البنوك

أسعار الفائدة السلبية .. نقاش فكري

البنك المركزي الأوروبي اتخذ منعطفا توسعيا حادا من خلال حزمة التحفيز الأخيرة التي شملت تخفيضا إضافيا لسعر الفائدة السلبي بالفعل على الودائع. كانوا على حق في فعل ذلك، بالنظر إلى الأدلة التي تشير إلى أن اقتصاد منطقة اليورو يعاني ضعفا في الأداء، فضلا عن مخاطر أخرى في الأفق تهدد النمو.
كان قرارا مسببا للانقسام. لكن التباطؤ المستمر في اقتصاد منطقة اليورو من المرجح أن يثبت أن الحمائم على حق ويجعل من الصعب على الصقور مواصلة انتقاداتهم. بدلا من ذلك، مع إشارة بعض صانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي إلى أن هناك ما هو أكثر في المستقبل، إذا لزم الأمر، فمن المرجح أن يتحول النقاش من ضرورة اتخاذ إجراء سياسي إلى فاعلية أي تخفيف نقدي إضافي.
على وجه التحديد، هل يمكن لمزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة أن تحفز إجمالي الطلب عندما تكون الأسعار بالفعل أقل من الصفر؟ هذا السؤال يشق طريقه بالفعل من الدوائر الفنية إلى النقاش الأوسع. وكما لفت فولفجانج مونشاو الانتباه في نشرة دورية، مفهوم “سعر الفائدة العكسي” أثاره محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة “فرانكفورتر ألجيمن زيتونج”، جيرالد برونبيرجر.
مونشاو يرحب بـ “هيجان نادر للعقلانية في نقاش اقتصادي حاسم مختلف”. إنه على حق. لكن ماذا عن جوهر الحجة؟
تم تطوير سعر الفائدة العكسي باعتباره مفهوما نظريا من قبل الاقتصاديين، ماركوس برونيرمير، ويان كوبي. يتم تعريفه على أنه سعر الفائدة (السالب على الأرجح) الذي في ظله تؤدي تخفيضات الفائدة إلى انخفاض الإقراض من المصارف. بعبارة أخرى، سعر الفائدة العكسي هو مستوى أسعار الفائدة حيث يكون النوع الأكثر تقليدية من “تحفيز” البنك المركزي في الواقع انكماشيا.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ في الأنموذج النظري، يظهر السعر العكسي للسبب التالي: عندما يحرك البنك المركزي أسعار الفائدة، يمكن أن يؤثر ذلك في وضع رأسمال المصارف من خلال تغيير قيمة الأرباح المستقبلية اليوم. وبشكل أكثر تحديدا، يؤدي خفض سعر الفائدة إلى جعل وضع رأس المال أسوأ إذا ضغط على صافي إيرادات الفوائد (الأرباح المتأتية من الإقراض) بما يكفي لترجيح مكاسب رأس المال على الأوراق المالية التي تمتلكها. بدوره، وضع رأس المال المتدهور يوجد حوافز لتقليص الإقراض أو تخفيض الميزانيات العمومية للمصارف، التي تجد نفسها قريبة من عتبات الأسهم التي يتعين عليها احترامها قانونيا.
من المهم تأكيد أن هذا احتمال نظري، وذلك مفيد لتوضيح تفكيرنا، لكن بالنسبة للسياسة من المهم معرفة ما إذا كان هناك سعر فائدة عكسي في الواقع. هناك عدد من الافتراضات اللازمة لجعل الحجة تعمل، وقد لا تكون جميعها صحيحة. لكي يكون هناك سعر فائدة عكسي، يجب أن يكون كل ما يلي صحيحا: يجب أن تؤدي أسعار الفائدة المنخفضة إلى هوامش فائدة صافية ضيقة أكثر للمصارف. في الوقت نفسه، يجب عدم تعويض هذه الهوامش المنخفضة بأحجام إقراض أكبر – الأمر الذي يبقي الدخل من الفوائد (بدلا من الهوامش) مستقرا. ويجب أن تجد المصارف نفسها بالفعل أمام خطر كسر حدود رأس المال.
ما هي الحقيقة؟ أولا، في حين أن هناك شعورا واسعا بأن معدلات الفائدة المنخفضة تميل إلى الاتجاه مع هوامش فائدة ضيقة أكثر للمصارف، فإن الضغط على هذا الهامش ليس كبيرا من الناحية الكمية. كشفت دراسة سابقة للبنك المركزي الألماني، مثلا، أن انخفاض أسعار الفائدة نقطة مئوية واحدة قلص هامش الفائدة الصافي للمصارف الألمانية 0.07 نقطة مئوية.
لكن الأهم من ذلك، لا يوجد دليل على أن أسعار الفائدة المنخفضة للغاية للبنك المركزي الأوروبي تسببت في أي ضرر إطلاقا لصافي دخل الفوائد للمصارف في منطقة اليورو. كما أوضح فريدريك دوكروزيت ونادية غربي، وهما محللان في “بيكتت” Pictet، الدخل كان مستقرا قبل فترة طويلة من اتجاه البنك المركزي الأوروبي إلى السلبية، سواء من حيث القيمة المطلقة أو كعائد بالنسبة المئوية على الأصول.
حتى لو نظرنا إلى أكبر البلدان بشكل منفصل، هذا الاكتشاف يظل قائما. شهدت المصارف الفرنسية والألمانية دخلا صافيا مستقرا من الفوائد. المصارف الإيطالية تعافت بعد تراجع، والإسبانية شهدت ارتفاع الدخل الصافي من الفوائد في عصر أسعار الفائدة السلبية.
الآلية الرئيسية التي تحدِث من الناحية النظرية سعر فائدة عكسيا غير مرئية في الواقع. إضافة إلى ذلك، الربحية المصرفية التي تستند إليها الآلية تعتمد على عدد من الأشياء الأخرى – نماذج الأعمال التجارية الخاصة بالمصارف، كما يحب أن يؤكد صناع السياسة في البنك المركزي الأوروبي، بل أيضا قرارات السياسة النقدية الأخرى. بالنظر إلى أن المصارف تمول نفسها بفترة استحقاق أقصر مما تقرضه، فإن شكل منحنى العائد أمر مهم، ويمكن للبنك المركزي أن يختار استهداف أسعار الفائدة الأقصر والأطول أجلا بشكل مختلف. إذا كانت ربحية المصارف تمثل مشكلة كبيرة، فلا شيء يمنع البنك المركزي الأوروبي من خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل بشكل أكثر قوة من أسعار الفائدة طويلة الأجل، وبالتالي تعزيز الدعم للوظيفة الأساسية للمصرف التي تتمثل في تغير الاستحقاق.
مما أسمع داخل البنك المركزي الأوروبي، فإن وجهة النظر في الداخل هي أن السعر العكسي مهم من الناحية النظرية، لكن هذا المفهوم المنمق لا ينبغي أن يقيد السياسة النقدية حتى يبدأ عدم التأثر المفترض في الظهور فعليا في البيانات الحقيقية. هذا هو الرأي الصحيح الذي يجب على صناع السياسة اتخاذه. البنك المركزي الأوروبي ليس قريبا من نفاد الذخيرة.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق