تريليوني ريال، لتغطي 72 في المائة من القطاع الاستهلاكي، و48 في المائة من قطاع البناء والعقارات، و32 في المائة من القطاع الصناعي، و12 في المائة من قطاعات الطاقة والبتروكيماويات، فإن سرعة تأقلمه مع مبادئ اقتصاد السوق وأحكام التجارة الحرة سيؤدي حتما إلى تعظيم قدراته على المنافسة وتنمية محتواه المحلي، من خلال زيادة نسبة توطين وظائفه من 19 إلى 24 في المائة، وتشجيع مساهمة المرأة في العمل ومنحها الحوافز الملائمة، لرفع نسبة مشاركتها من 39 إلى 42 في المائة خلال خمسة أعوام.
هذه الخطوات ستعزز الزيادة المطلوبة في قيمة المحتوى المحلي لتحقق المملكة مركزها المتقدم بين الدول الأسرع نموا في القرية الكونية تمهيدا ليصبح اقتصادنا ضمن أكبر 15 اقتصادا في العالم، ويتقدم إلى المركز الـ25 على مؤشر الخدمات اللوجيستية عالميا والمركز الأول إقليميا، تهيئة لنقفز إلى المرتبة الـ20 على مؤشر التنافسية العالمي، مدعما بمرتبتنا الثالثة عالميا كأفضل دولة في الحرية المالية والنظام الضريبي، ومركزنا الرابع كأقوى نظام مصرفي بين دول المعمورة.
في هذه الورشة أثبتت هيئة المشتريات الحكومية والمحتوى المحلي أن خطواتها ترقى لمستوى تطلعاتنا، فأثلجت صدورنا بسعيها الدؤوب لتحقيق أهداف رؤيتنا وطموحات وطننا.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق